شرح مختصر السيرة 3

شرح مختصر السيرة 3

الدرس في شرح مختصر السيرة 3، الدرس الثالث : وفيه : ( وأما قصة آدم وإبليس فلا زيادة على ما ذكر الله في كتابة ولكن قصة دريته ... هذا آخر حديث ابن عباس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بداية الخلق ونشأة الشرك

شرح قصة آدم وإبليس وذرية آدم، حيث أخرج الله ذرية آدم من صلبه وأخذ عليهم العهود. ثم شرح كيف حدث الشرك في الأرض بعد نوح وأرسل الله الرسل لدعوة الناس إلى التوحيد.

غربة أهل الحق وقصة إبراهيم مع الجبار

يتناول قصة إبراهيم عليه السلام مع الجبار، حيث قدم إبراهيم أرض الجبار ومعه زوجته سارة. يبرز المقطع دلالة على غربة أهل الحق وكيف أنهم يكونون قلة.

قصة إبراهيم وإسماعيل في مكة وبناء الكعبة

يروي قصة إبراهيم عليه السلام عندما ترك إسماعيل وأمه في واد غير ذي زرع بمكة، ثم زيارة إبراهيم لإسماعيل وطلاقه لزوجته الأولى وتزويجه من الثانية، وبناء الكعبة مع إسماعيل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: قالوا: أما قصة آدم وإبليس فلا زيادة على ما ذكر الله في كتابه، ولكن قصة ذريته، فأول ذلك أن الله أخرجهم من صلبه أمثال الذر، وأخذ عليهم العهود ألا يشرك به شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. ورأى بهم الأنبياء مثل السرج، ورأى بهم رجلًا من أنورهم، فسأله عنه، فأعلم أنه داود، فقال: كم عمره؟ قال: ستون سنة. قال: وأبيت له من عمري أربعين سنة. وكان عمر آدم ألف سنة. ورأى بهم الأعمى والأبرص والمبتلَى، قال: يا رب، لما لا سويت بينهم؟ قال: إني أحب أن أشكر. يعني: من حكمة الابتلاء أنه سبب للشكر، فلولا ظلمة الليل ما علم فضل النهار، ولولا كذلك بلاء العمى لما علم نعمة البصر، ولولا كذلك وجود العرج لما علم صحة عدم العرج، وهكذا. فهذا من حكمة الله جل وعلا. ومع ذلك فذاك الذي يبتلى يرفع له في الأجر والقدر، فيكون له الفضل العظيم إذا صبر وشكر، ويكفر عنه من سيئاته، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- حديث أبي هريرة عند أحمد، إسناد حسن: «إن الله ليرفع العبد الدرجة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه، ولكن ببلاء يبتليه». قال: ورأى بهم الأعمى والأبرص والمبتلَى، قال: يا رب، لما لا سويت بينهم؟ قال: إنه أحب أن أشكر. فلما مضى من عمر آدم ألف سنة إلا أربعين، أتاه ملك الموت، وقال: إنه بقي من عمري أربعون سنة. وكان ملك الموت بما يأتي الناس يأتيهم فيرونه، يأتي الأنبياء فيرونه، حتى كان ما سيأتي. جاء الله لعله الإشارة إليه مع موسى ما كان. وكان بعد ذلك لا يأتي -يعني عيانًا-. وأصل هذه القصة جاءت في أحاديث كثيرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من حديثه وغيره، وأصلها في الآية التي ذكرها، وهو أخذ الميثاق على ذرية آدم. وقد فسر العلماء هذا الميثاق والعهد بأشياء كثيرة، ففسر أنه ميثاق وعهد حقيقي أخذ على ذرية آدم، أخرجهم الله جل وعلا، وكان ذلك عند خلق آدم أو بعد خلق آدم، فأخرجهم من صلبه، فكانوا جميعًا كالذر، وأخذ عليهم الميثاق، وكان ذلك معنى فطرة، وكان ذلك معنى فطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها. وليس هي التي يكون عليها، مقتضى التوبة والعقاب، بل مقتضى التوبة والعقاب يكون بما يكون من الناس من العمل. وفسر بتفسير آخر: وذلك أن هذا الميثاق والعهد الذي أخذه الله جل وعلا هو ميثاق وعهد كان فيه إظهار ذلكم الأمر، وهو أمر عبادة الله جل وعلا، وكان بعد ذلك تجديد هذا الميثاق بما بعث الله عز وجل من الرسل. قوله في هذه الرواية: «ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج، ورأى فيهم رجلًا من أنورهم». جاء هذا فيه روايات، لكن ذكر السرج الأنبياء ما أدري يحتاج إلى مراجعة: هل صحت هذه اللفظة أن الأنبياء كانوا مثل السرج؟ المشهور في الروايات هو ذكر داود، وأن له نورًا، فسأل عنه، فقال: هذا ولد من أولادك يا نبي الله داود. قال: فإنه بقي من عمري أربعون سنة، فقال: إنك وهبتها لعبدك داود. فنسي آدم، فنسي ذريته، وجحد آدم، وجحد الذرية. قال: لما مات آدم بقي أولاده بعده عشرة قرون على دين أبيهم دين الإسلام. وهذا جاء معناه من حديث عبد الله بن عباس، وذكره شيخنا -رحمه الله- في «الصحيح المسند». قال: ثم كبروا بعد ذلك، وسبب كفرهم الغلو في حب الصالحين، كما ذكر الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. وذلك أن هؤلاء الخمسة قوم صالحون كانوا يأمرونهم وينهونهم، فماتوا في شهرهم، فقام أصحابهم من نفس الدين بعدهم، فصوروا صورة كل رجل في مجلسه؛ لأجل التذكر بأقوالهم وأعمالهم إذا رأوا صورهم. ولم يعبدوهم، هم. طال الزمان، ومات أهل العلم، فلما خلت الأرض من العلماء، ألقى الشيطان في قلوب الجهال أن أولئك الصالحين ما صوروا أو ما صوروا صور مشايخ إلا ليستشفعوا بهم إلى الله، فعبدوهم. وجاء أبيداء كما مر معنا مرات في أثر عبد الله بن عباس الذي رواه البخاري، أو أشار إليه وطرفًا منه، وروي كذلك عند غيره، وهو -إن شاء الله- حسن على أقل أحواله، وإن كان به كلام، لكن -إن شاء الله- لا يضر. كما أشار الحافظ المحقق -رحمه الله- بتعليقه على هذا الأثر. قال: فلما فعلوا ذلك أرسل الله إليهم نوحًا -عليه السلام- ليردهم إلى دين آدم، ذريته الذين مضوا قبل التفديل، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه. ثم عمر نوحًا وأهل السفينة الأرض، أو عمر لعله عمر. ثم عمر نوحًا وأهل السفينة الأرض -يعني عمروا الأرض- بمكان من منى، وسكن. فتفرقوا في الأرض. قال: وبارك الله فيهم، وانتشروا في الأرض أممًا، وبقوا على الإسلام مدة لا ندري ما قدرها. وهذا هو المشهور في كتب التاريخ: أن أولاد نوح انتشروا، أو من كان مع نوح انتشروا في الأرض، فكان منهم هذه الأمم التي على وجه الأرض في هذا الزمان إلى هذا الزمان. قال: وبارك الله فيهم، وانتشروا في الأرض أممًا، وبقوا على الإسلام مدة لا ندري ما قدرها؛ لأننا لم نخبر -لا في كتاب ولا في سنة صحيحة- كم قدر المدة التي مكث فيها نوح -عليه الصلاة والسلام- ومن معه من أهل السفينة. وأما ما يذكر في بعض التواريخ، وربما في بعض التفاسير، فأكثره من الإسرائيليات. قال: ثم حدث الشرك، ثم حدث الشرك، فأرسل الله الرسل. وما من أمة إلا وقد بعث الله فيها رسولًا يأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ الآية. قال: ولما ذكر القصص بصورة الشعراء، ختم كل قصة بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فقص الله -سبحانه- ما قص لأجلنا -يعني الأجل- أن نعتبر ونستفيد من هذه القصص. وهذا هو المقصود. وكما قلنا: أن هذا الكتاب المقتصر في سيرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- تميز بذكر العبر، وكذلك الحكم التي تستفاد من السيرة. ولأجل هذا مهد بهذا التمهيد في ذكر قصص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وكيف أن الله جل وعلا أمرنا أن نأخذ منها العبرة، وأن نستفيد منها كذلك الحكمة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ الآية. قال: ولما أنكر الله على أناس من هذه الأمة بزمن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أشياء فعلوها، قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ الآية. قال: وكذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقص على أصحابه قصص من قبلهم؛ ليعتبروا بذلك. وكذلك أهل العلم في نقلهم سيرة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وما جرى له مع قومه، وما قال لهم، وما قيل له. وكذلك نقلهم سيرة الصحابة، وما جرى لهم مع الكفار والمنافقين، وذكرهم أحوال العلماء بعدهم، كل ذلك لأجل معرفة الخير والشر؛ فيرغب بالخير، ويزهد في الشر. قال: إذا فهمت ذلك، فاعلم أن كثيرًا من الرسل وأممهم لا نعرفهم؛ لأن الله لم يخبرنا عنهم. لكن أخبرنا عن عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، فبعث الله إليهم هودًا -عليه السلام-، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه. يريد: أن بين نوح وهود أمم كثيرة لم نخبر بها. وكان هناك رسل كثير لم نخبر بهم. وهل كان بين نوح وآدم -عليهما الصلاة والسلام- رسل وأنبياء؟ الله أعلم. أما الرسل، فأول الرسل نوح. وأما الأنبياء، فالله أعلم. قال: إذا فهمت ذلك، فاعلم أن كثيرًا من الرسل وأممهم لا نعرفهم؛ لأن الله لم يخبرنا عنهم. لكن أخبرنا عن عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، فبعث الله إليهم هودًا -عليه السلام-، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه. وبقي التوحيد بأصحاب هود إلى أن عدم بعد مدة -أي زال هذا التوحيد- لا ندري كم هي. وهذا هو الواجب في كل شيء لم نقف به في كتاب ولا في سنة صحيحة. قال: وبقي بأصحاب صالح إلى أن عدم -أي هذا التوحيد- بعد مدة لا ندري كم هي. ثم بعث الله إبراهيم -عليه السلام-. وليس على وجه الأرض يومئذ مسلم -بتلك الحال- كما في الحديث الذي قرأناه قبل قليل، وسيذكره الشيخ -رحمه الله-. قال: فجرى عليه من قومه ما جرى، وآمن به إسماعيل، ثم آمن له لوط -عليه السلام-. ومع هذا نصره الله ورفع قدره، وجعله إمامًا للناس. ومنذ ظهر إبراهيم -عليه السلام- لم يعدم التوحيد في ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ -أي كلمة التوحيد ودين الإسلام-. قال: إذا كان هو الإمام، فنذكر شيئًا من أحواله؛ لا يستغني مسلم عن معرفتها. فنقول بالصحيح -وهذه رواية مسلم-، ومر معنا أن الحديث كذلك في البخاري: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لم يكذب إبراهيم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قط إلا ثلاث كذبات». والمراد بالكذبات -كما سيأتي إن شاء الله- هي التي أجازتها ذلة الشرع في ديننا، وفي غيره من دين الله جل وعلا، وبه تندفع الضرورات، وفي المعاريض من دوحة عن الكذب. قال: «إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله». قوله: «فإني سقيم». ومتى قال: «إني سقيم»؟ حين دعا أن يذهب معه. وقوله: «بل فعلها كبيرهم هذا، فاسألوه إن كانوا ينطقون». وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار، ومعه سارة، وكانت من أحسن النساء، فقال: «لا، إن هذا الجبار إن علم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك، أدريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام». «فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك». وهذا هو الشاهد الذي لأجله أورد هذه القصة -رحمه الله تعالى-؛ ليبين أنه لم يكن في عهد إبراهيم -عليه السلام- أحد على التوحيد إلا إبراهيم وسارة. وهذا يدل على غربة أصحاب الحق، فإن أهل الحق دائمًا يكونون قلة، وغالبًا يكونون كذلك ليس بكثرة. قال: فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه، فقال: «لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلا لك». وفي هذا حكمة وفائدة في الأمر بالحجاب؛ فإن الأمر بالحجاب فيه قطع أطماع الناس. فإن أطماع الناس خفية، منهم من يصل إليها بالقوة والجبروت، ومنهم من يصل إليها بالمكر وبالخداع وبالخفية، ومنهم ما يكون بالسحر. وهذا من المكر، ومنهم ما يكون بالقتل أو بالسم أو بغير ذلك من الوسائل الكثيرة التي يفعلها أهل السوء. فكان في الأمر بالحجاب -رحمه- حكمة، وهذا من بعض حكمه، وله حكم أخرى كثيرة لا تعد ولا تحصى. قال: فأرسل إليها فأتي بها، فقام إبراهيم إلى الصلاة. فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده غبضة شديدة. وكما مر معنا أنه روي هذا، وروي هذا، ولا مانع أن يكون كل الأمرين قد وقع: أنه قبض بيده، وأنه غطى عليه بالنوم. قال: فقال لها: «اجعلى الله أن يطلق يدي، فلك الله». ففعلت، فعاد، فقبضت يده أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، فعادت، فقبضت يده أشد من القبضتين الأوليين، فقال لها: «اجعلى الله أن يطلق يدي، ولك الله أن لا أضرك». ففعلت، فأطلقت يده. ودعا الذي جاء بها، فقال: «إنك إنما جئتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان». فأخرجها من أرضه، وعطها هاجر. قال: فأقبلت، فلما رأى إبراهيم صرف، قال لها: «مهيا». قالت: «خيرا، كف الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا». قال أبو هريرة: «فتلك أمكم يا بني ماء السماء». ويريد بذلك -كما قلنا- أي: أمة العرب؛ لأن أم إسماعيل هاجر. قال: أولي البطار: أن إبراهيم -لما سهل عنها- قال: «يا أبت». ثم رجع إليها، فقال: «لا تكذبي حديثي؛ فإني أخبركم أنك أبي، والله ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك». فهذا الكلام من الذي أخبر به؟ أخبر به نبينا -عليه الصلاة والسلام- الصادق المصدوق. ومن الذي أعلم إبراهيم -عليه السلام- أنه ليس بالأرض إلا هو وإياها؟ أعلمه الله جل وعلا. قال: فأرسل بها إليه، فقام يتوضأ وتصلي، فقال: «اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تصلب علي يد الكافر». قال: «فغط حتى رفض برجله الأرض -يعني نام نومًا شديدًا-». أو «أغمي عليه». قال: «فغط حتى رفض برجله الأرض، فقالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته». قال: «فأرسل -يعني ترك- ورجع له شسع نعله». ثم قام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، وتقول: «اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تصلب علي هذا الكافر». قال: «فغط حتى ركض برجله». وبهذا دليل على أن من أسباب إجابة الدعاء: أن من أسباب إجابة الدعاء التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، ومن أعظمها الوضوء والصلاة. فإذا كان الإنسان رغب إلى الله بدعاء خاص يريد أن يلح على الله جل وعلا بحصوله، فعليه أن يفعل ما فعل الصالحون من قبل، وما ذكر لنا فيه، ولنا فيه عبرة؛ بأن يتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، كهذا الذي وقع لامرأة إبراهيم -عليه السلام-. قال: فقام تتوضأ وتصلي، وتقول: «اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تصلب علي هذا الكافر». فغط حتى ركض برجله، فقالت: «اللهم إن يموت يقال لي قتلته». فأرسل بالثانية أو الثالثة، فقال: «والله ما أرسلتم إلي إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها هاجر». فرجعت إلى إبراهيم، فقالت: «أشعرك إن الله ثبت الكافرة، وأختم وليدة -يعني أعطاني وليدة-». قال: وكانت -والحديث كما قال- رواية البخاري. قال: وكان -عليه السلام- -ومر معنا برواية البخاري الأولى- فيه كذلك. ومعنا رواية مسلم: من أنه أخذ على يده. قال: وكان -عليه السلام- في أرض العراق، وبعد ما جرى عليه من قومه ما جرى، هاجر إلى الشام، واستوطنها إلى أن مات فيها. وأعطته سارة الجارية التي أعطاها الجبار، فواقعها، فولدت له إسماعيل -عليه السلام-. فغارت سارة، فأمره الله بإبعادها عنها، فذهب بها وبابنها، فأسكنه ما في مكة. ثم بعد ذلك وهب الله له ولسارة إسحاق -عليه السلام-، كما ذكر الله بشارة الملائكة له ولها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. وفيه كذلك خلق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. فانظر كيف رفق ولطف بزوجة سارة، وأبعد من غارت منها. وهذا فيه حكمة كذلك، وأدب لمن ثنى أو ثلث: أنه إذا أراد الصلاح لذات البيت، فلا يجمع بين الضرتين في مكان واحد، بل يطرد كل واحدة في مكان بعيد عن الأخرى؛ حتى لا يحصل ما لا يحبه هو أو أهله. قال: في الصحيح عن ابن عباس قال: «لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعه شنة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها، حتى قحط مكة، فوضعها تحت دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد -يعني قبل أن تكون زمزم- وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء. ووضع عندهم جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء. ثم قفى إبراهيم طليقًا. فتبعته أم إسماعيل، فلما بلغوا كدا نادته من ورائه: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟». فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: «آه، الله الذي أمرك بهذا؟» قال: «نعم». قالت: «إذن لا يضيعنا -يعني لا يضيعنا الله عز وجل-». وفي لفظ: «إلى من جفلنا؟» قال: «إلى الله». قالت: «رضيته». ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل وجه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، فقال: «ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهو إليهم، وارزقهم من الثمرات؛ لعلهم يشكرون». وبه كذلك: أن الرجل الصالح لا يكتفي بالتوكل دون السبب، بل يتوكل ويعمل بالأسباب -الأسباب الحسية والأسباب المعنوية-. ومن أعظم الأسباب المعنوية الدعاء، فأنت ترجو صلاح أولادك، فأعمل الأسباب الحسية والأسباب المعنوية التي بها يكون صلاح الأولاد والذرية. فانظر واعتبر لقصة إبراهيم -عليه السلام-. قال: وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيه، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط -والتلبط: شدة التلوي-. قال: فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أغرب جبل إليها، فقامت واستقبلت الوادي تنظر: هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت: هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فذلك سعي الناس بينهما». أي: لهذه الحكمة كان السعي. وليس معنى ذلك أنه إذا كان هذا أن يكون السعي على النساء لا، فإنه لم يكتب السعي على النساء، بل هو للرجال خاصة. ولكن أصل مشروعية السعي كان لأجل هذا؛ لتذكر فضل نعمة الله جل وعلا، والاعتبار بمثل هذه القصص. قال: ففعل ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فذلك سعي الناس بينهما». ثم قالت: «لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي؟» فذهبت فنظرت، فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: «لو ذهبت لعلي أحس أحدًا؟» فذهبت، فصعدت الصفا، فنظرت، فلم تحس أحدًا، حتى أتمت سبعًا. ثم قالت: «لو ذهبت فنظرت ما فعل؟» فإذا هي بصوت، فقالت: «أغث إن كان عندك خير». فإذا بجبريل، قال: فقال بعقبه على الأرض، فانبثق الماء، فذهبت أم إسماعيل، فجعلت التحفير. فقال أبو القاسم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أو قالت: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا». وفي رواية: أنها قالت حين انطلق الماء يجري: «زمزم -أي: التزمي مكانك-». وهي تحوطه بالتراب من حوله، وهي تحوطه بالتراب من حوله؛ تريد أن الماء يجتمع، فتستفيد منه هي وولدها. قال: وفي حديثي: «وجعلت تغرف الماء في سقائها». قال: «فشربت وأرضعت ولدها». فقال لها الملك: «لا تخافوا الضيعة؛ فإنها هنا بيت لله يبنيه هذا الغلام أبوه، وإن الله لا يضيع أهله». وقال: «وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك». حتى مرت فيهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كذا، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: «إن هذا الطائر ليدور على ماء». وهذا من خبرة العرب بأحوال الأرض، وليس ذلك من الكهانة والغيب، ولكن هذا من الخبرة. قال: «ليدور على ماء؛ لعهدنا بهذا الوادي، وما فيه ماء» -يعني تعجبوا- هذا الطائر الذي يطير هو يريد أن ينزل لماء، أو هو حول ماء، ومع ذلك هم يعرفون أنه ليس في هذا المكان ماء. قال: «لعهدنا بهذا الوادي، وما فيه ماء». فأرسلوا جريًا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا. وقال لأم إسماعيل: «أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟» قالت: «نعم، ولكن لا حق لكم في الماء». قالوا: «نعم». قال ابن عباس: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فألفى ذلك أم إسماعيل؛ هي تحب الأنس». فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم؛ لأن أمه أعجمية. قال: وتعلم العربية منهم، وأنفسهم. قال: وأعجبهم حين شبه. فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل. وجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل ليتطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: «خرج يبتغي لنا». ثم سألها عن عيشهم وعيشتهم، فقالت: «نحن بشر، نحن في ضيق وشدة». فشكت إليه. قال: «فإذا جاء زوجك أقرئي عليه السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه». فلما جاء إسماعيل فإنه آنس شيئًا، فقال: «هل جاءكم من أحد؟» قالت: «نعم، جاء شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، وأخبرته، وسألني كيف عيشتنا؟ فأخبرته أنه جهد وشدة». قال: «فهل أوصاك بشيء؟» قالت: «نعم، أمرني أن أقرئك السلام، ويقول: غير عتبة بابك». قال: «ذاك أبي، فقد أمرني أن نفارقك». فطلقها، وتزوج منهم امرأة أخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم جاء ليتطالع تركته، فجاء، فقال لامرأته: «أين إسماعيل؟» قالت: «ذهب يصيد». قالت: «ألا تنزل فتطعم وتشرب؟» قال: «وما طعامكم وما شرابكم؟» قالت: «طعامنا اللحم، وشرابنا الماء». قال: «اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم». قال: فقال أبو القاسم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «باركة دعوة إبراهيم -يعني: باقية- فهما لا يقللان على أحد بمكة إلا لم يوافقاه -يعني يحصلان له كثيرًا-». قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم حب دعا لهم فيه». وسألها عن عيشهم وعيشتهم، فقالت: «نحن بخير وسعة». وأثنت على الله. قال: «إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومره: ثبت عتبة بابك». فلما جاء إسماعيل، قال: «هل أتاكم من أحد؟» قالت: «نعم، شيخ حسن الهيئة». وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشتنا؟ فأخبرته أنه بخير. وقال: «هل أوصاك بشيء؟» قالت: «نعم، هو يقرئك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك». قال: «ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك». ثم لبث عنهم ما شاء الله. ثم جاء ليتطالع تركته، فجاء، فوافق إسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبة من زمزم. فلما رآه قام إليه، فصنع كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد -يعني: بعد فراق طويل، كل منهما يكون من الآخر من تعانق والحب وغير ذلك-. ثم قال: «يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر». قال: «فاصنع ما أمرك ربك». قال: «وتعينني». قال: «وأعينك». قال: «فإن الله أمرني أن أبني هنا بيتًا». وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: «فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى ارتفع البناء». جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناول الحجارة، وهما يقولان: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال: هذا آخر حديث ابن عباس. وسيذكر -إن شاء الله- هو الحديث كما أشير: عندنا هو في البخاري، أصله في البخاري، وسيأتي عندنا -إن شاء الله- زيادات وأشياء، وتتم لهذه القصة -نترك -إن شاء الله- إلى درس لاحق. شكرًا لكم.