الدرس في شرح مختصر السيرة 43، الدرس الثالث والأربعون : فيه : (فصل في الهجرة ... فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين الآية وما بعدها). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام في سوق عكاظ، فسمعه نفر من الجن فآمنوا به. نزلت سورة الجن في ذلك الحدث.
ينبغي للمسلم أن يهتم بمواطن اجتماع الناس ويدعوهم إلى الله بحكمة. يجب اختيار المواطن المناسبة للدعوة وعدم إهمالها.
كان اليهود يحثون الأوس والخزرج على اتباع النبي الذي سيبعث، فلما سمع الأنصار دعوته آمنوا به. كفر اليهود بالنبي بعد ذلك.
روى بن إسحاق حديثا عن عاصم بن عمر بن قتادة حول سبب نزول آية معينة. تم الاكتفاء بهذا القدر من الحديث.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: فصل في الهجرة. قال: قد ذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يوافي الموسم كل عام، يتبع الحاج في منازلهم، وفي عكاظ وغيرهم، يدعوهم إلى الله، فلم يجب أحد منهم، ولم يؤوه، ومر معنا ذلك. وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي إلى العرب في أسواقهم، وسوق عكاظ سوق من أسواق الجاهلية كان قبل الإسلام، وموقعه بين مكة والطائف، وعلى وجه أدق بين قرية يقال لها نخلة، وهي قرية كثيرة النخل معروفة اليوم في طريق الطائف، بين قرية يقال لها نخلة والطائف، سوق مشهور عند العرب من أسواق العرب، وسمي عكاظ كما ذكر المعلق؛ لأن العرب يتعاكظون فيه، يعني يتفاخرون بأشعارهم، وذكر أحوالهم. وقد جاء هذا المعنى في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى سوق عكاظ، فقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق في طائفة من أصحابه يعاندين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وخبر السماء، فانطلقوا إلى المشرق وإلى المغرب ينظرون ما حصل في الأرض، إذ أنهم رموا بالشهب، وحيل بينهم وبين خبر السماء أشد مما كان قبل، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم بنخلة هذه القرية، وهو في طريقه لسوق عكاظ في صلاة الفجر، وهو يقرأ القرآن. وكما قال ابن عباس: فذلك حين رجعوا إلى قومهم، وقالوا: ﴿يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعيا الله﴾، فآمن به، ولن نشرك بربنا أحدا. قال: وعند ذلك أنزل الله: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن﴾ الآيات. وهذا يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر مجيئه إلى هذه الأسواق يدعو الناس إليها، وهذا جاء معناه كذلك في أحاديث أخرى. وفي هذا إشارة إلى أن المسلم ينبغي أن يعتني بمواطن اجتماع الناس، ويدعوهم إلى الله بما لا يكون فيه مفسدة على الدعوة. والأمر في هذا واسع، والناس فيه طرفان ووسط، قوم أهملوا هذه الاجتماعات بالمرة، وهذا خطأ، وقوم بالغوا في الدخول في الناس حتى أدى ذلك إلى إهانة الدعوة، وإلى تطاول السفهاء على الدعوة، وهذا خطأ، وأدى ذلك إلى تميع هؤلاء بمخالطتهم للناس، تميعهم حتى ضاعت الدعوة. وقوم تركوا هذا الباب بالمرة، وهذا خطأ. والصواب: أن تصل، مثلا إذا علمت أن أناسا يجتمعون في مكان، خصوصا أناس يحترمون العلم وأهل العلم، فتذهب، عند السفهاء الذين لا يصلون، والذين يتطاولون على أهل العلم، وتدخل معهم في مهاترات، لا تأتي إلى قوم يحترمون العلم وأهله، ولو كانوا لا يغريدونك، فلا يهنونك. فمثلا علمت أن قوما سيجتمعون في مكان، قبيلة كذا وكذا، مثل ما تفعل بعض القبائل، وعد آل فلان في صحراء الفلانية، وفي الوادي الفلاني، ترسل إليهم بخبر: نحن سنأتي، ونعمل مصلى، الناس يأتونكم بالأسواق، ونحن سنأتي بمصلى، هذا أفضل، تأتي في السوق في هذا الاجتماع، وتأخذ لك مكانا مناسبا، تعمل لك مصلى، وتبدأ تجلس في المصلى، عندك خيمة صغيرة، وفي المصلى بعد كل صلاة درس، كلمة، درس، كلمة، ينفع الله بها، ويأتي الناس، هذا عنده سؤال، وهذا عنده استفتاء، وهذا عنده قضية، وهذه دعوة إلى الله. أو كذلك تسمع أن هناك عرسا من أعراس أهل البادية، ليس فيها منكر، لا غناء ولا شيء، ولا اختلاف، تطلب منهم أنك تحضر، أو يدعوك، إذا دعوك تقول: أنا سأعمل مصلى، هم يقعدون ثلاثة أيام في بعض البوادي، تعمل لك مصلى، تصلي الصلوات، وكلمات بعد الصلوات، وخيمة صغيرة بجانب المصلى، هكذا، هذا يأتي للفتوى، وهذا يأتي للسؤال، وينفع الله عز وجل بهذه الزيارة، لكن باحترام، وليس فيها إهانة، ولا شيء. وهكذا أسواق، كذلك بعض البلدان: سوق الأربعاء في كذا، وسوق الأحد في كذا، وسوق السبت في كذا، إذا كان هذا السوق يطول طول النهار من الصباح إلى المغرب، مثل بعض البلاد، يا حبذا لو أنها للسنة، يعملون مصلى صغير في هذا السوق، إذا لم يكن مصلى، وكان مسجد، يأتون في هذا المسجد، كلمات في الظهر، في العصر، في المغرب، وهكذا، كذلك إذا تيسر مكتب صغيرة، أشرطة، ونحو ذلك، ينفع الله عز وجل بها. قال رحمه الله تعالى: فكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة أن نبيا يبعث في هذا الزمان، فنتبعه ونقتلكم معه، قتل عاد، وهذا سيأتي في سبب نزول الآية، أن ذلك كان يقوله يهود، فسمعوا بذلك أهل المدينة، فلما جاءوا إلى مكة، وسمعوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورأوا من أحواله وخلقه وصدقه، ذكرهم ذلك بما كانت تحدثهم به يهود، فقالوا: آمنوا به قبل أن تسبقكم يهود، فكان ذلك سببا لإيمان الأنصار بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد ذكر سبب ذلك شيخنا رحمه الله في «الصحيح المسند من أسباب النزول» في سبب نزول قول الله: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾، وهكذا ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيح السيرة». قال رحمه الله تعالى: وكانت الأنصار تحج كغيرها من العرب، دون اليهود، اليهود ما يحجون، والأنصار تحج. قال: فلما رأى الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله، وتأملوا أحواله، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود، فلا يسبقنكم إليه. وقدر الله بعد ذلك أن اليهود يكفرون به، وهو قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ الآية بعدها. وهذا كما قلنا رواه بن إسحاق بإسناد حسن، من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه في هذا المعنى، وسبب نزول هذه الآية. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.