الدرس في التعليق على القصيدة الهائية 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح القصيدة الهائية، مركزًا على الآيات القرآنية التي تتحدث عن الدنيا وفتنتها، ويبين معانيها في سور متعددة. يُظهر أن الدنيا متاع الغرور وفانية.
يتطرق المقطع للتحذير من الانغماس في الدنيا والاغترار بها، مستشهدًا بالآيات والأحاديث التي تحث على الزهد والتركيز على الآخرة. يشدد على الاعتدال في العبادة وعدم الغلو.
يشرح هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المباحات والعبادات، ويبين أهمية التوسع في المباحات بطريقة لا تنافي طاعة الله، ويوضح اعتزال الدنيا دون تحريم المباحات.
يُناقش حكم العمل في البنوك الربوية، ويبين أنه يأثم من يعمل فيها، ويجب البحث عن عمل آخر. يشير إلى أن تقوى الله تجلب المخرج والرزق غير المتوقع.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: تعليقات على القصيدة الهائية في الترغيب والترهيب للعلامة حافظ بن أحمد الحكمي، أرحمه الله تعالى، لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، تتمة لما مر معنا في القصيدة الهائية للحافظ الحكمي رحمه الله تعالى، وآخر ما وقفنا عليه قوله رحمه الله: فكم قد رأينا من حريص مشفق عليها، فلم يظهر بها أن ينالها. ثم قال رحمه الله تعالى: لقد جاء في آي الحديد ويونس وفي الكهف إضاح بضرب مثالها، وفي آل عمران وسورة فاطر، وفي غافر قد جاء تبيان حالها، وفي سورة الأحقاف أعظم واعظ، وكم من حديث موجب لاعتزالها. هذه الأبيات فيها إشارة من الناظم رحمه الله تعالى إلى بعض الآيات فيما يتعلق بأمر هذه الدنيا. قوله: لقد جاء في آي الحديد، يريد بآي الحديد قول الله عز وجل: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، هذا هو الشاهد؛ لأنه قال: في هذه الآيات -آية الحديد ويونس والكهف- أنها ضرب بها الأمثلة. فجعل الله عز وجل ما في هذه الحياة الدنيا كمثل غيث أعجب الكفار نباته، ثم يهيج فتراه مصفرًا، ثم يكون حطامًا، وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. والشاهد أن الله عز وجل مثل هذه الحياة الدنيا كنبات أعجب الزراع ما فيه من بهجة، وسرعان ما يصير مصفرًا، وسرعان ما يكون حطامًا، أي: ييبس فتأخذه الرياح. ومن كان هذا حاله في الدنيا -أي: لم يعمرها بطاعة الله عز وجل- فإنه يقدم على الآخرة وهو متوعد بعذاب شديد، ومن أعمر دنياه بإصلاح وإعمار آخرته، فليبشر بما ينتظره في الآخرة من مغفرة من الله ورضوان. ثم ختمت الآية بقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، يعني: تغر من يغتر بها. فلا ينبغي لعاقل أن يغتر بها، وقد قال الحق سبحانه وتعالى -وهو الصادق سبحانه وتعالى- ومن أصدق من الله قيلًا، ومن أصدق من الله حديثًا: أن الحياة الدنيا متاع الغرور. وقول رحمه الله: «وسورة وفي آي الحديد ويونس»، يونس ضرب مثلًا آخر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. والشاهد أن الله ضرب مثلًا آخر في سورة يونس لهذه الدنيا: أنها كما أنزل الله من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام -يعني: زروع ينتفع بها الناس، وزروع ونبات ينتفع به الأنعام-، فحتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت -يعني: حتى إذا ظهر ذاك الزرع وذاك النبات، وظن أهلها أنهم قادرون عليها- يعني: قرب وقت الانتفاع، جاء عذاب الله فأخذ ذلك قبل أن ينتفع به، فحصل بذلك الحسرة، وحيث لا تنفع الحسرة. ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾، كأن لم تغن بالأمس، يعني: كأن لم تكن تلك التي كانت قد فتنت الناس ببهجتها وزخرفها. وهكذا كذلك حال هذا الإنسان فيما يراه في هذه الدنيا: تغره بزخرفها وزينتها، فيغتر بها، حتى إذا جاءه الأجل، وفجأه الموت، أخذ منها فجأة، فكان بذلك حسرته، فيندم حيث لا ينفع الندم. والمعنى: لا يغتر أحد بهذه الدنيا، بل يجتهد ويسرع في إعمارها بما ينتفع به في الدار الآخرة. وهذا هو الذي ختمت به الآية: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، تفكر لتعتبر وتنتفع، يا أيها الإنسان. وقوله سبحانه وتعالى: «وفي الكهف» كذلك مثل آخر في سورة الكهف ضربه الله عز وجل، وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾. والشاهد بقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، كذلك من أمثلة الحياة الدنيا: أنه كما أنزل الله عز وجل من السماء فاختلط به نبات الأرض، ولكن فجأة صار هشيمًا تذروه الرياح. وهذا حال هذه الدنيا: تفجأ الناس بتغير أحوالها، وانقطاع أعمار أهلها، وعند ذلك يندم حيث لا ينفع الإنسان الندم. وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان يجب عليه أن يجتهد في إعمار دنياه بما ينتفع فيه في آخرته، قبل أن يفجأه ما في هذه الدنيا مما يكون به الندم حيث لا ينتفع النادم بندمه. وقوله رحمه الله: «وفي آل عمران وسورة فاطر، وفي غافر قد جاءت بيان حالها»، يعني: بيَّن الله حال هذه الدنيا في هذه الآيات الثلاث، وطبعًا غيرها، لكنه ضرب أمثلة من القرآن فيما فيه بيان حال هذه الدنيا. في آل عمران -يعني: في سورة آل عمران- في قول الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾، هذا هو حال هذه الدنيا، هذا هو حال وبيان هذه الدنيا: فتنة ومتاع يفتتن به الكثير من الناس إلا من عصم الله عز وجل. وذلك في قوله: «قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ»، ما هو الخير؟ «جَنَّاتٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا»، «قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ»، للذين اتقوا: «جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ»، «قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ»، جنات أفترض للذين اتقوا عند ربهم: «جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا». وهكذا كذلك قوله في سورة فاطر -يعني: آية سورة فاطر-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. وهكذا كذلك في سورة غافر، قوله جل وعلا: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾. وكذلك في سورة الأحقاف، في قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِهَا»، وفي قوله في سورة الأحقاف: ﴿أَعْظَمُ وَاعِظٍ﴾، وهو قول الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾. فهذا أعظم واعظ يوعظ به الإنسان؛ فإنه قد وعظ بهذه الدنيا، بما بيَّن الله عز وجل من حال أهلها الكفار والفجار، وكيف أنهم أذهبوا طيباتهم في هذه الحياة الدنيا، واستمتعوا بها. وهذا مثل ما تقدم معنا: أن الله عز وجل يعجل للكافر والفاجر طيبات ما في هذه الدنيا، ما يكون عليه حسرة وعذاب يوم القيامة، ما يكون له حسرة وعذابًا يوم القيامة. وهذا هو قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾، استكبار بالكفر، وفسوق بالمعصية، استكبار بالكفر وفسوق بالمعصية. فمن لم يعمر هذه الدنيا بالعبادة والتوحيد والطاعة، والبعد عن الكفر والشرك والمعصية، فإنه يكون له حسرة وندامة يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: لقد نظروا نعم، قال: «وفي سورة الأحقاف أعظم واعظ»، «وكم من حديث موجب لاعتزالها»، يعني: وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالزهد والاعتزال لهذه الدنيا. وقد تقدم معنا بعض هذه الأحاديث: حديث مسعود بن عباس: «مالي وللدنيا؟ إنما أنا كرجل استضل تحت شجرة، ثم تركها». وهكذا حديث بن عمر الذي تقدم في قصته مع ابنته فاطمة، وقال فيه: «مالي وللدنيا؟». وهكذا كذلك حديث بن عمر في البخاري وغيره: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، الحديث. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعون، ملعون من فيها، إلا ذكر الله ما ولاه، وعالم ومتعلم»، الحديث. وغيره من الأحاديث الكثيرة التي فيها الأمر باعتزال هذه الدنيا، لكن كما تقدم معنا: لا يعني هذا الاعتزال الغلو بتحريم الحلال. فكما أنه لا يجوز اقتحام الحرام، كذلك لا يجوز تحريم الحلال، كذلك لا يجوز تحريم الحلال. فالله عز وجل نهانا عن هذا وعن هذا: نهانا عن أن نقتحم الحرام، ونهانا كذلك أن نحرم الحلال، فلا يجوز هذا ولا يجوز هذا، وسمى الله عز وجل ذلك اعتداء، سمى ذلك اعتداء: أي تحريم الحلال. وجاء في الصحيح، وفي الباب أحاديث كثيرة في قصة سلمان وبالدرداء في البخاري وغيره: أن سلمان رضي الله عنه زار أبا الدرداء، فجاء فسأل عنه، ولم يكن قد جاء، فوجد أم الدرداء متبذلة -وهذا لعله كان قبل نزول الحجاب-، فقال: ما لك؟ قالت: إن أبا الدرداء ليس له غرض أو رغبة في الدنيا. فدخل، فقعد، فجاء أبو الدرداء، فأعد طعامًا، فقربه، فأمره أن يأكل، فأبى سلمان، فقال: «إلا أن تأكل معي»، فقال: «إني صائم»، فقال: «والله لا أكل حتى تأكل»، فأكل أبو الدرداء، ثم بات عنده. فلما كان من الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم، فنهاه سلمان، وقال: «نم»، فبقي أبو الدرداء. ويدل هذا على فضل سلمان رضي الله عنه، وكأنه كان الأكبر والأعلم، وفيه كذلك ما ينبغي أن يكون من الأدب مع الأكبر والأعلم. فأراد أن يقوم مرة أخرى، فنهاه، حتى إذا كان آخر الليل، فقام وقاما، فصليا معًا. ثم قال له رضي الله عنه وأرضاه: «إن لربك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، وإن لأهلك ولزورك عليك حقًا»، إلى آخر ما قال رضي الله عنه وأرضاه. فذهب أبو الدرداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما وقع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان، صدق سلمان»، يعني: ما أخبرك به حق وصواب. وهكذا في قصة عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين: حين زوجه النبي صلى الله عليه وسلم -حين زوجه أبوه رضي الله عنه-، فشكاه أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لم يمس امرأته ولم يقربها، لانشغاله بالعبادة وتبرغه بالطاعة. فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره بالاقتصاد في هذه العبادة، وأمره بالاقتصاد في هذه العبادة. فأمره أن يقوم وينام، وأن يصوم ويفطر، وأن يقرأ من القرآن ما يطيق، فإن استطاع أن يختم في ثلاث -وأن ذلك أفضل ما يكون من ختم القرآن-، ولا أفضل من ذلك، ولا يفقه القرآن من ختمه في أقل من ثلاث. وأمره: أنه إن أراد أن يفعل أفضل الصيام، فلا يصوم أكثر من يوم وإفطار يوم، وأنه لا أفضل من ذلك، وأنه صيام عبد الله داود -وكان أعبد الناس-، وأنه لا أفضل من ذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ابتدأ معه بقول: «صم ثلاثة أيام كل شهر»، قال: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك؟»، قال: «صم الاثنين والخميس»، قال: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك؟»، وفي رواية: «صم يومًا وافطر يومين»، قال: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك؟»، فقال له: «صم يومًا وافطر يومًا»، قال: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك؟»، قال: «لا أفضل من ذلك»، يعني: أن يصوم نصف الدهر، أن يصوم نصف الدهر. وهكذا قال له في القيام: أنه يقوم ثلث الليل، ينام نصفه ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأنه كان قيام داود عليه الصلاة والسلام -يعني: معناه: ينام ثلثين ويقوم كم ثلث-، نصف وسدس يساوي ثلثين. قال: «نم نصفه، وقم ثلثه، ونم سدسه»، يعني: هذا هو أكمل القيام لمن استطاعه، وإلا: من لم يستطع، فيقوم ما تيسر له، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «من كل الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم». وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الهدي: كان يصوم حتى يقول القائل: «إنه لا يفطر»، وكان يفطر حتى يقول القائل: «إنه لا يصوم». قال العلماء: معناه أنه يراعي المصلحة الأرجح، فإن كانت المصلحة الأرجح بالفطر أفطر -كأن يكون مثلًا هناك وفود وزوار، إكرامهم بالأكل معهم والفطر معهم-، فإنه يفطر حتى يقول القائل: «ربما النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصيام». فإذا جاء وقت العبادة والصيام، صام وواصل في الصيام، حتى يقول القائل: «لن يفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا». فإذا جاء العارض الآخر، أفطر. ولهذا قد يصوم في غير وقت الصيام، ويفطر في غير وقت الإفطار. فربما يأتي ويقول: «هل عندكم من طعام؟»، فيقولون: «لا»، فيقول: «إني صائم، إني صائم». وربما يأتي أهله، فيرى بهم حاجة، فيؤنسهم بالفطر معهم، يؤنسهم بالفطر معهم. وهذا كمال عبادة النبي صلى الله عليه وسلم. والمقصود من هذا: أن نعلم ليس معنى اعتزال الدنيا اعتزالها بمعنى تحريم المباحات، أو ما أحله الله، فضلًا ماذا؟ أن يشدد على نفسه بالغلو وأصناف العبادات على وجه لم يشرعه الله ولم يأذن به. ولكن أكمل الهدي هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن التبتل -أي: الانقطاع عن النكاح والزواج-، بل حتى عليه الصلاة والسلام بالزواج، بقوله في حديث المسعود: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، هذا هو الأصل. «ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فهو له وجاء»، الأصل هو الزواج. ولهذا كان من سنة الأنبياء والمرسلين النكاح والزواج. وهكذا كذلك من سنة الأنبياء والمرسلين الأكل والشرب، والأخذ من صنوف الطعام. وهكذا كذلك التوسع في بعض المباح على وجه لا ينافي طاعة الله، ولا يشغل القلب إذا كان فيه إعانة على الطاعة والخير، فهذا مطلوب. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن من متاع الدنيا البيت الواسع، وأن من متاع الدنيا -يعني: المباح الذي أحبه الله لخلقه- المركب الهني. وهكذا من متاع الدنيا الزوجة الصالحة. وهذه كلها من المباحات، لكن ليس على وجه التوسع الذي يشغل عن طاعة الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان من المذموم التباهي بتطاول البنيان، وهو من علامات الساعة: التطاول بالبنيان -يعني: ليس لأجل السكن، ولكن لأجل المباحات-. هذا يرفع أربع دور، وهذا يرفع خمسة، هذا عنده عمارة، هذا عنده عمارتان، هذا عنده اثنين، هذا يريد ثلاثة، هذا عنده سيارة، يريد ثلاثة، هذا عنده ثلاثة، هذا يريد أربع. وهكذا تنافس على وجه الفخر والخيلاء والبطر، الذي على أقل إحواله هو ينافي ما ينبغي من عدم التوسع في المباح، فضلًا أنه يصل إليه بالحرام. والله تعالى أعلم. هذا سؤال، يقول السائل: هل هناك فرق بين كلمة «المثيل» وكلمة «الشبيه»؟ وأيهما لها دلالة في الكتاب والسنة؟ الجواب: لفظ الكتاب والسنة: نفي المثال، ليس نفي الشبيه. أولًا: أنه لفظ القرآن. وثانيًا: أنه كذلك من حيث اللغة: يوجد شيء من الشبه في بعض الأوجه، وإن لم يكن شبه كلي، فهو الشبه الجزئي. مثلًا: لله عز وجل علم، وللمخلوق علم، لكن علم الله عز وجل: يليق بكماله وعظمته، وعلم المخلوق: يليق بنقصه وعجزه وفقره، فهو يبدأ من عدم وينتهي إلى عدم، ويستمر بالمرور بالنقص والعجز والتقصير. وهكذا قل في سائر الصفات بالنسبة للمخلوقين: فهناك وجه للشبه، ولكن هذا الشبه جزئي. ولذلك كان الأكمل والأفضل التعبير بنفي المثيل. لكن أراد المؤلف -كما تقدم معنا- معاني ما وردت به النصوص الأخرى في الكتاب. فالله عز وجل نفى المثيل، ونفى المكافي، ونفى الند، ونفى السمي، ونفى السمي: هذه أربع ألفاظ. وهذه الأربع الألفاظ لو تأملناها وتدبرناها: يدخل في بعضها معنى الشبيه، معنى الشبيه، فيكون من هذا الباب لا من جهة اللفظ، ولكن من جهة المعنى. ثم سأل السائل: هل ممكن توضيح المثل المذكور؟ ما هو المثل المذكور؟ الجواب: واضح، ما أدري إيش الإشكال فيه؟ لا إشكال فيه. يعني: معناه باختصار: أن الأب حين حدث بما حدث، ليس تحديثه بما حدث ملزم لماذا؟ لفعل الأبناء. ومثله مثلًا: التاجر في تجارته عنده عاملان، أحدهما بخبرة، علم أنه أمين، والآخر عنده شيء من الخيانة. فإذا أراد أن يمتحن هؤلاء العاملين، فقال: «فلان سيفشل في الامتحان ويضعف، وفلان سينجح في الامتحان»، فوقع بمثل ما أخبر به رب العمل وصاحب العمل. فهل يجوز للخائن أن يقول: «أنت قد قلت أنني سأخذ المال»، ليش دلوا مني؟ هل يجوز هذا؟ عقلًا، فضلًا عن الشرع؟ لو فعل مثل هذا: استحق العقوبة مرتين، أولًا: لأنه خائن، وثانيًا: أنه يجادل بالباطل. ما علاقة أن يقول: «أنت ستخون»، فتستدل بذلك؟ أنت مجادل، تستحق العقوبة مرتين. وهكذا الذي يستدل بالقدر: فهذا الرجل قال بحسب خبرته الضعيفة الناقصة القاصرة -وهو مخلوق-، فكيف بالله عز وجل العظيم؟ ولله المثل الأعلى. فكيف بالله عز وجل العظيم، وله المثل الأعلى، الذي قد حاط بكل شيء علمًا، الذي خلق الخلق سبحانه وتعالى، وعلم ما هم عليه؟ هذا المقصود من هذا المثال -كما قلنا- هو تقريب للمعنى، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى. هذا السؤال الأخير، يقول السائل: أنا عسكري عند الدولة، وراتبي أستلمه من الدولة، لكن وضعوني حارسًا على بنك، وأعطى حافزًا زيادة على راتبي، فما حكم هذا العمل؟ وهل عليَّ إثم؟ وما هو المخرج؟ الجواب: الواجب عليك أن تغير جهة عملك، تطلب تغييرًا حتى لا تعين على هذه البنوك وقيامها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لعن -كما جاء في حديث جابر، ومعناه كذلك ببعض ألفاظه من حديث المسعود- في الربا خمسة: «آكل وموكل وشاهديه وكاتبه». قال العلماء: ليس المقصود بهؤلاء الخمسة الحصر، وعند الأصوليين: مفهوم العدد لا يفيد الحصر، مفهوم العدد لا يفيد الحصر، ولكن يفيد اختصاص هؤلاء بأشد من غيرهم فيلحق بهؤلاء كل من أعان على هذا الإثم، كل من أعان على هذا الإثم. فمن يعمل في البنك بعمل يعين على بقاء هذا البنك الذي هو قائم على الربا، يلحقه نصيب من الإثم. فيبحث عن عمل آخر، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.