طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 19

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 19

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 19، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الغنى بالله تعالى

يتحدث الشيخ عن الدرجة الثالثة من الغنى وهي الغنى بالحق سبحانه وتعالى، ويشرح مراتبها. الغنى بالله تعالى هو الاستغناء به عما سواه.

فضل الله وتقربه للإنسان

يشرح كيف أن الله سبحانه وتعالى يذكر الإنسان ويتقرب إليه قبل أن يتقرب العبد إليه، ويحفز على تقدير نعم الله المتواصلة. كل فعل للإنسان هو بفضل الله وتوفيقه.

غنى القلب بذكر الله

يتحدث عن أهمية ذكر الله تعالى وغنى القلب الذي يتحقق بذلك، حيث يشعر العبد بتعظيم الله والاستغناء به. يزداد غناه بذكر الله له في نفسه.

تحذير من التعلق بالمال

النبي صلى الله عليه وسلم انتقد من يتعلق قلبه بالمال، حتى سمي بعضهم بأسماء تدل على تعلقهم بالدراهم والدنانير. التعلق بالمال مذموم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال فصل في الدرجة الثالثة، وهي الغنى بالحق سبحانه، ولها ثلاث مراتب. وهذه الاستقامة ترقيها إلى الدرجة الثالثة من الغنى، وهو الغنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه، وهي أعلى درجات الغنى. فأول هذه الدرجة أن تشهد ذكر الله عز وجل إياك قبل ذكرك له، وأنه تعالى ذكرك فيمن ذكره من مخلوقاته ابتداء قبل وجودك وطاعتك وذكرك. فقدر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه إليك ونعمه عليك، حيث لم تكن شيئًا البتة. قال: وذكرك سبحانه بالإسلام، ووفقك له، واختارك له دون من خذله. قال تعالى: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل﴾، فجعلك أهلًا لما لم تكن أهلًا له قط، وإنما هو الذي أهلك بسابق ذكره. فلولا ذكره لك بكل جميل أولاكه لم يكن لك إليه سبيل. ومن الذي ذكرك باليقظة حتى استيقظت، وغيرك في رغدة الغفلة من النوام؟ وهذا الذكر الحسي، وكذلك الذكر المعنوي. يعني: لولا أن الله عز وجل أرادك أن تكون عبدًا من عباده، فخلقك بعد أن كنت عدما، ثم يسر لك أسباب الحياة واستمرارها في هذا الوجود، وهذا كله من ذكر الله عز وجل لك. ثم كذلك ذكرك بالمعنى الآخر المعنوي، وهو أن يسر لك الإسلام. فالله عز وجل اختار من شاء بعباده بفضله وعدله أن يكون من المسلمين. فكل هذا من ذكر الله عز وجل لعبده. ومتى ما استحضر هذا الذكر والشهود العبد لم يغفل عن عظمة الرب العظيم سبحانه وتعالى. وهذه مرتبة من مراتب الغنى بالله سبحانه وتعالى. فأنت دائمًا تستحضر هذه المعاني وتلتفت إليها، وهذا موجب للاستغناء به سبحانه وتعالى عما سواه. قال رحمه الله تعالى: ومن الذي ذكرك سواه بالتوبة حتى وفقك لها، وأوقعها بقلبك، وبعث دواعيك عليها، وأحيى عزماتك الصادقة عليها حتى تبت إليه وأقبلت عليه، فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذتها؟ ومن الذي ذكرك سواه بمحبته حتى هاجت من قلبك لواعجها، وتوهجت نحوه سبحانه ركائبها، وعمر قلبك بمحبته بعض طول الخراب، وآنسك بقربه بعض طول الوحشة والاغتراب؟ وكل هذه المراحل يمر بها الإنسان، فما من إنسان إلا ويخطئ فيرجع إلى الله سبحانه وتعالى. وكل هذا من ذكر الله عز وجل لك، فهو الذي وفقك لهذا كله. وما تشاءون إلا أن يشاء الله. قال: ومن تقرب إليك أولًا حتى تقربت إليه، ثم أثابك على هذا التقرب تقربًا آخر، فصارت تقرب منك محفوفًا بتقربين منه تعالى: تقربك قبله وتقرب بعده. والحب منك محفوف بحبين منه: حب قبله وحب بعده. وهو الذي وفقك للحب أولًا، ثم أحببت الله فأحبك حبًا آخر. الحب الأول هو الاصطفاء، أن اصطفاك لتسلك طريق المحبة، ثم سلكتها فزادك حبًا، فاقتربت أكثر. فأنت محفوف -كما أشار رحمه الله- بين حبين وتقربين. قال: والذكر منك محفوفًا بذكرين: ذكر قبله وذكر بعده. فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء، ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه. فهذه كلها آثار ذكره لك. ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس. فله عليك في كل طرفة عين ونفس نعم عديدة، ذكرك بها قبل وجودك، وتعرف بها إليك، وتحبب بها إليك، مع غناه التام عنك وعن كل شيء. وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده. كل بني آدم كانوا من تراب، ماذا عسى أن يكون التراب؟ لا شيء. لا شيء. ومع ذلك الله عز وجل أكرمنا فجعلنا من ذرية آدم، ثم أكرمنا فجعلنا من أهل الإيمان، ثم أكرمنا فجعلنا من أهل الطاعة، ثم أكرمنا فجعلنا من أهل حبه. وهكذا لا يزال العبد يتقلب بأنواع الإكرام والإنعام الشرعي الديني. وهكذا كذلك إكرامه ونعمه الكونية القدرية، فأعطاك -يا أيها الإنسان- أنواعًا من النعم من العدم، كنت لا شيء فخلقك الله عز وجل، وجعل لك سمعًا وبصرًا وفؤادًا وجوارح تتنعم بها. وهكذا كذلك لا تزال النعم من الله سبحانه وتعالى في كل لحظة وحين. حتى الأنفاس التي تتنفسها، لو شاء الله أتعذبت بها. انظر الذي يبتلى بمرض في نفسه كيف يتعذب في كل نفس يأخذه، وأنت سهل الله عز وجل لك ذلك. وهكذا سائر النعم، لو حبس الله عز وجل عليك ما يدخل إليك من طعام وشراب لتعذبت بهذا الطعام والشراب، فجعله يدخل بنعمة تتلذذ بها أنواع المأكولات والمشروبات. وجعلها عز وجل كذلك نعمة أخرى أن أخرجها منك، ولم يتبق السموم والفضلات فيك، ولو أخرها فيك لحظة لعذبت بها. وكل لحظة -كما ذكر رحمه الله- وكل طرفة عين ونفس، لك مع الله أنواع النعم. فإذا تأمل العبد هذه كلها، فإن ذلك موجب لتعظيم الرب سبحانه وتعالى والاستغناء به عما سواه جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده، إذ هو الجواد المحسن لذاته لا لمعاوضة ولا لطلب جزاء منك، ولا لحاجة دعته إلى ذلك، كيف وهو الغني الحميد؟». فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه، فاعلم أنه ذكرك بها، فالتعظم عندك لذكره لك بها، فإنه ما حقرك من ذكرك بإحسانه، وابتدأك بمعروفه، وتحبب إليك بنعمته، هذا كله مع غناه عنك سبحانه وتعالى. فإذا شهد العبد ذكر ربه له، ووصل شاهده إلى قلبه، شغله ذلك عما سواه، وحصل لقلبه به غنى عال لا يشبه شيء. وهكذا الناس يتفاوتون في استحضار هذه المعاني، فمتى ما عظمت في القلب، وكذلك لم تزل مستحضرة في الذهن، فإنه لا يزال تعظيمه لربه سبحانه وتعالى وغناه به ملازمًا للعبد. قال: وهكذا، وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذه وسيده يذكره ولا ينساه، فهو يحصل له بشعوره بذكر أستاذه له غنى زائد على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له. فهذا هو غنى ذكر الله للعبد. وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». وهذا هو الذكر الثاني، وإلا فالذكر الأول هو أن اصطفاك فوفقك لذكره، كما ذكر رحمه الله. فأنت محفوف بذكرين ومحبتين وقربين، أولهما اصطفاء الله عز وجل لك فوفقك له، ثم إقبالك على ذلك بأن أثابك ذكرًا أعظم منه، ومحبة أعظم، وقربًا أعظم. قال: فهذا ذكر ثان بعد ذكر العبد لربه، غير الذكر الأول الذي ذكره به حتى جعله ذاكرًا. وشعور العبد بكل الذكرين يجب له غنى زائدًا على إنعام ربه عليه وعطاياه له. وقد ذكرنا في كتاب «الكلمة الطيب» أن العمل الصالح من فوائد الذكر استجلاب ذكر الله لعبده، وذكرنا قريبًا من مئة فائدة تتعلق بالذكر، كل فائدة منها لها خطر، وهو كتاب عظيم نفع جدًا. وهو كما قال رحمه الله. وفي هذا إشارة إلى أنه ألف هذا الكتاب قبل تأليفه بما في أيدينا. قال: والمقصود أن شعور العبد وشهوده لذكر الله له يغني قلبه ويسد فاقته، وهذا بخلاف من نسي الله فنسيهم، فإن الفقر من كل خير حاصل لهم. وما يظنون أنه حاصل لهم من الغنى فهو من أكبر أسباب فقرهم. فمن نسي الله وانشغل بأنواع الغنى مما هو سوى الله هو في الحقيقة في فقر، ولا يزداد استغناء إلا وازداد ماذا فقرًا؟ ولهذا سمي «عبد الدينار»، «عبد الدرهم»، «عبد الخميصة» إلى آخره. طيب لهن إن شاء الله.