الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 60، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح الشيخ ابن بريك رحمه الله مقولة ابن عباس عن دور الهدهد في إرشاد سليمان إلى الماء، واستخلص منها أن كل شيء بقضاء الله وقدره. هذا يبين أهمية التسليم بقدر الله في جميع الأمور.
يشرح المقطع مفهوم الإيمان بالقدر وعلاقته بالمعاصي، حيث يؤكد ابن عباس أن كل شيء يحدث بقدر الله، حتى المعاصي، ولكن لا يجوز استخدام القدر كحجة لارتكاب المعاصي. يجب التفريق بين الإيمان بالقدر والاستدلال به على فعل المعاصي.
يؤكد النص على أهمية الإيمان بالقدر خيره وشره، ويشرح أن الشر يقع بأمر الله ولكن لا يضاف إليه وصفًا، ويبين أن الإيمان بالقدر شرط للإيمان الصحيح وأنه يلعب دورًا في صلاح الإنسان واستقامته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال، وقال عترمه عن ابن عباس: «كان الهدود يدل سليمان على الماء». فقلت له: «وكيف ذاك؟ والهدود ينصب له الفخ عليه التراب». فقال: «أعظك الله بهن أبيك، إذا جاء القضاء أو ذهب البصر». والمعنى أن ابن عباس أخبر -والأثر عند اللالكائي بإسناد صحيح كما ترون في التعليق- أن ابن عباس أخبر عن الهدهد أنه كان يدل سليمان على الماء، فاعترض عترمه، بمعنى: كيف ذاك؟ والهدهد قد ينصب له الفخ، بمعنى: يصاد أو يعثر أو غير ذلك. فقال: هذه الكلمة التي بمعنى التوبيخ، فليس المراد ظاهرها، فظاهر الكلمة قبيحة، يعني: أراد أن يقول له: قلت قولًا قبيحًا. ولهذا قال: «هذه الكلمة». وهذا مما جرى على ألسن العرب أنهم يقولون بعض الكلمات لا يريدون ظاهرها، وإنما يريدون بها التوبيخ. ومن هذه الكلمة: «هاني أبيك»، يعني: «عيبة أبيك»، «عيبة أبيك»، «عورة أبيك»، «إذا جاء القضاء ذهب البصر». معناه: أن الله عز وجل إذا قضى شيئًا فإنه سيكون، وكل شيء بقضاء الله وقدره. وهذا هو الشاهد، وهذا هو الشاهد من هذا الأثر، أي: أن كل ما في هذا الكون هو بقضاء الله وقدره، والله على كل شيء قدير. الله سبحانه وتعالى سخر لسليمان الكثير من المخلوقات، ومن ذلك الهدهد، أنه يدل على مكان الماء. وأما كون الهدهد قد يعترض شيء، ويصيب شيء، وكل هذا بقضاء الله وقدره. والله سبحانه وتعالى هو الذي سخر لسليمان هذه المخلوقات. الشاهد أنه لا يعترض على ما أخبر الله عز وجل به، وما قضاه الله سبحانه وتعالى. وأما هل فعلًا الهدهد كان يدل سليمان على الماء؟ فهذا ما أخبر به ابن عباس، ولا نعرف فيه حديثًا صحيحًا مرفوعًا، ولكن قد يكون هذا، وقد لا يكون؛ لأن ابن عباس أخذ بعض ما ذكره في التفسير من أهل الكتاب، فالله أعلم بذلك. لكن الشاهد أن الله سخر لسليمان الهدهد، وكون الهدهد ذهب إلى أرض سبأ، وفيها الماء الكثير -كما لا يخفى- بالسد الموجود قديمًا، فقد يكون هذا مما يؤيد أن الهدهد كان يدل سليمان على الماء، ولكن ليس عندنا شيء صحيح صريح مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا، فهذا محتمل، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، قال: أنبأنا أبو هارون الغنوي، قال: حدثنا أبو سليمان من الأزدي، عن أبي يحيى مولى بني عفراء، قال: أتيت ابن عباس ومعي رجلان من الذين يذكرون القدر أو ينكرونه، فقلت: يا ابن عباس، ما تقول في القدر؟ فإن هؤلاء يسألونك عن القدر: إن زنى، وإن سرق، وإن شرب الخمر. قال: فحسر قميصه حتى أخرج منكبه أو منكبيه، وقال: «يا أبا يحيى»، يعني: إشارة إلى أنهم سألوا عن شيء كبير. حسر كم القميص يفعله الإنسان إذا أراد أن يقدم على شيء كبير -حسي أو معنوي- فيشير بذلك إلى أنهم سألوا عن شيء كبير. قال: وقال: «يا أبا يحيى، لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به؟ والله لو أعلم أنك منهم أو هذين معك لجاهدتكم». ومعناه: أن التكذيب بالقدر من الكفر؛ أن التكذيب بالقدر من الكفر؛ لأنه ركن من أركان الإيمان. قال: «إن زنى فبقدر، وإن سرق فبقدر، وإن شرب الخمر فبقدر». وهذا الأثر كذلك صحيح. والمراد أنه -رحمه الله، رضي الله عنه، وارضاه- أبين لهذا الرجل -رحمه الله- وهو أراد أن يسأل عن هذين الرجلين الذين عندهما إشكال وشك في أمر القدر: أن كل شيء بقدر، حتى المعاصي تقع بقدر الله سبحانه وتعالى. ولكن كما تقدم معنا: لا يجوز الاستدلال بالقدر على المعايب، ولكن على المصائب. فإذا وقعت فهي مصيبة، وقبل أن تقع فهي ماذا؟ معيبة. فلذلك لا يجوز للإنسان أن يتجرأ على المعاصي استدلالًا بالقدر، ولا يجوز أن يسلي نفسه ويهون على نفسه معصيته بالقدر، بل ينبغي أن يتوب ويستغفر ويندم، ويعلم أن الذي فعله فعله بخطيئته وبنفسه الأمارة بالسوء. وبعد وقوع المعصية وتوبة الإنسان التائب منها، ينبغي ألا يعاتب المذنب التائب؛ لأن ذلك وقع بقدر الله سبحانه وتعالى. فينبغي أن نفرق بين أن نستذل به فنجعل القدر حجة وذريعة لفعل المعاصي، وبين أن نؤمن بأن كل شيء يكون مما يفعل الإنسان بقدر الله، ومنها المعاصي. فرق بين الأول وبين الثاني. وأراد أن يبين -رضي الله عنه، أرضاه- أن هذه المعاصي وإن كانت قبيحة، فوقوعها بقدر الله سبحانه وتعالى. وقوعها بقدر الله، فإذا كان ليس كذلك، فهذا نقص في ربوبية الله وألوهيته. كيف يكون في ملك الله عز وجل ما لا يأذن به؟ القدرية الذين ينفون وقوع المعاصي بقدر، هم يريدون أن ينزه الله -كما زعموا- ينزه الله أن يأذن بفعل المعاصي. وهذا التنزيه أوقعهم فيما هو أعظم منه، وهو ماذا؟ اتهام الله بالعجز والنقص. فكيف يمكن لرب عظيم وإله قدير أن يكون في ملكه ما لا يريده، وأن يكون في ملكه ما لا يعلمه، وما لا يرضاه؟ ولكن رضي الله سبحانه وتعالى بهذا. هذا رضى ماذا؟ شرعي أم قدري؟ قدري، ليس شرعي. هذا رضى قدري، بمعنى: الإذن بوقوعه لحكمة أراد الله عز وجل أن يوقع ذلك لحكمة. فالخير يقع بأمر الله، والشر يقع بأمر الله، لكنه لا يضاف الشر إلى الله وصفًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والشر ليس إليه». ولكن يضاف إلى الله عز وجل إضافة ماذا؟ إضافة خلق وتقدير؛ لأنه الرب العظيم، فلا يكون في ملكه إلا ما أراد، وما قدر، وما أمر سبحانه وتعالى. وما أمر به سبحانه، وإن كان شرًا، فإنه يأمر به لحكمة. فمن هذه الحكمة: أن الله عز وجل جعل بعض هذه الشعور سببًا لحصول خيرات بعدها. فرب ذنب كان سببًا في صلاح عبد وإنابته وتوبته، فيكون له من الخير ما هو أعظم مما كان قبل ذنبه. أخي، ليس معنا هذا أن نستسهل بالذنوب، لا. أنت تجاهد نفسك ألا تقع بالذنوب والمعاصي، فإذا ابتليت فوقعت، فتبادر بالتوبة والاستغفار، وتعلم أن ما أوقعك في ذلك هو تساهلك. إذن تحذر من التساهل مرة أخرى. كيف وقعت هذه المعصية بسبب رفقة السوء؟ إذن هذا درس لك أن لا ترافق رفقة السوء مرة أخرى. هذا درس لك أن لا تحوم حول الحمى، فمن حام حول الحمى وشك أن يقع فيه. هذا كذلك درس لك أن لا تتدرج في صغار المعاصي؛ لأنه هي التي أوصلتك إلى الكبار. فلا يصل الإنسان إلى كبيرة إلا وسبقتها الكبيرة ماذا؟ صغيرة. ولا يصل الإنسان -والعياذ بالله- إلى شرك وكفر إلا وسبق ذلك الشرك وكفر ماذا؟ كبائر. فالكبائر والمعاصي بريد الكفر، والصغائر بريد كبائر، وهكذا. فإذن هي دروس يستفيد منها الإنسان فيعتبر، ويكون سببًا في صلاحه واستقامته وثباته على الحق، وغير ذلك من الحكم الكثيرة. المهم: لا بد أن تؤمن أن كل شيء ماذا؟ بقدر. قال رحمه الله تعالى: وصح عن علي بن عمر أن يحيى بن يعمر قال له: «إن ناسًا يقولون: لا قدر، وإن الأمر أنف»، يعني: جبر الناس مجبورون. فقال: «إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء، وأنهم برآء منه». والحديث مشهور في صحيح مسلم، والذي فيه: حدث ابن عمر رضي الله عنه بحديث القدر، وحديث جبريل عليه الصلاة والسلام. والشاهد منه: أن هذا الصحابي الجليل تبرأ من فعل القدرية. هؤلاء لا يتم الإيمان إلا بالإيمان بالقدر، كما صحت بذلك الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة، وتقدم معنا في فصول سابقة الكثير من هذه الأدلة. قال: وقد تقدم قول أبي بن كعب، وحديفة، ومسعود، وزيد بن ثابت: «لو أنفقت مثل أحد ذهبًا في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن ميت على غير ذلك دخلت النار». وهذا كذلك سبق معناه، بل معناه في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الآثار عن الصحابة كذلك من باب التأكيد في وجوب الإيمان بالقدر. قال: وقد تقدم قول عبادة بن الصامت: «لن تؤمن حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». وهذا كذلك مر معنا، وتقدم الكلام عليه. وفيه ما سبق من الإيمان بالقدر، وأنه من الإيمان الذي لا يتم إيمان المؤمن إلا به، فهو ركن من أركان الإيمان. ومن مسائله: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. فكل شيء بقدر الله سبحانه وتعالى. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.