الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 65، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية لله، حيث ليس كل ما أراده الله كونًا يحبه. يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الفرق عبر مناقشة مع أحد الشيوخ الجبرية.
يتناول ضلال الجبرية في تفسيرهم للنصوص القرآنية، حيث يفسرون الآيات على هواهم ويزعمون وجود ظاهر وباطن لها. هذا الفهم الخاطئ يؤدي إلى الكفر والضلال.
يتناول أسباب إضلال الله تعالى للإنسان نتيجة ابتعاده عن الحق، ويشير إلى سوء فهم بعض المسلمين لمفهوم القدر وتأثيره على اعتقادهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: عاتبت بعض الشيوخ هؤلاء، فقال لي: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، والكون كله مراد، فأي شيء أبغض منه؟ قال: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من في الكون، عاداهم ولعنهم، فأحببتهم أنت وواليتهم، أكنت وليًا للمحبوب أو عدوًا له؟ قال: فكأنما ألقم حجرًا. ومعنى هذا الكلام أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ناقش على وجه العتاب بعض شيوخ هؤلاء الجبرية الذين ضلوا في باب القدر، فقال هذا الشيخ الذي ضل في باب القدر: «المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب»، ثم قال: «والكون كله مراد». والمعنى أن كونه كله يحرق، فإذا كان كذلك، فأي شيء أبغض منه؟ يعني معناه لا يوجد شيء يمكن أن يبغض. وهذا سوء ظن بالله سبحانه وتعالى، وهذا بسبب عدم التفريق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، لأنه ليس كل ما أراده الله بهذا الكون فهو يحبه، ولكن هؤلاء خلطوا، فظنوا أن كل ما أراده أحبه، والأمر ليس كذلك، بل ما أراده كونًا منه ما يحبه ومنه ما لا يحبه، وما أراده شرعًا كله يحبه سبحانه وتعالى. فرد عليه شيخ الإسلام بقوله: إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من في الكون وعاداهم ولعنهم، فأحببتهم أنت وواليتهم، أكنت وليًا للمحبوب أو عدوًا له؟ والمعنى: إذا كنت فعلاً تحب الله سبحانه وتعالى، وعلمت أن الله يبغض الكفر والكافرين، وكذلك المعصية والعاصين، وكونك تزعم أن كل ما أراده كونًا محبوب، إذا أنت أحببت كل هذه التي أخبر الله أنه يبغضها. الله عز وجل يقول: «ولا يرضى لعباده الكفر»، إذن هل هو يحب الكفر؟ لا يحب الكفر. فإذا أحب كما زعم هذا الشيخ الذي ظل في باب القدر، أحب كل ما وقع في الكون، ومنه الكفر والكافرين والشرك والمشركين وإلى آخره، فلزم من ذلك أن يحب ما يبغضه المحبوب. لأنهم يزعمون أن الله عز وجل هو المحبوب، وأنه إذا أراد شيئًا أحبه، فيقال: كيف تقول هذا والله قد ذكر في الشرع أنه يبغض هذا ولا يحبه؟ فالله عز وجل يبغض إبليس ويبغض أفعال إبليس، ويبغض الكفر ويبغض أفعال الكافرين، يبغض النفاق ويبغض أفعال المنافقين. وهذا معلوم من الدين بالضرورة لكثرة ما ذكر ذلك في أدلة الكتاب والسنة. فعلم بهذا أن هؤلاء حصل عندهم خلط، ولهذا وقعوا في مثل هذا الضلال. وكما قلنا فيما سبق: اعتقدوا أولاً ثم استدلوا ثانيًا، فلذلك جعلوا الدين شريعة وحقيقة، فجعلوا الشريعة الظاهر والحقيقة الباطن، فزعموا أنهم علموا الباطن الذي هو تكلف تركيب الباطن بعضه على بعض، وأن الناس لم يفقهوا هذا، وأن الناس فقط يقفون عند الظاهر وهي الشريعة. قال: ولهذا قال: «فكأنما ألقم حجرًا»، يعني بهت وأقيمت عليه الحجة. قال: وقرأ قارئ بحضرة بعض هؤلاء: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فقال: هو والله منعه. ولو قال إبليس: فعال الله عن ذلك -يعني زعم أن الله هو الذي منع إبليس- قال: ولو قال إبليس ذلك كان صادقًا، وقد أخطأ إبليس الحجة. ولو كنت حاضرًا لقلت: أنت منعته. سبحان الله، انظر إلى هذا الكفر -يعني صار هو شيخ إبليس- صار هذا الجبري شيخ إبليس، يعني كأنه يقول: إبليس ما كانت عنده الحجة، وأنا عندي الحجة، ولو كنت حاضرًا مع إبليس لعلمت إبليس كيف يجيب في حجته. فماذا بعد هذا الكفر من كفر؟ والعياذ بالله. وهذا بسبب ماذا؟ الضلال في باب القدر، فالضلال في باب القدر أمره ليس بالسهل، أمره عظيم وخطير، ترتب عليه جوانب عديدة من الكفريات والتناقضات والضلالات. فانظروا إلى هذا الجبري كيف وقع في هذا الكفر والضلال؟ لماذا؟ لأنه ظن أن ما أراده الله كونًا فهو يحبه. وبهذا وقعوا في هذا الخطأ العظيم. قال رحمه الله تعالى: وسمع بعض هؤلاء قارئًا يقرأ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، فاستحبوا العمى على الهدى، فقال: ليس من هذا شيء، بل أضلهم وأعماهم. قالوا: فما معنى الآية؟ قال: مخرقة يمخرق بها. استغفر الله والعياذ بالله. وهذا كفر، كفر والعياذ بالله. ومعنى «مخرقة يمخرق بها»: يعني خداع وظاهر على خلاف الباطن، ظاهر على خلاف الباطن. وهذا الذي يقوله الصوفية والشيعة ومن كان مثلهم ممن ذهب إلى القول بالجبر، فإنهم يزعمون أن للقرآن ظاهر وباطن، وأن الظاهر هذا للناس، والباطن هو لهم ولمشايخهم، فزعموا أن الآية ليست بحق، بل فيها تدليس كما زعموا والعياذ بالله. ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، أي دللناهم وأرشدناهم إلى طريق الهداية والسلامة والعافية والأمان في الدنيا والآخرة، ولكن ما أرادوا هذا. يعني قامت عليهم الحجة بالأدلة التي ظهرت لهم الشرعية والكونية الشرعية؛ لأن الله أرسل إليهم رسولاً، وأنزل إليهم كتابًا، وكذلك الكونية بما أراهم الله من عاقبة من كفر ولم يتبع الرسل، وعاقبة من آمن واتبع الرسل، فقامت عليهم الحجة، ولكن أبوا ماذا؟ فاستحبوا العمى على الهدى، العمى أي طريق الضلال وطريق الكفر. وهذا له سبب، فمن السبب الرغبة في الشهوات التي لا يجدونها إلا مع الكفر. وهذا بعينه يقوله كثير من الناس حتى في زماننا هذا، تأتي فتدعو بعض الناس إلى الإسلام وتعرفهم لمحاسن الدين، فيقول: والله قد وقع هذا في أحد المرات، كنا في جلسة في المطار فاتفق منا بعض هؤلاء الكفار، فجلس يناقش عن الإرهاب، ما الإرهاب؟ ثم بينا له، فعرف فاتضح له منهج أهل السنة، ثم ذكرنا له محاسن الإسلام، فقال: قد قرأت كثيرًا عن الإسلام وأعرف أن الإسلام هو الدين الحق، وأنه لو صدق الناس أو صدقت البشرية بالتمسك به، فكان هو الذي يصلح أحوال الناس في جميع جوانب الحياة. قال: ولكن للأسف نفوسنا ضعيفة، لا نستطيع أن نترك الشهوات التي تعودنا عليها. بكل صراحة يجيب يقول: أنفسنا ضعيفة، لا نستطيع أن نترك الشهوات التي تعودنا عليها. فقال له بعض من معهم: ما هذه الشهوات التي ما تستطيع أن تتركها؟ فقال: النساء، الخمور، وجميع ما نلهو به. الحياة مرة واحدة، إذا لم نستمتع بها فمتى نستمتع بها؟ فقال له: عندنا في الإسلام يوجد ما يغني عن ذلك من الحلال. فقال: لا نحن لا نستطيع، نفوسنا ضعيفة. يعني يعرف ما هو الحق، ولكن ما هو الذي منعه؟ عمى القلب، عمى البصر والبصيرة، أعمى الله أبصارهم وبصائرهم بأسباب من هذه الأسباب الشهوات. ومثل هذا وقع للأمم السابقة، علموا أن الأنبياء يدعونهم إلى الفضيلة ويدعونهم إلى كل خير، ولكن ما هو الذي منعهم؟ منعهم أنهم سيحول بينهم وبين شهواتهم وعوائدهم وكل ما عليه من الكفر. فهذا هو الذي جعلهم يستحبون العمى على ماذا؟ على الهدى. إذن الله عز وجل هداهم هداية حقيقية، هي هداية الدلالة وإرشاد، وبعد ذلك أبوا، فأخذوا طريقهم. فقول هذا الجبري: «ليس كذلك، بل أضلهم الله وأعماهم»، هذا كذب على الله. الله عز وجل لم يرد شرعًا إضلالهم، ولكنه أراد ذلك ماذا؟ كونًا. لماذا؟ لأنه كان عندهم ما كان سببًا لذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: وسمع بعض هؤلاء قارئًا يقرأ: ﴿نِعْمَ مَا يَقْرَأُ﴾. فيقال: الله أكبر على هؤلاء الملاحدة أعداء الله حقًا، الذين ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوا حق معرفته، ولا عظموا حق تعظيمه، ولا نزّهوا عما يليق به، وبغضوه إلى عباده، وبغضوهم إليه سبحانه، وأساءوا الثناء عليه جهدهم وطاقتهم. وهؤلاء قصماء الله حقًا، الذين جاء فيهم الحديث: «يقال يوم القيامة: أين قصماء الله؟ فيؤمر بهم إلى النار». والمعنى أن هؤلاء بسبب هذه العقيدة الضالة أضلوا الناس، وبغضوهم في الله عز وجل، بل ونكسوا بطرهم، وحرفوا ماذا؟ ما في عقولهم الصحيحة السليمة بهذا المعتقد الضال، وهم بهذا صاروا أعداء لدين الله عز وجل، ويدعون إلى الكفر والإلحاد، ثم يزعمون أنهم من المسلمين. كيف يقول مسلم وهو عنده هذا الظن السيء بالله، وعنده كذلك هذا الاعتقاد السيء بشرع الله، وكذلك هذا التحسين للكفر والإلحاد والنفاق وغير ذلك، بحجة أنه من معنى القدر؟ وهم في الحقيقة لم يفهموا القدر. والحديث الذي ذكره جاء موقوفًا ولم يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.