الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 72، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن حكمة الله في اختيار الأفراد والقلوب للرسالة والإيمان، مشيراً إلى علم الله بخلقه واختيار من يصلح لتحمل رسالته. يتم التأكيد على أن هذا الاختيار يأتي بفضل حكمة الله ومعرفته.
يشرح حكمة الله في اختيار الصحابة وتفضيلهم، ويوضح كيف يختار الله من يشاء للهداية والإيمان. يشير إلى أن الله يضع الإيمان والقرآن في المواضع المناسبة لها.
يشرح حديث نبوي يضرب فيه المثل لقلوب الناس بأنواع الأرض، موضحاً اختلاف استجابة القلوب للهدى. يشير إلى أن بعض القلوب تقبل الهدى وتنمو بالخير بينما البعض الآخر يرفضه.
يعبر عن العلم الإلهي ويتم التبرك بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى خاتمة النص.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ومن المعلوم أيضا أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث منه، ومنها الطيب، وبين ذلك، يعني بين الطيب والخبيث. وكذلك القلوب، منها القلب الشريف الزكي، والقلب الخسيس الخبيث. وهو سبحانه خلق الأضداد، كما خلق الليل والنهار، والبر والبحر، والحر والبرد، والدواء والمرض، والعلو والسفل. وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم فيها، وإيداعها عندها، ويزكو بذرها فيها، فيكون تخصيصه لها بهذه النعم. فتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر، ليس من الحكمة أن يبذر البر في الصخور والرمال والسباخ. وفاعل ذلك غير حكيم. والمعنى: إذا كان هذا بالأمور الحسية، فهو كذلك بالأمور المعنوية. والله سبحانه الحكيم العليم، فما أعطى أعطى بفضل، وما منع منع بعدل. فإذا كان صاحب الزرع إذا أراد أن يزرع نظر في الزمان وفي المكان الذي يناسب فيه الزرع، ليس فقط المكان، بل حتى الزمان. فكما قال: لا يزرع البر في الصخور ولا في الرمال؛ لأن الصخور ليس محل الزرع، ولا الرمال محل الزرع، ولا السباخ، أي الأماكن الرطبة المليئة بالملح ونحوه مما لا يصلح فيها الزرع. وإنما يبحث عن الأرض الطينية التي تصلح لهذا الزرع. فكل زرع له أرض تناسبه. بل ليس فقط أن ينظر في المكان، بل ينظر كذلك في الزمان. لا أحد يزرع العنب في الشتاء، ولا التمر في الشتاء، وإنما هذا له وقت، وهذا له وقت. وهكذا كذلك هذا له مكان، وهذا له مكان. فمن وضع الشيء في غير موضعه لم يكن مصيبا، ولكان فعله شيئا من الغباء والخطأ الكبير. فإذا كان هذا في المحسوسات، فكيف بالأمور المعنوية؟ ولهذا قال رحمه الله: «فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال؟» والمعنى: لا يمكن هذا. إذا كانت هذه في الأمور الحسية، فكيف بالأمور المعنوية؟ هي أعظم وأكرم وأشرف وأرفع من أن توضع في غير محلها. قال: «فالله عز وجل أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا». أصلا يعني ابتداء من غير سابق، وميراثا يعني كيف يورث هذا جيل بعد جيل، أو شخص بعد شخص. فجعل من الأنبياء من يرث النبوة ميراثا ابن عن أب، كما وقع لإسماعيل من إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. ومنه ما جاء أصلا بغير إرث، مثل ما وقع لآدم ونوح وإدريس وجماعة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد يكون كذلك إرثا، لكن بينه فاصل، كمحمد صلى الله عليه وسلم، فبينه وبين إبراهيم فاصل، ليس بينه أنبياء مستمر جيل بعد جيل، ولكن له جد أو أجداد كانوا أنبياء عليهم الصلاة والسلام. وهذا بحكمة من الله سبحانه وتعالى؛ لأنه ينظر من المناسب لهذه الرسالة. فمن كان مناسبا لهذه الرسالة أعطاه الرسالة. فليس كل ابن نبي يصلح للرسالة، ولا كذلك ليس من ليس له أب نبي لا يصلح للرسالة. بل الله عز وجل أعلم بخلقه، وبنفسه سبحانه وتعالى، فيضع رسالته حيث يعلم أنها تصلح. وكذلك الإيمان والقرآن والحكمة والمعرفة والبصيرة، والله سبحانه وتعالى يضع ذلك كذلك بعلمه وحكمته جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته، فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل والقيام بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب إليه، ومن لا يصلح لذلك». وكذلك وسبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، ففرأى قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب أهل الأرض، فاختصه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد، ففرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبته». وهو كما أشار، رواه أحمد وغيره بإسناد حسن. والحسن للباني رحمه الله وشعيب وغيرهم، وهو أثر موقوف صحيح يؤكد ما أشار إليه رحمه الله تعالى. فاختيار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم كان بفائق حكمة، وكذلك عظيم معرفة من الرب العظيم سبحانه وتعالى الذي علم أنه عليه الصلاة والسلام خير من يصلح لهذه الرسالة، وخير كذلك من يتحمل هذه الأمانة عليه أفضل الصلاة والتسليم. ثم كذلك لعلمه أنه سيكون حوله من أصحابه من هم كذلك يصلحون لحمل هذه الرسالة ونصرتها ونقلها من بعده عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان فضل الصحابة بالنسبة لفضل أصحاب الأنبياء: أنهم أفضل الناس، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فخصه بصحابه هم خلاصة الناس في زمانه، بل فيمن قبلهم، كما هو الصحيح من أقوال أهل العلم في هذا. وخص منهم من هم كذلك خاصة الخاصة، كأهل بدر، ومنهم من هو أخص، كمثلا أهل ماذا من المهاجرين والأنصار، ثم أهل بدر، ثم العشرة، ثم من العشرة الأربعة، ومن الأربعة كذلك وزيراه أبو بكر وعمر رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. وهذا كله بحكمة من الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا علم ما يكون به الخير لعباده، فاختار رسوله واختار صحابة رسوله عليه الصلاة والسلام رضي الله عنهم. قال رحمه الله: «في أثر إسرائيلي يعني من الأخبار الإسرائيلية، ويروى عن وهب ابن منبه قال: إن الله تعالى قال لموسى: أتدري لم اخترتك لكلامي؟ قال: لا يا رب. قال: لأني نظرت في قلوب العباد فلم أر فيهم أخضع من قلبك لي». أو نحو هذا. وهذا كذلك، وإن كانت الأخبار الإسرائيلية لا تصدق ولا تكذب، ولكن ما لم يعارض النص فإنه يستأنس به. فهو يؤكد ما سبق من كلام الإمام بن القيم رحمه الله، من عظيم حكمته سبحانه وتعالى في وضع الإيمان والقرآن والدين في الموضع الذي يناسبه. قال رحمه الله: «فالرب سبحانه إذا علم من المحل أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده، حبب إليه ذلك، ووضع فيه، وكتبه في قلبه، ووفقه له، وعانه عليه، ويسر له طرقه، وأغلق دونه الأبواب التي تحول بينه وبين ذلك. ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته، أعظم أعظم من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء إليه. فلا يزال يعامله بلطفه، ويختصه بفضله، ويؤثره برحمته، ويمده بمعونته، ويؤيده بتوفيقه، ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به، فيزداد العبد به معرفة، وله محبة، وإليه نابة، وعليه توكلا. ولا يتولى معه غيره، ولا يعبد سواه. وهذا هو الذي عرف قدر النعمة، وعرف المنعم، وأقر بنعمته، وصرفها في مرضاته. فاقتضت حكمة الرب تعالى وجوده وكرمه وإحسانه: إن بذر في هذا القلب بذر الإيمان والمعرفة، وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح، وأطلع عليه من نور شمس الهداية، وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة. فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم». كما في الصحيح من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة طيبة طيبة قبيلة الماء، فأنبتت الكلاء والعشب الكثير. وكان منها طائفة أجاذب أمسكت الماء، فسقى الناس وزرعوا. وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به. ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». وهذا مثل وضعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليبين حال الناس مع ما بعث به عليه الصلاة والسلام من العلم والهدى، أي الإيمان والقرآن والدين. وهو كذلك مثل يدل ويؤكد ما أشار إليه الإمام بن القيم رحمه الله تعالى فيما سبق: أن الله عز وجل بحكمة يهدي، وبعدل سبحانه وتعالى يضل، يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ومشيئته سبحانه وتعالى بواسع فضله وعظيم عدله وحكمته جل وعلا، فلا يوضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه. ومع ذلك فليس بهذا حجة على الخلق، فمن أعطي أعطي بفضل، وله الحجة على الله. ومن منع منع بعدل، وعليه الحجة على الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل أعطى هذا الإنسان طريق الهداية وطريق الضلال، فهديناه النجدين: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. ثم هذا الإنسان يختار، هو الذي يختار بما أعطاه عز وجل من معرفة ومن عقل ومن قدرة على أخذ الطريق الذي يستطيع به أن ينجو إن أحسن الاختيار، أو الذي يكون به هلاكه إن أساء في هذا الاختيار. وهذا لا ينافي سابق علمه، ولا كذلك أمره في قضائه وقدره، كما تقدم في الأبواب السابقة وفي الفصول المتقدمة. قال رحمه الله تعالى: «فمثل القلوب بالأرض التي هي محل النبات والثمار، ومثل الوحي الذي وصل إليها من بارئها وفاطرها بالماء الذي ينزل على الأرض. فالعلم والإيمان والدين أعظم من الماء أعظم من الماء بلا شك. فكما أن الأرض أنواع، فكذلك الناس أنواع. وكما أن الماء كذلك يؤثر في الأرض، فكذلك العلم والإيمان والدين يؤثر في الناس». قال: «فمن الأرض أرض طيبة قابلة للماء والنبات، فلما أصابها الماء أنبتت من تفع به الآدميون والبهائم، أقوات المكلفين وغيرهم. وهذه بمنزلة القلب القابل لهدى الله ووحيه، المستعد لزكائه وثمرته ونمائه. وهذا خير قلوب العالمين». ومن الأرض أرض صلبة منخفضة غير مرتفعة ولا رابية، قابلة لحفظ الماء واستقراره فيها، ففيها قوة الحفظ، وليس فيها قوة النبات. فلما حصل فيها الماء أمسكته وحفظته، فوردها الناس لشربهم وشرب مواشيهم، وسقوا منه زروعهم. وهذا بمنزلة القلب الذي حفظ الوحي وضبطه، وأداه إلى من هو أفهم له منه وأفقه منه فيه، وأعرب بمراده. وهذا في الدرجة الثانية؛ لأنه نفع غيره، ولم ينتفع هو في نفسه. وهل معنى هذا أنه مؤمن أو كافر؟ قال العلماء: هؤلاء أصناف. والغالب أن منهم من يقبل ويكون عنده بعض انتفاع، ولكنه لم ينتفع للانتفاع الكامل. ومنهم من لا يكون كالأرض. فمن الأرض قيعان لا تنتفع أبدا، يعني ما ترى حول هذه القاع ولا شجرة واحدة خضراء. وهذا موجود. أو لا، مثل القيعان الصلبة. وهذا قد يكون ليس بمؤمن، كحال المستشرقين. المستشرقون درسوا دين الإسلام ونقلوا بعض محاسنه. ومنهم من درس وأخذ وكتب وجمع؛ لأجل أن يخرج فيه منه المعايب. منهم من هداه الله فأسلم، فكان ذلك سببا في إسلامه. ومنهم من حسن إسلامه، فصار إسلامه وتدينه أحسن من كثير من المسلمين؛ لما كان من معرفة وعلم وصل إليها لم يصل إليها الكثير من المسلمين. ومنهم من أسلم، ولكن أثقلته ذنوبه ومعاصيه وحياته التي تعودها والرخاء الذي هو فيه، فصار كهذه القيعان ينقل لغيره، وانتفاعه ضعيف وقليل. ومنهم من بقي على كفره وجحوده، فلم ينتفع من هذا العلم والهدى والدين، مع ما رأى من بصائر وحجج، ولكن بحثه وجمعه انتفع منه غيره. وإذا تقرأ فيما كتبه المستشرقون، سبحان الله، وتنظر في مثل هذا الحديث، تعرف عظم هذا الدين وعظيم حكمة الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء حرموا بما كان من شيء فيهم، وزاده تقاعص منهم وركون إلى الرخاء والدنيا وغير ذلك مما أثقل الإنسان عن قبول الخير. وبعض هؤلاء نوقش، فقيل له: لم لا تسلم وأنت تقر بأن الإسلام الدين الحق؟ فيقول: أنا لا أستطيع الصبر في ترك متاع الدنيا، والدنيا إنما هي مرة واحدة، فإذا لم أستمتع بها فلن أجد المتعة. وإن قيل له: اصبر بما أعطاك الله من الحلال لتنتقل إلى عظيم نعمة الله في الآخرة، فيقول لك: لا أستطيع أن أصبر، لا أستطيع أن أصبر. فهو ضعف نفسه خسيسة لا تستطيع الصبر الذي يكون عند النفس الطيبة. أما النفس الطيبة والعقول الرشيدة تصبر وتؤثر القلة في الدنيا على عظيم فضل الله في الآخرة. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا بمنزلة القلب الذي حفظ الوحي وضبطه، وأداه إلى من هو أفهم له منه وأفقه منه فيه، وأعرب بمراده. وهذا في الدرجة الثانية. ومن الأرض أرض قيعان، هي المستوية التي لا تنبت، إما لكونها سبخة أو رمالا. والسبخة كما قلنا التي يكثر فيها رطوبة الملح ونحوه مما يمنع النبات». قال: «ولا يستقر فيها الماء، فإذا وقع عليها الماء ذهب ضائعا، لم تمسكه لشرب الناس، ولم تنبت به كلاء؛ لأنها غير قابلة لحفظ الماء، ولا لنبات الكلاء والعشب. وهذا حال أكثر الخلق، وهم الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا. ومن كان بهذه المثابة فليس من المسلمين، بل لا بد لكل مسلم أن يزكو الوحي في قلبه، فينبت من العمل الصالح والكلم الطيب، ونفع نفسه وغيره بحسب قدرته. فمن لم ينبت قل، قلبه شيئا من الخير البتة، فهذا من أشقى الأشقياء». فصلوات الله وسلامه على من هدى، صلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه، وفي أمثاله. والمعنى: أنه أفاد الهدى والبيان والشفاء والعصمة في هذا الحديث، وغيره من الأحاديث. وفي هذا المثال الذي ضربه عليه الصلاة والسلام، وفي غيره من الأمثلة. طيب إلى هنا. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.