الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 125، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع موقف من يبالغ في تنزيه الله تعالى عن بعض الصفات، مما يؤدي إلى الوقوع في أخطاء أكبر. يشرح الشيخ ابن بريك كلام الإمام ابن القيم في كتابه «طريق الهجرتين» حول هذا الموضوع.
يتناول المقطع انتقاد موقف القدرية والفرعونية من تنزيه الله تعالى، حيث يبين أن هروبهم من بعض المآخذ الشرعية أوقعهم في أخطاء أكبر. يشرح المقطع أن الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق.
ينتقد المقطع القول بالحلول والاتحاد الذي يقول بأن الله يحل في المخلوقات، ويبين أن هذا القول يؤدي إلى تعطيل الشريعة وكفر أكبر. يحذر من الفرار من شيء إلى ما هو أسوأ.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»، في معرض رده على الرازي: قال «ثم المحذور، ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور، فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة، لزوم الضل لحامله والحرارة للنار، لا يمكنه دفعها ولا تخليص الخيرات منها. فهم فروا من إضافة الشر إلى خلقه ومشيئته واختياره، ثم ألزموه إياه، وأضافوا إليه إضافة لا يمكن إزالتها، مع تعطيل قدرته ومشيئته وخلقه وعلمه بتفاصيل أحوال عباده، وفي ذلك تعطيل ربوبيته للعالمين. ففروا من محذور إلى محذور بالتزام عدة محاذير، واستجاروا من الرمضاء بالنار». وهذا كما نزّه الجهمية الله عن استوائه على عرشه وعلوه على مخلوقاته فرارًا من التحيز والجهة، ثم جعلوا ﷻ في كل مكان مخالطًا للقاذورات والأماكن المكروهات، وكل مكان يأنف العاقل من مجاورته. ففروا من تخصصه بالعلو فعمموا به كل مكان. والمعنى منه -رحمه الله- أن هذا حال من لم يستجب لأدلة الكتاب والسنة، وأخذ يفرض بالعقل الأحكام، فإنه يفر من إثبات حكم تنزيهًا لله -كما زعم- فألزمه ذلك الوقوع فيما هو أعظم مما نزّهه منه. وقد مر معنا في كلام القدرية والجبرية كيف أن كل طائفة فرت من باطل مزعوم فوقعوا في باطل أكبر منه. فأوصل تنزيه القدرية النفاة نسبة الشر إلى الله إلى وقوعهم في إثبات خالق آخر للشر، وهذا القول أشد مما فروا منه. وهكذا القدرية حين فروا من نزع المشيئة إلى أن قالوا بالجبر، ويستلزم ذلك الظلم للعبد، وهذا لا شك أنه كذلك باطل أكبر مما فر منه. ومثل المثال بالاستواء لأجل أن يبين أن القاعدة هي: كيف أن الإنسان إذا لم يدور مع الدليل حيث دار، فإن نهايته الوقوع في شر أكبر مما فر منه. وهذه قاعدة مضطردة، فإن الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق، والنظائر تلحق بعضها ببعض. وها هنا وجه المناظرة والمشابهة: هو التعطيل للأدلة، فمن عطل دليلًا لزمه ذلك أن يقع في أكبر منه. وكذلك من فر من شيء مزعوم بالعقل، لزمه ذلك أن يقع في محذور أشد مما فر منه. وهذا مضطرد، سواء ما كان في باب القدر أو الأسماء الصفات أو سائر الأبواب الأخرى. قال: «ولما علمت الفرعونية بطلان هذا المذهب فروا إلى شر منه، فأخلوا داخل العالم وخارجه منه البتة، وقالوا: ليس فوق العرش رب يعبد، ولا إله يصلى له ويسجد، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكلم الطيب العمل الصالح، ولا عرج بمحمد صلى الله عليه وسلم إليه، بل عرج به إلى عدم صرف. ولا فرق بالنسبة إليه بين العرش وبين أسفل سافلين. ومن المعلوم أنه ليس موجودًا في أسفل سافلين، فإذا لم يكن موجودًا فوق العرش، فهذا إعدام له البتة، وتعطيل لوجوده». وهذا فرقة أخرى أرادت أن تنزّه الله -كما زعموا- عن مشابهة صفات المخلوقين، فجعلوا الله عز وجل معدوم الصفات. ومن كان معدوم الصفات فهو معدوم الوجود؛ لأن القول في الذات، القول في الصفات فرع عن القول في الذات، والحكم على الصفات حكم على الذات. فإذا أثبت ذاتًا بلا صفات ألبتة، فأنت تثبت ماذا؟ عدما تثبت عدما. وهذا هو الذي وقعت فيه هذه الفرقة والطائفة. قال: «فلما رأت الحلولية وإخوانهم من الاتحادية أشباه النصارى ما في ذلك من الإحالة، قالوا: بل هو هذا الوجود الساري في الوجودات الظاهر فيها على اختلاف صورها وأنواعها بحسبها، فهو في الماء ماء، وفي الخمر خمر، وفي النار نار، وهو حقيقة كل شيء ماهيته. فنزهوه عن استوائه على عرشه، وجعلوه وجود كل موجود خسيس أو شريف، صغير أو كبير، طيب أو غيره. تعالى الله عما يقول أعداؤه علوًا كبيرًا». وهذا القول كذلك من أفجر الأقوال، فروا -زعمًا منهم- من مشابهة المخلوق بنفي العلو، وشابهوا أهل الكتاب القائلين بالحلول والاتحاد. فصاروا أكثر من اليهود والنصارى؛ بعض النصارى على قاعدتهم في حلول اللاهوت في الناسوت -ويريدون باللاهوت الإله والناسوت المخلوق- خصوا هذا الحلول في مخلوقات، فجعلوه أنه حل في مريم عليه السلام، ثم في ابنها عيسى. ولهذا فهم يعبدون الثلاثة باعتقادهم أن الله حل في هذه الثلاثة: في ذاته المقدسة، وفي مريم، وفي عيسى. فلهذا هم يعبدون ثلاثة ويجعلون الثلاثة شيء واحد. وهذا القول قول كفر. فزاد الحلولية على هذا قولًا أكثر وأقبح منه، فقالوا: يحل في كل شيء، فيحل في الماء فيكون ماء، وفي الخمر يكون خمرًا، وفي النار يكون نارًا، إلى آخر لوازم هذا القول. ولهذا لزم ذلك تعطيل الشريعة؛ إذا صار الإله هو المعبود، إذن ما حاجة العابد أن يعبد المعبود إذا كان المعبود والعابد شيء واحد يحل هنا ويحل هنا؟ هذا يستلزم تعطيل الشريعة. وهذا الذي وقع من الحلولية الاتحادية، فوقعوا في كفر أكثر مما فروا منه كما زعموا. فالخلاصة: هذه الأقوال كلها ترتبت على الخروج عن الأدلة وإثبات ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة، وأن الأمور العقلية لا منتهى لها. فمن فر من شيء بالعقل، لازمه أن يقع في شيء أكثر وأشد باطلًا ومحذورًا. طيب، لهنا والله تعالى أعلم. شكرًا.