نصائح وتوجيهات

نصائح وتوجيهات

المحاضرة بعنوان نصائح وتوجيهات، والتي كانت في افتتاح الدورة العلمية المكثفة الثالثة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 ذو القعدة 1446هـ الموافق 3 مايو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلم وأهمية الأخذ من العلماء

يُنصح بطلب العلم من المشايخ والعلماء لما في ذلك من فوائد جمة، حيث إن الأخذ منهم ليس مقتصرًا على العلم فقط، بل يتعداه إلى الخبرة والمعرفة والفقه في التعامل مع مختلف الأمور.

همة واجتهاد طالب العلم والعزيمة القوية

يشدد المتحدث على أهمية الصدق والإخلاص وعلو الهمة لطالب العلم، ويؤكد على أهمية الهمة العالية والعزيمة القوية في تحقيق الأهداف العلمية.

مسائل فقهية متفرقة وتوضيحات حول أحكام الصلاة والوضوء

يتناول المقطع عدة مسائل فقهية متفرقة، منها أحكام زكاة المال والذهب، وتعلم الفقه المقارن، وحكم سب الدين والنبي، وإهداء لحم الأضحية لغير المسلمين، والصلاة في المسجد أثناء درس الإمام، ويوضح حكم النوم أثناء الصلاة والنعاس وأحكام الوضوء.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فجزى الله خيرًا الشيخ بهاشم ومن معه من المشايخ وضُلاّء في هذه الدار المباركة على جهودهم العظيمة الكثيرة التي يبذلونها في نصرة الكتاب والسنة وبث العلم النافع. ومن ذلك هذه الدورة المباركة الطيبة النافعة. كما نشكر كل من ساهم في هذا الخير بنفسه أو جهده أو جاهه أو ماله بقليل أو كثير، أن يجعل ذلك بميزان حسنات الجميع. ونشكر الأخ الشيخ الفاضل هبه بن عفيف على هذه النصائح وهذه التوجيهات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم والسامعين بهذا الخير الذي سمعتموه وستسمعونه في خلال هذه الدورة الطيبة المباركة. معاشر طلاب العلم وطالباته، هذه الدورات المباركة هي عبارة عن مفتاح يدلكم به على أبواب العلم وطريق العلم، فلا تجعلوا حضوركم لهذه الدورة والنهاية، بل اجعلوه البداية لأحسن النهاية. فإنكم إذا حرصتم على هذه المجالس الطيبة المباركة، وفتح الله عز وجل عليكم، تفتحت عليكم أبواب العلوم والمعارف. وكذلك شحذت همتكم بما يعينكم -بإذن الله سبحانه وتعالى- أن تتدرجوا في سلم العلم والإيمان وتعلموا السنة والقرآن ما ترتفعون به -بإذن الله- في هذه الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. وبه تعرفون فضل العلم والعلماء، وأنكم بحاجة إلى أن تقتربوا من العلم لينفعكم الله عز وجل به، وأن تقتربوا من العلماء لتأخذوا من هديهم وسمتهم وأخلاقهم وخبرتهم ودرايتهم قبل أن تأخذوا من علمهم ومعارفهم. بل الأول أهم من الثاني، ولذلك قدمت التربية على التعليم. قال الإمام أحمد -رحمه الله- حين حضر لبعض مشايخه: لأنا أحظى بما أخذت من هديه وسمته مما أخذت من العلم. يعني حمد الله أن وفقه الله لشيخ عنده من الهدي والسمت، وكذلك الأخلاق والمواقف والخبرة ما حفرت في قلبه وأثرت في سيرته، أن حمد الله حمدًا كثيرًا أن وفقه لإدراك هذا الشيخ والاستفادة منه، قدم هذا على العلم الكثير. وكذلك الشيء الكثير مما أخذه منه من العلم. ولم يزل ولا يزال العلماء يوصي بعضهم بعضًا بالاستفادة والاستنارة من أكابر أهل العلم، ليس فقط لكثرة ما عندهم من العلوم والمعارف، ولكن قبل ذلك للأخذ من خبرتهم، ومن هديهم وسمتهم وأخلاقهم وحسن تصرفهم في أمور الدعوة والتعليم والتعامل مع المجتمع. بما يعطي لطالب العلم ملكة في التعامل مع الأدلة الشرعية، وكيفية التصرف، وكذلك ملكة في مراعاة المصالح من المفاسد، وملكة في التعامل مع النوازل، وملكة في التعامل مع المجتمع باختلاف طبقاته واختلاف كذلك توجهاته. كل هذا لا يذكر في كتب أهل العلم، ولكنه يؤخذ من الهدي والسمت والسير والمنهاج والسلوك والمواقف التي يستفيد منها. فأنت لا شك في مثل هذه الدورة المباركة ستستفيد من أخلاق المعلمين والمدرسين والمشايخ والدعاة والمعلمين وغيرهم أشياء كثيرة. فلتجعل من رصيد فائدتك أن تستوعب مواقفهم وتصرفاتهم وخلقياتهم، وكذلك كيفية تعاملهم مع القريب والبعيد والعالم والجاهل وغير ذلك مما يكسبك من الخبرة والمعرفة والفقه، وكذلك مراعاة المصالح من المفاسد وغيرها، ما هو أعظم من العلم. فليس العلم هو أن نوجد -كما قال بعض المحرومين ممن سلك مسلك الثورات والسياسات ودعوات التكفير والتفجير- قال: ما الفائدة من أن نوجد من تفسير ابن كثير نسخًا. فهم لم يعلموا أن ما يستفيده طلاب العلم من مشايخهم أعظم من أن يأخذ نسخة من العلم. فليس الطالب يأخذ نسخة من العلم، وإلا فالنسخ موجودة في الرفوف عندنا، نسخ من كتب أهل العلم من مئات السنين، لكنها إذا سألتها: هل تعطيك الجواب إذا ضربت عليها؟ أعطيني حكم هذه النازلة، أعطيني ما هو الصواب في هذا الخلاف، أعطيني ما هو الذي ينبغي أن يتصرف مع مثل هذه الجماعة؟ ما ستعطيك الجواب. لكن العالم هو الذي يأخذ ما في هذه الكتب والعلوم -من مئات السنين- ويعطيك هدية جاهزة في فتوى وفي توجيه وفي نصيحة وفي إرشاد. فأنت اختصرت من عمرك الوقت الطويل، وأعطيت هدايا وعطايا وهبات وخبرات في وقت قصير. لو تأتي إلى محامٍ يشتغل في مجال من مجالات المحاماة -سواء كان في التجارة أو كان كذلك في باب الأسرة وغيرها من أبواب الخصومات والمحاكمات مما يقع في المحاكم- هو يقضي في هذه البلد مثلًا بالقانون اليمني مع الكتاب والسنة. أنت تستطيع أن تملك هذا الكتاب وتشتريه من المكتبة وتحطه عندك في البيت. فهل امتلاكك لهذا الكتاب يمكنك ويؤهلك أن تخرج الاستشارة الصحيحة في مشكلتك وفي معضلتك؟ الجواب: لا. فإنك تحتاج أن تذهب إلى صاحب خبرة وتسأل من أعرف الناس في هذا المجال، ومن أحسن الناس وأفضل الناس في هذا المجال، فتذهب إليه فيعطيك خلاصة حل المشكلة بخطوات أخذها من أين؟ من هذه الكتب التي أنت تمتلكها في البيت، ولكن انضاف إليها ماذا؟ خبرة ومعرفة ودراية وملازمة لبعض أساتذته الذين هم أهل الخبرة كذلك. كتب الطب، الطبيب الماهر ليس هو فقط الذي يتقن ما في الكتب من المعلومات. فامتلاك هذه الكتب يمكن أن يمتلكها أنا أو أنت وغيري وغَيْري، وربما بعض الكتب بلغات ما يحسنها هذا الطبيب ويحسنها إنسان آخر عنده هذه اللغات. ولكن هل هذه المعلومات التي في الكتب تؤهلها أن يكون طبيبًا؟ حتى لو حفظها حفظًا، حتى ولو قرأها عشرين مرة، لن يصل إلى الأهلية لأن يخوض في قضايا استشارية طبية إلا من إنسان صاحب خبرة ومعرفة ودراية ونجاح ونجاح في تخصصه الطبي. فلذلك إذا كانت عندك مشكلة تسأل من أفضل الناس، إذا كانت المشكلة في القلب من أفضل طبيب في القلب يقال لك: فلان بن فلان، تذهب إليه وتستشيره. فماذا يعطيك؟ يعطيك حل هذه المشكلة -يعني بخطوات- اختصرها من خلال ما في الكتب وما عرفه من أساتذته ومن خبرته وتجاربه في مجاله وتخصصه الطبي. وهكذا كذلك العلماء، فأهمية ثني الركب بين يدي العلماء ليس لتأخذ فقط المعلومات التي بالكتب، ولكن لتستفيد من خبراتهم ومعارفهم، وكذلك هدايا وعطايا أساتذتهم الذين أخذوها، فهذبوها لك فأعطوك إياها في قالب جاهز تستطيع أن تستوعبه وتستطيع أن تفهمه. وكلما أشكلت عليك مشكلة أو مرت بك نازلة أو عرضت عليك معضلة، فإنك ترجع إلى مشايخك وأساتذتك الذين عرفوا بالصفاء والنقاء بالدعوة السلفية الواضحة البينة ليلها كنهارها -كما وصف نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الدين- فإن هذا الدين فيه من الصفاء والنقاء ما جعله بيضاء نقية، صفحة بيضاء نقية ظاهرها كباطنها، ليس فيه سريات ولا حزبيات ولا ولاءات ضيقة ولا غير ذلك. ودعوة أهل السنة والجماعة هي كذلك، وعلماء ودعاة ومشايخ أهل السنة والجماعة هم كذلك، يدعون من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يجمعون لك ما في بطون هذه الكتب من مئات السنين إلى ما أضافوه من مشايخهم وأساتذتهم وخبرتهم في هذا المجال التعليمي والدعوي. بما يعينك على تحصيل الكثير في الوقت القصير. وهذا هو المقصود الذي ينبغي أن تحرص عليه طالب العلم، لا تحرص فقط على تحصيل العلوم، ولكن خذ من الهدي والسمت والخبرة والدراية والمعرفة، واسأل عن دينك، اسأل عما تحتاج أن تستفيد منه مما يعينك في سيرك العلمي وسيرك الدعوي. وأوصي بين يدي هذا اللقاء بثلاث وصايا مهمة جدًا في نجاح طالب العلم في سيره العلمي. أولها وأهمها هو الصدق والإخلاص مع الله سبحانه وتعالى، اجتهد على تصحيح النية دائمًا وأبدًا، وعلى مراقبة الله سبحانه وتعالى في أقوالك وأفعالك ومواقفك. وهذا -والله- أعظم وأوسع وأكبر أبواب النجاح والفلاح. إذا وفقك الله لإصلاح قلبك، فإنك -بإذن الله سبحانه وتعالى- ستوفق لما بعده، وسيسهل ويسر الله لك ما بعده. كما قال الله سبحانه: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وبصحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». إذا صار عندك من العجب والخيالاء والكبرياء والحسد وغير ذلك من أمراض القلوب، فإن هذا ربما يكون سببًا في حرمانك من النجاح والتوفيق في طريقك العلمي. كم من الأذكياء ممن لم يكن من الأذكياء حرموا طريق العلم، حفظوا القرآن في فترة يسيرة، وحفظوا شيئًا كثيرًا من السنة، ودرسوا علومًا متنوعة، ولكن لما كان عند بعضهم من العجب والخيالاء والكبرياء والتعالي على الآخرين من القرناء، حرمهم الله عز وجل الاستمرار في طريق العلم. لأن هذا الدين طيب لا يقبل إلا طيبًا، والله طيب لا يقبل إلا طيبًا، فالخبيث يسقطه ويسقط صاحبه. والأمر الثاني والمهم هو علو همة طالب العلم، كونك تقبل على العلم شيء، وكون يكون عندك علو همة شيء آخر، هو أهم من الأول. فلا تكتفي بأن تحضر الدورات العلمية ومجالس العلم بجسدك، وقلبك في عالم آخر، بل تحضر بجسدك وقلبك وعندك همة عالية أن تحصل الخير الكثير في الوقت القصير. ولما سئل الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- كيف جمع الله عز وجل له هذا العلم؟ وقالوا له: هل من دواء يا إمام يعيننا على حفظ العلم؟ فقال: «ما هو إلا همة طالب العلم». همة طالب العلم تجعلك تبخل على نفسك في وقت الراحة من الراحة، لأن الراحة والكسل والخور من المعوقات التي تعوق طالب العلم في همته وجده واجتهاده. فإذا كان طالب العلم يبحث عن قيلولة قبل الظهر، وقيلولة بعد الظهر، وهيلولة بعد العصر، وفيلولة بعد الفجر، وبيتوته وتعريسه طوال الليل، فمتى يطلب العلم؟ متى يطلب العلم؟ فضلًا عن وقت للطعام والشراب والوله والونس مع الأصحاب، كل هذا مما يعوقك في همتك في طريق العلم. لكن تجتهد وتجد وتحرص وتستفيد من سيرة العلماء، ولا سيما الذين جدوا واجتهدوا فحصلوا هذا الخير الذي رأيناه -سواء من العلماء المعاصرين أو من العلماء الماضين السابقين-. انظر إلى ما ذكر في ترجمة الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- فقد ذكر في همته لأهل العلم أنه أخذ عن أكثر من ألف شيخ في مسألة من مسائل الإيمان، يعني مكتفي أن يأخذها من واحد أو اثنين أو ثلاثة، بل حرص على أن يأخذها كما ذكر عن نفسه في «خلق أفعال العباد» قال: «وأخذت هذه المسألة عن أكثر من ألف شيخ من علماء السنة»، وهي مسألة الإيمان: أنه قول وعمل. وكذلك مما ذكر من علو همته أنه ربما أطفأ المصباح وأشعله في الليلة الواحدة أكثر من خمس وعشرين مرة -كما يقول تلميذه وصاحبه في حله وترحاله- في الليلة الواحدة يتذكر الفائدة فيكتبها ويدونها، ثم يطفئ السراج، ثم يريد أن ينام فيتذكر شيء ثاني فيولع. وليس السراج في ذاك الزمان مثل السراج في زماننا هذه، زر تضغط ويشتغل، وزر تضغط وينطفئ، وإنما يحتاج أن يجهز الزيت والفتيل والإشعال، ثم يجهز الورق والمحبرة والحبر والمجفف على هذا الحبر، كل هذا يأخذ منه وقت، ومع ذلك بارك الله عز وجل لهم في أعمارهم، وفي حرصهم، وكذلك في جدهم واجتهادهم. وهذا الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- ترجم بترجمته أنه لو أحصي ما ألف من العلم مع أيام حياته، لكان من يوم ولد إلى أن مات كتب في كل يوم أكثر من خمس وعشرين ورقة، أكثر من خمس وعشرين ورقة، يعني كيف استطاع أن يؤلف هذا الشيء الكثير في هذا الوقت القصير؟ لأن الإنسان لا شك تمر عليه أكثر من ثلث حياته في النوم، وفي المصالح الخاصة أكثر من ثلث الحياة، إذن ما بقي له إلا فقط معه الثلثان، ومع ذلك فأحصي وجد أنه لو حسب عدد أوراق ما كتب وألف مع ما كان من عمره لوجد أنه في كل يوم أكثر من خمسين وعشرين ورقة. وهكذا يعني شيخه ابن عقيل، يذكرون عنه أنه كان حريصًا، وقد ألف كتاب «الفنون» في أكثر من خمسمائة مجلد، قال الذهبي: «لا أعرف كتابًا في الدنيا مثل كتاب ابن عقيل في الفنون، فهو أكثر من خمسمائة مجلد». كيف كتبه؟ كيف جمعه؟ إذا قرأت في سيرته وترجمته: كان يبخل على نفسه حتى في وقت الأكل، حتى في وقت الأكل يقول: «إن كنت أسف الكعك سفًا مع الماء فرق ما بينه وغيره من الطعام من فارق الوقت»، يعني أهم شيء عنده هذا الطعام: كم سيأخذ منه من الوقت؟ وهذا الطعام كم سيأخذ منه من الوقت؟ فيأخذ ما ليس الأحب إليه، ولكن الأقل وقتًا مما يؤخذ منه، وهذا من عظيم حرصه على وقته -رحمه الله تعالى-. وغيرهم كثير ممن لا يخفى، حتى علماؤنا المعاصرون، ما بلغوا إلى هذه المنزلة العظيمة والعالية إلا بهمة عالية، وجد واجتهاد، وكذلك صبر ومصابرة، حتى حصلوا الخير الكثير في الوقت القصير. مما ذكر بترجمة الشيخ الألباني -رحمه الله- أنه كتب بيده أكثر من ثلاثين ألف حديث، انتقاها من كتب أهل العلم ومن المخطوطات على وجه خصوص، وربما يدخل في أول النهار ولا يخرج من المكتبة إلا في آخر النهار، حتى صار صاحب المكتبة يعطيه المفتاح لأنه أول من يدخل وآخر من يخرج، فصار يسلمه المفتاح ويثق به، فيدخل أول الناس ويخرج آخر الناس -رحمه الله-. وذكر عن نفسه، وذكر بترجمته أنه ربما صعد على السلم ليخرج كتابًا فلا يدري إلا وقد دخل وقت الصلاة الأخرى، وهو ما زال على السلم يقرأ ويكتب وينتقي ويأخذ، حتى جاء هذا الخير، هذه الكتب الكثيرة التي حققها، وهذه الأحاديث التي اعتنى بها -رحمه الله رحمة واسعة-. وهكذا المشايخ الآخرون، شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- مع كثرة ما يقوم به من مسؤوليات، وكذلك يعني ولايات وأمور كثيرة، مع ذلك كان حريصًا جدًا على وقته في تحصيل العلم. فإذا كان ينتظر وقت الطعام أو في حضرة ضيوف يبدأ بقراءة شيء من كتب أهل العلم، بل كان إذا ركب السيارة -رحمه الله- وأراد أن ينتقل من مكتبه إلى بيته أو بيته إلى مكتبه، أول ما يركب القارئ يقرأ عليه في طريق الذهاب وفي طريق الإياب. وهكذا شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله أو تعالى- كان من حرصه على وقته أنه نظم وقته تنظيمًا عظيمًا، حتى لا تكاد تجد وقتًا لأن تستفتيه فتوى واحدة، يعني تريد تستفتيه يقول لك: «بعد صلاة الفجر ثلاثة أسئلة»، ويأتي الآخر يقول لك: «كذا كذا»، والآخر ثم يقول: «اليوم ممتلئ، خلاص تعال غدًا أو تعال بعد غد»، مع ما عنده من مسؤوليات، وكذلك دروسه الكثيرة، وجده واجتهاده -رحمه الله- في التعليم والتوجيه وغير ذلك، حصل الخير الكثير في الوقت القصير. وهكذا شيخنا كذلك الوادع -رحمه الله- كان في جد واجتهاد، يعني على قلة ذات اليد، كان يجتهد بالتعلم ويشتغل ويتعلم، حتى حصل ما أعانه على الدخول إلى الجعامة، واجتهد بالقراءة على المشايخ والدراسة في الجامعة بالدراسة الأكاديمية، ولم يكتفي أن يدرس في كلية واحدة، من شدة شغفه وحبه للعلم درس في نفس الوقت في كليتين، درس في نفس الوقت في كليتين، فتخرج من كليتين في وقت واحد، تخرج من كليتين في وقت واحد، لأن قصده ليس الشهادة، وإنما قصده الأهم هو تحصيل العلم في هاتين الكليتين. وهكذا بعد أن وفقه الله في مركزه وتفرغه للدعوة، كان حريصًا غاية الحرص على وقته بالتأليف والتدريس، وكذلك الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فإذا وجد نشاطًا خرج في الدعوة إلى الله، وإذا وجد فتورًا خرج بقيام أمور أخرى. وأذكر أنه كان يخرج أحيانًا بل أحيانًا كثيرة يخرج في منتصف الليل -يعني الساعة الواحدة، الساعة الثانية- فيتفقد الطلاب، وينظر. وكان المسجد ملتصق ببيته، المسجد القديم، فكان -رحمه الله- ينظر إذا كان أحد يعني يحتاج إلى أن يدفئه البطانية انتزعت منه شدة البرد، فيأتي فيدفئه، ويتفقد الحراسة، ويتفقد. فقلنا له في أحد الليالي: «يا شيخ يعني نحن نكفيك هذا ما يحتاج أنك تخرج وتتفقد الطلاب». قال: «إنما أخرج لأجل أن أنشط، لأني أحيانًا يغلبني التعب إذا استمررت في الكتابة، فأنشط نفسي بهذا الخروج، فأرجع وأنا نشيط في أن أكتب، كأني بدأت من جديد». انظر وهو في هذه السن الكبيرة، ومع ما ابتلي به من الأمراض -رحمه الله رحمة واسعة-. وكانت عنده هذه الهمة العالية، وكذلك شيخنا الشيخ ربيع -حفظه الله وأحسن الله ختامه- كنا نأتي إليه أحيانًا يطلبنا ويتصل ونأتي إليه، فنأتيه في أوقات متأخرة، وهو في المكتبة. وتعرفون كان بيته في المدينة لما كان في المدينة في أول الأمر: شقة مكتبة، وشقة له ولأسرته، فكان يخلو بنفسه في المكتبة ويجتهد. وهكذا لما صار في مكة كذلك كانت مكتبته في الأسفل، وكان سكنه في الأعلى، فيكون غالبًا في الليل لا ينام، فإذا جئنا ورأينا عليه أثر الإرهاق والإعياء، فقل: «يا شيخ أنت متعب وتحتاج مع هذه السن أن تعطي لجسدك شيء من الراحة». فيقول: «والله يا ولدي إني أجد من النشاط ما أنا فيه». وكان في السبعين -رحمه الله- قال: «وأنا في السبعين ما لأجده وأنا في العشرين ما لأجده وأنا في العشرين». ولا أدري متى يختم لي؟ فلذلك أحرص على إكمال ما تيسر من الكتب والمؤلفات. هذا قليل من كثير من همم مشايخنا وعلمائنا وأمتنا قديمًا وحديثًا، مما يشحذ همتنا بأن نجد ونجتهد في تحصيل العلم النافع بما يعيننا -بإذن الله سبحانه وتعالى- على تحصيل الخير الكثير. والأمر الثالث والأخير الذي أختم به هذه النصائح والتوجيهات: أن نتبع هذه الهمة العالية بعزيمة قوية. قال العلماء: «الهمة العالية مع عدم العزيمة مثل الأحلام، مثل الحلم». فإن الحلم هو أماني، فإذا حققت هذا الحلم بشيء عملي، فإنك جمعت بين الخطة والتنفيذ، جمعت بين الخطة والتنفيذ. فكل خطة وأفكار لا بد أن تجعل لها تنفيذ، أن تخطط أنك -إن شاء الله- ستحفظ ما كذا وكذا من القرآن، هل دخلت في هذه الخطة؟ إذا دخلت في هذه الخطة فاستمر، استمر، فإن ذلك يعينك على الوصول إلى النتيجة. أضرب لكم مثالًا: إنسان خطط أن يحفظ القرآن في سنة، لكنه ما التحق بحلقة من حلقات القرآن، تمر عليه السنة والسنتان والثلاث والأربع والخمس والعشر، ويجتشيب لحيته ويكبر سنه ولم يحفظ شيء. وآخر دخل والتحق بحلقة القرآن، ورضي أن يحفظ على ما يسره الله، لكنه مستمر ملتحق بحلقة، ملتزم فيها. فهذا التزم بستة أيام في الأسبوع، وآخر التزم خمسة أيام في الأسبوع، وآخر التزم ثلاثة أيام في الأسبوع، مشوا جميعًا واستمروا، اتفقوا في الاستمرار وفي الإصرار على الوصول إلى النتيجة. هل سيصل الجميع إلى النتيجة؟ الجواب: نعم، سيصل الجميع إلى نتيجة. فالذي التزم بثلاثة أيام سيحفظ القرآن، والذي في خمسة سيحفظ القرآن، والذي في ستة أو سبعة أيام سيحفظ القرآن، لكن الفرق أن هذا ربما يحفظ قبل هذا، قبل هذا. لكن الجميع سيصل إلى النتيجة. أما الذي عنده أماني وأحلام، ولكنه لم يدخل ولم يبادر بنفسه لتنفيذ هذه الخطة والإصرار والاستمرار فيها، فإنه سيبقى ما في رأسه ماذا؟ أماني وأحلام، سيبقى ما في رأسه أماني وأحلام ما تتحقق. حتى تلزم نفسك بماذا؟ بعزيمة وهمة عالية على الاستمرار في الخير. فلذلك أنا أقول لنفسي وإياكم أيها الأحبة، ويا معاشر طلبة العلم وطالباته: إن من أهم الأمور لطالب العلم الاستمرار والإصرار على السير والوصول إلى النتيجة. تريد تحفظ القرآن؟ التحق بحلقة القرآن، والزم نفسك بما فيها -بإذن الله سبحانه وتعالى- سيوفقك الله. تريد أن تحفظ ما تيسر من السنة؟ ألزم نفسك بحلقة وشيخ حتى يوفقك الله لحفظ ما تيسر. وهكذا العلوم، وهكذا غيرها من المعارف -بإذن الله سبحانه وتعالى- ستجدون التمار الطيبة المباركة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يذيق عنا وعنكم كل شر. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه من والاه. هذه مجموعة كبيرة من الأسئلة، ولكن يجاب على ما تيسر منها، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. يقول السائل: نويته أن أخرج زكاة المال ما زاد من المبلغ المطبوب إخراجه، فهو من زكاة حلي الزوجة الدهب، هل يصح ذلك؟ السؤال غير واضح، إذا قصد أن عنده التزام بإخراج زكاتين: زكاة مال، وزكاة الدهب، فإذا كان كذلك ذهب الزوجة بلغ النصاب وحال عليه الحول، فيجب أن يخرج زكاته -سواء من الذهب أو مال يعادل ما يجب إخراجه من هذا الذهب- وكذلك المال إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، فإن يخرج كذلك زكاته، ولا يدخل هذا في هذا، يعني كونه عليه زكاة هناك، فيقول: «أنا أخرج مال واحد للزكاتين»، لا، ما يصح. يقول: هل الأفضل لطالب العلم أن يتمذهب بمذهب؟ وما الكتب التي ينبغي لطالب العلم في الفقه أن يتعلمها؟ التقدم الجواب على هذا بما يغني عن الإطالة والتفصيل، الخلاصة: الطريقة الصحيحة التي عليها العلماء وأئمة أن الإنسان يحرص على اتباع الدليل من الكتاب والسنة. قد يكون طالب العلم في أول أمره غير ليس عنده أهلية وغير متمكن، فكيف يصل إلى هذا الدليل؟ الجواب: يتعلم الفقه المقارن الذي ليس فيه التقيد بمذهب واحد، هذا هو الصواب وهو الأسلم، بدلًا من أن يتعلم مذهبًا بأكمله يأخذه بعجره بجره، بصوابه وخطأه، ثم بعد ذلك يزعم أنه يريد أن ينقي الصواب من الخطأ، وهذا من المشقة بمكان. كم من أناس دخلوا في طريق التعلم والتدرج بالتمذهب، فما استطاعوا أن يخرجوا من هذه الدائرة، لأن عمرهم أفني في هذا المحيط، فلم يستطيعوا الخروج منه. ولو خرجوا خرجوا في مسائل، وتعلقت بهم مسائل أخرى كثيرة على خلاف الصواب، على خلاف الصواب. بل الصواب أن يخرج من البداية بمعرفة الصواب، بالكتب التي يعني تدرس الفقه على وجه الفقه المقارن، مثل من المختصرات: «منهج السالكين» للإمام السعدي -رحمه الله- وكذلك «الدرر البهية» و«الروضة الندية» وغيرها من الكتب الأخرى. والله أعلى وأعلم. قال: سمعنا من بعض المشايخ أن من سب الدين لا تقبل توبته، فهل هذا صحيح؟ بينه وبين الله، الله يقبل التوبة، لكن إذا وصل للحاكم، في من سب الدين يستتاب، هذا هو الصحيح. وأما من سب النبي صلى الله عليه وسلم، فحكمه في الإسلام أنه يقتل، وهذا حق للنبي صلى الله عليه وسلم، وتوبته بينه وبين الله. وألف الشيخ الإسلام رسالة ومبحثًا عظيمًا في هذه المسألة: أنه لا يجوز لأحد أن يصفح في حق النبي صلى الله عليه وسلم. يقول السائل: هل يجوز إهداء لحم الأضحية لغير المسلمين إذا انتهى أهل الإسلام وما بقي إلا غيرهم، فأنت تطعمهم بهذه الأضحية؟ لا، بل وإلا فالأصل أنه يكون لفقراء ومساكين المسلمين. يقول: إذا جاء مسافر وجاء المسجد ولقي الإمام في درس، هل ينتظر ويجلس للدرس أم يصلي؟ إذا كان في ضرورة يصلي، يصلي، مثلًا: رحلة مرتبطة بباص في جماعة حج عمرة أو غير ذلك، توقف الباص في أحد المساجد، فإذا بالإمام عنده درس، ربما سيطيل والباص ما سينتظر، وإذا ركبت الباص ما يعطيك فرصة أخرى للصلاة، إذن استغل هذا الوقت للصلاة؛ لأجل لا يفوتك هذا الباص وأنت مسافر، معدور من حضور الجماعة. والله تعالى أعلم. يقول: الكثير من العوام: «أنتم يا أهل السنة لا تتكلمون في الأوضاع الموجودة في الساحة: فساد المسؤولين، وغلاء الأسعار، ونزول صرف العملة، ونحو ذلك»، فما هو الرد عليهم؟ الجوب: أن مثل هذه الأمور التي تتعلق بولاة الأمر، الطريقة الشرعية -ونحن لا بد أن نسلك الطريق الشرعي- التي دلت عليها دلة الكتاب والسنة: أن ما كان من تقصير من ولاة الأمر يكون بمناصحتهم سرًا، وما ينبغي أن ينصحوا به، بما فيه الإعانة على الإصلاح والتغيير، وليس من المنابر والتشهير وإثارة المجتمع والشعوب على حكامها. يكفي درسًا ما حصل فيما يسمى بالربيع الذي تحول إلى يعني حريق وفتن، يعني دمار لشعوب كثيرة بسبب هذه الحماسات، وهذه الثورات، وهذه الخطب النارية التي فيها التسخط على أوضاع المجتمع، وعلى فساد بعض المسؤولين، وغلاء الأسعار، وغير ذلك. ما هي النتيجة؟ النتيجة هذا الدمار الذي نراه في سوريا، وهذا الذي نراه قبلهم في الصومال، وها نحن نراها اليوم في بلادنا اليمنية -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح حوالنا وحوال المسلمين في كل مكان-. الصواب أن مثل هذا يناصح ماذا؟ أهل الشأن، بوجه يكون به الإصلاح، لا يكون به الإفساد. ثم معالجة الأمراض ما تكون من خطب الجمعة والمنابر، وإنما تكون بأساليب صحيحة شرعية علمية، مثلًا: تقام ندوات علمية في معالجة بعض مشاكل الأمة، ودون تسمية، ويعني ليس في ما يتعلق بولاة الأمر، وإنما مثلًا حلول في بعض الإشكالات التي تقع في المجتمع، ونحو ذلك. والمواقف الشرعية الصحيحة التي ينبغي أن يسلكها المسلمون في كل نازلة تنزل بهم؛ حتى يعرف أهل الإسلام ما هو الموقف الصحيح في كل نازلة تنزل بهم. يقول: ما حكم القصر في الصلاة للذين يذهبون إلى البحر -مثل الصومال- فهم يقصرون مدة مكوثهم في البحر، فقد يمكثون أشهرًا: شهرًا أو أكثر؟ الجوب: إذا كان هؤلاء يذهبون ولا يدرون كم سيجلسون، فإنهم يقصرون. وأما إذا كان عندهم معرفة أنهم سيجلسون أكثر من شهر، فإذا هم يتمون. وفي أثناء انتقالهم من موضع الموسم -سواء كان الصومال أو كان غير ذلك- من انتقالهم بين المكانين، هم مسافرون. ووصولهم إلى ذاك المكان ما دام عندهم يقين أنهم سيبقون أكثر من عشرين يومًا، فإنهم يتمون، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة. أما من كان مترددًا مثلًا ما يعرف موسم في هذه البلاد الغريبة عليه، فمثل هذا يعني يقصر إلى أن يأتيه اليقين -إما اليقين أن مدته قصيرة فيستمر في القصر- أو اليقين أن مدته طويلة أكثر من عشرين يومًا، فإنه يبدأ بالإتمام. والله تعالى أعلم، وهذا هو الذي رجحه جماعة من أهل العلم -جمعًا بين الأدلة- والله تعالى أعلم. يقول: نسيت بعض النوافل في الظهر، فهل أكملها بعد المغرب أو العشاء؟ إذا نسيت النافلة أو شغلت عنها، يجوز أن تقضيها -بعض العصر أو بعد المغرب أو بعد العشاء- وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم إن شغل بضيوف جاءوه عن راتبة الظهر، فصلاها بعد العصر -صلاها بعد العصر- رضي الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا فعل الصحابة بعده -رضي الله عنهم وارضاهم-. يقول السائل: ما هو الضابط للنوم الذي ينقض الوضوء؟ وهل الإغفاء اليسيرة مع التمكن للأرض يعد ناقضًا؟ الجواب: الصحيح من أقوال أهل العلم أن النوم الذي يذهب معه العقل هو الذي ينقض الوضوء، هو الذي ينقض الوضوء؛ لحديث صفوان بن عسال، ولكن من غائط، ومن بول، ومن نوم، فجعل النوم ناقضًا من نواقض الوضوء -عليه الصلاة والسلام- ولقوله عليه الصلاة والسلام: «العينان وكاء السه»، يعني الفتحة، فإذا نامت العينان، إن فتح الوكاء. ومعنى نامت: يعني حصل معه ذهاب للإحساس والشعور والعقل، فإذا وصل إلى هذا الحد فإنه ماذا؟ يعيد ويتوضأ. ويقوله: وإذا كانت نعسات ينعسها مع الإرهاق وطول الجلوس، فمثل هذا لا يضر، ما دام أنه يستجيب إذا أحد كلمه أو أحد خاطبه، فمثل هذا لا يعد نائمًا. والله تعالى أعلم. يقول: إذا كان في أحد الصلوات الإمام دعا لإخواننا في فلسطين، ولم أرفع يدي،