قوة المجتمع بقوة عقيدته

الخطبة بعنوان قوة المجتمع بقوة عقيدته، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 13 جمادى الآخر 1444هـ الموافق 6 يناير 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تمهيد وافتتاحية الدرس

يبدأ الدرس بالحمد لله والصلاة على النبي محمد، مشيرًا إلى أهمية البدء بالتمهيد والافتتاحية الشرعية. يُظهر الاحترام والتقدير لله ورسوله.

أهمية العقيدة في قوة المجتمع ووحدته

يؤكد الدرس على أهمية العقيدة في قوة المجتمع ووحدته، مشيرًا إلى أن قوة الأمة تأتي من قوة عقيدتها. يجب على المسلمين الاعتناء بالتوحيد والعقيدة الصحيحة ليكونوا أقوياء ومتماسكين.

العقيدة الصحيحة أساس مواجهة التحديات

يجب التمسك بالتوحيد والعقيدة الصحيحة لمواجهة التحديات والفتن، والابتعاد عن المظاهر التي تتنافى مع الإسلام. قوة المجتمع والوطن تأتي من قوة العقيدة والإيمان بالله عز وجل.

  • 16 جمادى الآخرة 1444هـ - 08/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

قوة المجتمع بقوة عقيدته، قوة عقيدته. إن واجب الاعتناء بالعقيدة واجب الجميع، أن نعتني بالعقيدة بجميع جوانب الحياة. وسائل الإعلام المقرؤة والمسموعة والمرئية يجب أن تعتني بالعقيدة، فقوة هذه الأمة بقوة عقيدتها. أيها المسلمون عباد الله، اعلموا أن قضية القضايا هي قضية التوحيد والعقيدة، يجب على الجميع أن يعتني بها، الرئيس والمرؤوس. قوة المجتمع، قوة الوطن، قوة الراعي والرعية، قوة العقيدة. لن تأتي القوة من تلك الغائفة وأولئك الفئام الذين هم أتباع الشرق والغرب، المائعون المميعون الذين لا ترى فيهم الرجولة، فضلاً أن تنتظر منهم شجاعة ومواقف؛ لأنهم تربوا على الغناء والخناء والخضوع والذل والخنوثة. وعند ذلك تكون تلك التبعية المقيتة، هذا الذي يتراقص بجسده ويتميع بحركاته، كيف تنتظر منه مواقف رجولية؟ وكذلك مواقف بها شجاعة وثبات، ذاك الذي همه آخر أغنية وآخر فيلم وآخر قصة حب وآخر مراسلة ومعاكسة، كيف تنتظر منه أن يحمي وطنًا أو عقيدة أو دينًا؟ تلك المرأة التي قلبها خارج بيت أهلها مع ذاك الذي يعاكسها أو ذاك الذي يراسلها أو ذاك الذي يغازلها أو ذاك الذي يهاتفها، كيف تربي أجيالاً؟ إنما العقيدة يا عباد الله أن تسترضع عند أمة عقيدة وتوحيد. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي العدني حفظه الله، في الرابع عشر من شهر جماد الآخر لعام 1444 من الهجرة النبوية. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، قضية عظيمة من أعظم القضايا التي يجب أن يعتني بها أهل الإسلام، من أولى وأعظم القضايا التي يجب أن يعتني بها المصلحون والخطباء والدعاة والعلماء والمسؤولون والأمراء، قضية القضايا، قضية من أجلها أنزلت الكتب من السماء، ومن أجلها جعل الأنبياء، بالإقراء، من أجلها جعل الولاء والبراء والمنع والعطاء، من أجلها خلق الله عز وجل الخليقة جمعًا، إنها قضية التوحيد والعقيدة، قضية القضايا وأمها وأصلها وأساسها، هي القضية الأهم والمسألة الأعظم، التي إذا صلحت صلحت حياة الناس جمعًا، وإذا فسدت فسدت حياة الناس جمعًا. القضية ليست بالهينة، ولهذا عباد الله كان مفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام جميع الأنبياء بالدعوة إلى توحيد الله عز وجل وعبادته. ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. ما بعث الله من نبي ولا رسول إلا كان مفتتح دعوته اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. قضية عظيمة، لا تقفوا عند معنى كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، تحتوي هذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد والعقيدة، كلمة الإيمان والإسلام والتقوى. لا إله إلا الله، الشهادة بالعبودية لله جل وعلا وحده والكفر بما سواه. لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله. ومعنى ذلك شمولية هذه العبادة والتوحيد لله عز وجل في جميع نواحي الحياة. عند ذلك يتحقق معنى قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. أيها المسلمون عباد الله، قضية العقيدة قضية عظيمة، بها قوة هذا المجتمع وضعفه، بها عزته وذله، بها رفعه ووضعه. وهل ترون ما كان من قوة سلفنا وإمامنا وأمتنا، وصالحي سابقينا إلا من قوة عقيدتهم وإيمانهم بربهم وخالقهم؟ فأثمرت لهم قوة ومنعة وعزة ورفعة، فصاروا بعد أن يرعون الشاة والبعير يرعون الأمم كلها شرقها وغربها، بماذا؟ بقوة إيمانهم وقوة عقيدتهم. ارتضعوا العقيدة من أنامل أظافرهم جيلاً بعد جيل، حتى نشأت أجيال لا تعرف للخوف مكانًا، ولا تعرف للذلة مكانًا، ولا تعرف للضعف والهزيمة مكانًا؛ لأنهم يعتزون بالله العظيم، الذين يثقون أن قوتهم من قوته سبحانه وتعالى، وهو وحده القوي المتين. لأنهم رسخت في قلوبهم عقيدة أعظم من رسوخ الجبال الراسيات، فعلموا عند ذلك أن إقبال الأسباب وإدبارها لا يؤثر فيهم. يتذكرون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». فعند ذلك كانت قوتهم بقوة عقيدتهم، كانت شجاعتهم بثبات إيمانهم بربهم. فعند ذلك نشأ جيلاً مثاليًا قويا لا يعرف الذلة والضعف، ولا يعرف الخور، لا يعرف التبعية المقيتة. إنما نراه أيها المسلمون عباد الله، أيها الموحدون أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما نراه بمجتمعاتنا من التبعية المقيتة التي تؤلم قلوبنا وتجرح صدورنا وتدمي أعيننا، ما ذلك إلا بسبب ضعف العقيدة، وضعف الإيمان في تلك الفئام من الناس، حتى صاروا على هذه التبعية المقيتة بين الحين والآخر، ومن موسم لآخر نرى آثار هذه التبعية المقيتة، تبعية في متابعة المشركين في أعيادهم واحتفالاتهم، هذه الاحتفالات الشركية التي تحتفل بها أمم الكفر والشرك. ثم وللأسف نجد من يتابع تلك الاحتفالات، إما بين يعتني بها بنفسه أو يجامل بإرسال الرسائل ومبادلة التحايا والهدايا، أو شراء بعض تبعيات تلك الأعياد الشركية، فيدخلونها في بيوتهم. أما علمت يا أيها المسلم أنك بتبعيتك المقيتة هذه فضلاً عن أن ترضى لنفسك ولأهل بيتك بالخضوع والذل والضعف والسفول؟ أما علمت أنك قد استبدلت الذي هو خير بالذي هو أدنى؟ أبعثت نفسك وأسرتك وأهل بيتك على هذه الضعف والمذلة التي يريدها أعداء هذا الدين؟ أيها المسلمون عباد الله، ينبغي أن يكون عندها من الصدق والصراحة والشفافية والوضوح ما يجعلنا أمة واحدة بحق وصدق، ينصح بعضنا لبعض. إن قوة هذه الأمة أيها المسلمون بقوة إيمانها وقوة عقيدتها، بقوة ولائها وبرائها. والولاء والبراء لا يعني الدعوة إلى الإرهاب، ولا يعني الدعوة إلى سفك الدماء، كما يصوره أعداء هذا الدين ويتلبسه المنحرفون من التكفيريين. ليس هذه العقيدة، العقيدة السوية هي عقيدة الثبات على الحق والعدل فيه. «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى». عقيدة التوحيد، عقيدة العدل في الولاء والبراء، وفي المنح والعطاء. عقيدة التوحيد، عقيدة لإثبات العبودية لله عز وجل وحده لا شريك له، لا مكان للخرافة ولا للشرك ولا للوثنية ولا للإلحاد. كما لا مكان للتكفير والتفجير وسفك الدماء، لا مكان للحزبيات والسياسات والجماعات التي فرقت الأمة، ولا مكان للتبعيات والخضوع والمذلة التي أذلت الأمة. قضية التوحيد تعني الاعتزاز بهذا الدين، الاعتزاز بهذا الإيمان، الاعتزاز بتوحيد هذا الدين العظيم، الذي هو من أعظم محاسن هذا الدين. أن يكون المسلم مؤمنًا بالله حقًا وصدقًا في قوله وفي عقيدته وفي عمله ومواقفه، أن نحقق معنى العبودية لله عز وجل بحق وصدق، أن نوحده بمعاني ربوبيته، فلا مكان للملحدين والعلمانيين. فنوحده بأفعاله سبحانه وتعالى، وأن نوحده بمعاني ألوهيته، فنوحده بأفعال خلقه، فلا مكان للمشركين ولا للوثنيين، ولا لغيرهم ممن أشرك مع الله غيره، ولو انتسب إلى دين، فاليهود والنصارى أمة مشركة، أشركت بالله عز وجل غيره مع عدد من الأنبياء وأتباع الأنبياء. وهكذا كذلك يوجد في المسلمين من تابع اليهود والنصارى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: «ومن القوم إلا هم؟». فحذو اليهود والنصارى ممن ضل فوقع في أنواع من الشركيات والوثنيات، طوائف وفئام من المسلمين تسموا باسم الإسلام وهم من الإسلام براء، فعكفوا على تلك القباب والقبور، وأقاموا تلك الزيارات الشركية والاجتماعات الوثنية. وكذلك المظاهر التي هي من مظاهر المشركين، بل فاق المشركون الأولون، أن المشركين الأولين ربما اغتروا ببعض الصالحين. أما المشركون بهذا الزمان فصاروا وللأسف يغترون بالسحرة والمشعوذين والكهنة والعرافين وغيرهم من التجالين وآكل أموال الناس بالباطل. أيها المسلمون عباد الله، اعلموا أن قضية القضايا هي قضية التوحيد والعقيدة، يجب على الجميع أن يعتني بها، الرئيس والمرؤوس. قوة المجتمع، قوة الوطن، قوة الراعي والرعية، بقوة العقيدة. لن تأتي القوة من تلك الطائفة وأولئك الفئام الذين هم أتباع الشرق والغرب، المائعون المميعون الذين لا ترى فيهم الرجولة، فضلاً أن تنتظر منهم شجاعة ومواقف؛ لأنهم تربوا على الغناء والخناء والخضوع والذل والخنوثة. وعند ذلك تكون تلك التبعية المقيتة. هذا الذي يتراقص بجسده ويتميع بحركاته، كيف تنتظر منه مواقف رجولية؟ وكذلك مواقف فيها شجاعة وثبات، ذاك الذي همه آخر أغنية وآخر فيلم وآخر قصة حب وآخر مراسلة ومعاكسة، كيف تنتظر منه أن يحمي وطنًا أو عقيدة أو دين؟ تلك المرأة التي قلبها خارج بيت أهلها مع ذاك الذي يعاكسها أو ذاك الذي يراسلها أو ذاك الذي يغازلها أو ذاك الذي يهاتفها، كيف تربي أجيالاً ورجالاً؟ إنما العقيدة يا عباد الله أن تسترضع عند أمة عقيدة وتوحيد، أن تكون الأم أمًا موحدة صاحبة عقيدة، كما ترضع ابنها الحليب والحنان، فإنه ترضعه العقيدة من صغره، فيشب تشب أضلاعه ويشب قلبه وتشب جوارحه، سمعه وبصره ويده على كلمات العقيدة والتوحيد والثقة بالله عز وجل والاعتزاز بهذا الدين والقوة به. فعند ذلك يكون رجلاً شجاعًا قويًا، بقوة أهله، بقوة عقيدته، بقوة إيمانه، تربى عند أبوين موحدين صالحين. عند ذلك تنتظر من هذا الابن أن يكون درعًا للوطن ودرعًا للدين ودرعًا للعقيدة. عند ذلك يكون مثل هذا جبلاً من الجبال يقاوم أمة بأكملها وأسرها، لماذا؟ لأن قوته من قوة عقيدته، قوته من قوة الإيمان بربه، لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها؛ لأنه متوكل على الله حق توكله. حاله كحال من سبقه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، حين ألقي إبراهيم بالنار عليه الصلاة والسلام قال كلمة عظيمة، كما قال ابن عباس البخاري وغيره: «حسبنا الله نعم الوكيل». قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: «إن الناس قد جمعوا لكم». أتعلمون متى هذا؟ هذا بعد غزوة أحد، وقد قتل من قتل وجرح من جرح، والناس بجراحاتهم، ونبينا صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج رأسه والدم يسيل من وجنتيه، والمغفر قد أترس بجنبيه عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك حين جاءه من يخوف ويقول: «إن الناس قد جمعوا لكم»، جمع أصحابه وأمر ربه بوحي من الله أن يرجع للمشركين كرة أخرى، قوة وشجاعة وعز ومنعة، فرجع ومن معه، فهرب المشركون خوفًا من النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: «ما رجع هؤلاء إلا وسيقلعوننا قلعًا»، ففروا هاربين إلى مكة. بقوة ماذا أيها المسلمون عباد الله؟ وهم بجراحاتهم، وهم معهم من قتل ومن جرح في القتلى والحرب، دائرة وقائمة ولم تنتهي بعد. ومع ذلك يجعل الله عز وجل الغلبة والنصر لأهل الإيمان؛ لأجل أن نتعلم درسًا في قوة العقيدة وقوة الإيمان وثقة بالله سبحانه وتعالى. موسى عليه الصلاة والسلام حين أقبل البرعون من مع خلفه والماء أمامه، قال: «إنا لمدركون». فقال موسى قول الواثق بربه، المؤمن به، الموحد به سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فعند ذلك أوحى الله عز وجل إليه أن يضرب بعصاه الماء، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بموجب شرعه، وأن يفقهنا بموجب ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، أيها المسلمون الموحدون، إن واجب الاعتناء بالعقيدة واجب الجميع، أن نعتني بالعقيدة في جميع جوانب الحياة. وسائل الإعلام المقرؤة والمسموعة والمرئية يجب أن تعتني بالعقيدة، فقوة هذه الأمة بقوة عقيدتها. المناهج الدراسية يجب أن تكون الأولوية في مناهجها لأمر العقيدة. وما قد دُس في تلك المناهج من عقائد منحرفة وكلمات مجسوسة ومناهج منحرفة، ينبغي أن تصفى وتوضح وتصنف، حتى يكون الناس على بصيرة من عقيدتهم ومن إيمانهم بربهم. لا مكان للسياسات والدعوات التي تجر إلى تفرق الأمة، ولا مكان لاجتماع الأمة إلا باجتماع عقيدتها تحت هذا الدين العظيم، دين التوحيد والعقيدة. ربنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد، ولن نسمع إلا بذلك. ومن يشمئز من الدعوة إلى التوحيد والعقيدة، ويظن أن الدعوة إلى التوحيد والعقيدة تفرق، وهو مخطئ خطأ عظيمًا كبيرًا. وهو أحد ثلاثة أصناف، إما أن يكون ماكرًا حاقدًا يبطن العداء لهذا الدين، ويتلبس لتلك الشعارات. وإما أن يكون مبتدعًا ضالاً، لا يسير ببدعته وضلالته، ولا يمررها إلا بمحاربة الدعوة إلى التوحيد والعقيدة. أو الصنف الثالث غبيًا من الأغبياء، انطلت عليه تلك الشعارات، وضعف مع تلك الدعايات، وانبهر بتلك الإعلامات. وكل هؤلاء الثلاثة ينبغي أن يحذر منهم، ويحذر. ينبغي أن يعرف العقلاء من الرعاة والرعية أن قوة هذه الأمة بقوة عقيدتها، وأنه لن تجتمع إلا إذا توحدت في عقيدتها، وصفت. وأنه لا مكان للشركية، لا مكان للدعوات الشركية والوثنية، ولا مكان كذلك للدعوات الحزبية التي تفرق وتبعث قوة هذه الأمة. وقد حذرنا الله عز وجل من التفرق وأسبابه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. وما مثل هؤلاء الذين يشمئزون من الدعوة إلى التوحيد والعقيدة، إلا كمن قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. هؤلاء هم الذين يشمئزون من كلمة التوحيد والعقيدة، الدعوة إلى التوحيد والعقيدة؛ حتى تبقى جزيرة العرب جزيرة الإيمان والإسلام والتوحيد، لا مكان فيها للكنائس والمعابد الشركية والوثنية، اليهودية والنصرانية. الدعوة إلى التوحيد والعقيدة؛ لأجل أن يحارب أهل الغلو كما يحارب أهل التفريط. الدعوة إلى التوحيد والعقيدة، دعوة إلى صفاء هذا الدين ونقائه وجماله ومحاسنه، الذي لا يمكن أن يتوصل إليه إلا بصفاء التوحيد والعقيدة؛ حتى لا يكون مكان للخرافة في المجتمع، ولا الوثنية، ولا الشرك، ولا الإلحاد، ولا العلمنة، ولا الأفكار الأخرى المعاصرة، من لبرالية وغيرها من دعوات كفرية مبطنة. ومع ذلك كله فكذلك لا مكان لدعاة التكفير والتفجير وسفك الدماء، لا مكان لهم بالعقيدة الصحيحة الصافية النقية؛ لأنها عقيدة العدل والإحسان. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. أيها المسلمون عباد الله، من يرى إلى العالم شرقه وغربه، يرى أن العالم يجتمع ويفترق على معاني عقدية. فهذا الغرب مع ما فيه من إلحاد، فإنهم يجتمعون تحت عقيدة النصارى. وهل ما نرى من دعوة للتنصير في أفريقيا وغيرها إلا من دعم الغرب؟ وهكذا كذلك اليهود في فلسطين، القضية قضية عقيدة. ولولا العقيدة لما حصلت هذه المجازر، وما سفكت هذه الدماء. ما يحصل لإخواننا في كشمير من الوثنيين، مثال آخر لحرب العقيدة في العالم. وما يقع لإخواننا في بورما وما حولها، مثال آخر لحرب الوثنيين لأهل الإسلام. ما يقع لإخواننا في الصين، مثال آخر لما يكنه أهل العداء لأهل الإسلام. فلا يغالط أحد فيقول: الدعوة العالمية دعوة إلى الإنسانية، والدين الإبراهيمي، ووحدة الأديان، كلها شعارات زائفة كاذبة، شعارات توضع ومن خلف الطاولة وتحتها رؤوس تقطع ودماء تسفك بمسميات العقيدة. فما الذي يحصل في الصين وفي بورما وكشمير؟ وهكذا كذلك الذي يقع في أفريقيا، بل وداخل أوروبا. لم ننسى ولن ننسى ما وقع في البوسنة والهرسك من مجازر عظيمة، لم تكن إلا حرب عقيدة. لم ننسى ولن ننسى ما وقع للمسلمين في الأندلس وقرطبة وما حولها من محاكم التفتيش، الذي يعتبر الإرهاب بعينه. ومع ذلك يحاول الغرب أن يغطي ذلك كله، ثم يصف المسلمين بالإرهاب؛ ليجعل طائفة شاذة اختلقتها أعداء الإسلام لتشويه الإسلام. فتعقلوا عباد الله من رعاة ورعية، أن يعتني الجميع بالعقيدة، العقيدة الصحيحة هي الإسلام الصحيح، الإسلام الصحيح بعيدًا عن غلو أهل الغلو وتفريط أهل التفريط. ولن تكون لنا قوة وعزة ومكنة، بل ودفع لصولة المعتدين، إلا بصفاء العقيدة وعدلها ونقائها الذي أمر الله عز وجل به. وما نراه اليوم من بغي من قبل أهل الأهواء، الرافضة بفرقهم وأنواعهم في لبنان وسوريا والعراق، وهكذا كذلك في اليمن اليوم، إلا هو بسبب اختلال أمر العقيدة والتهوين منها. القضية قضية إسلام وكفر، أيها المسلمون، قضية توحيد وعقيدة، أو شرك ووثنية. ما يقع لإخواننا أهل السنة اليوم في أفغانستان من قبل أولئك الصوفية من يسمى بطالبان، تصفية جسدية واغتيالات كل يوم وليلة، ما هو إلا مظهر من مظاهر كثيرة تدلك على أن أهل الشرك والكفر والنفاق والبدع والضلال والخرافة، كلهم ملة واحدة. وأهل التوحيد والإسلام الصاف النقي ملة أخرى. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن أبي عاصم وغيره بإسناد صحيح: «افترقت اليهود إلى 71 فرقة، وافترقت النصارى إلى 72 فرقة، وستفترق أمتي إلى 73 فرقة، كلها في النار». انظر كلها لا فرق بين اليهود والنصارى ومن انتسب إلى الإسلام؛ لأنها من فرق النار، وهم في النار في دركاتها، إلا واحدة من هي؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي»، هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة التي تنجو، فهم أهل الجنة والنقاء والتوحيد. أما أولئك فأهل النار والشقاء. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا ويرجعنا إلى الحق راجعًا جميلاً، وأن يصلح حالنا وأحوال المسلمين في كل مكان. اللهم يا رب، ندفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واصلح حالنا وأحوال المسلمين في كل مكان، يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا، ولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.