الدين النصيحة

الخطبة بعنوان الدين النصيحة، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 15 ذو القعدة 1442هـ الموافق 25 يونيو 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية النصيحة

النصيحة في دين الله لها شأن عظيم وهي من أعظم عرى الإيمان. أمر الله بها الرسل والأنبياء وأتباعهم.

تفاصيل النصيحة في الإسلام

النصيحة تعني الاهتمام بإصلاح النفس وإصلاح إخوانك المسلمين، وهي واجبة لله ولكتابه ولرسوله ولأمة المسلمين. يجب أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة.

أثر النصيحة على المجتمع

النصيحة واجبة في المجتمع لإصلاحه ونجاته، وعدم الاكتفاء بالصلاح الشخصي. الفتن والمخالفات تؤدي إلى العقاب والعذاب.

ختام بالدعاء للأمة والولاة

المقطع يتضمن دعاء للأمة وولاة أمورها بالإصلاح، ويطلب من الله أن يجعل ولايتهم بمن يخافه ويتقيه. كما يتضمن حمد الله والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وهل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم بصحيحه عن تميم بن أوسن الداري: «الدين النصيحة». وفي روايةٍ خارج الصحيح كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام، قال: «الدين النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله وليأمة المسلمين وعامتهم». عباد الله، إن النصيحة في دين الله عز وجل لها شأنٌ عظيم، فإنها من أعظم عرى الإيمان، ومن أعظم معاني الموالاة بين أهل الإيمان. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم معاني الإيمان والموالاة بين أهل الإيمان، بل قدمها الله عز وجل على إقام الصلاة. قال بعض العلماء: إن النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر ركن سادس من أركان هذا الدين، إذ لا يقوم الدين إلا به. فلولا ما يقوم به أهل الإيمان من واجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لنُسِيَ دين الله عز وجل. ولذلك كان كذلك من أوائل ما دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام. دعوا إلى النصيحة للرعية التي كانت عندهم، وكانوا معهم. فهذا نوح عليه الصلاة والسلام قال الله عز وجل وهو ينصح قومه: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهكذا هود عليه الصلاة والسلام ذكر الله عز وجل عنه وهو ينصح قومه فيقول: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. وهكذا ذكر عن صالح عليه الصلاة والسلام وهو ينصح لهم ويقول: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنَّكُمْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾. وهكذا عدد من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام ينصحون أقوامهم ويدعونهم إلى الخير والبر والتوحيد الذي دعا الله عز وجل إليه وأمرهم بالدعوة إليه. وهكذا كذلك عباد الله جيلًا بعد جيل ينصحون بعضهم لبعض، فينتقل دين الله عز وجل جيلًا بعد جيل. ولولا واجب النصيحة وما أمر الله عز وجل به لما سمعنا المآذن، ولم انتشر دين الله، ولم ينتقل دين الله عز وجل إلينا. ولكن قام الأولون بالواجب الذي أمرهم الله عز وجل به حتى انتقل دين الله سبحانه وتعالى إلينا إلى هذا الزمان. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون أهل الإيمان وأهل الإسلام عندهم من الحب للخير والنصح للخلق ما يستدعي انتقال هذا الدين بجماله وكل ما فيه من خصال الخير إلى الآخرين. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». إذا وجدت محبة صادقة يا عبد الله، فإنك تحب لأخيك في ظهر الغيب أو كان شاهدًا معك ما تحبه لنفسك، فتبذل له كل ما علمت من الخير في هذا الدين. فتبذل له كل ما علمت من الخير مما ينفعه في دينه أو كذلك في دنياه. وهكذا كذلك من النصيحة ما يكون به إصلاح المعايب وإكمال المناقص والدعوة إلى إكمال النفس والروح والأعمال وغير ذلك، بما يكون به استقامة الناس على دين الله السوي الصراط المستقيم والدين القويم الذي بعث الله عز وجل به أنبياءه وأرسل به كتبه سبحانه وتعالى. جاء في الصحيحين كذلك عن النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». هذا هو حال أهل الإيمان، كأنهم جسد واحد، بل حقيقتهم أنهم جسد واحد. إذا اشتكى منه عضو أي حصلت فيه من قصة أو وقع فيه عيب، فإن سائر الجسد يصاب بالحمى والسهر كالداء الذي يصيب بعض الأعضاء. فلذلك عباد الله نفهم ونعلم أن النصيحة أمرها عظيم في دين الله عز وجل، وأن واجبها واجب الجسد مع أعضائه. وأنه كذلك يبدل لها العلاج كما يبدل العلاج إلى عضو من أعضائه. فإذا أصبت بعض من أعضائك، فإنك تجتهد في علاج ذلكم العضو وتبدل كل ما تستطيع في دفع الداء عنه. وربما ترك ذلك كان سببًا في مرض سائر الجسد بالحمى والسهر. ولو كانت إصبع صغيرة أصيبت بجرح، فإنها ستجد من الألم وتجد كذلك من الحرج ما يكون سببًا في حصول المرض لسائر الجسد. وكذلك يا عبد الله ما يصيب إخوانك المسلمين من نقص أو عيب أو خلل، فإنه كذلك نقص في حقك. لأننا أمة الإيمان أمة واحدة وعصبة واحدة كما قال الله عز وجل عن أهل هذا الدين العظيم. وهو يمتن عليهم بما امتن الله سبحانه وتعالى به على أهل هذا الدين العظيم، قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. تمام الأخوة يا عبد الله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك. فلذلك أنت تجتهد في إصلاح نفسك وإصلاح إخوانك وإصلاح الآخرين بما يكون به استقامة الجميع على دين الله القويم الصراط المستقيم. تعلم أنه ليس من الصواب إذا لم يقبل هذا الأخ النصيحة أن تقطعه وأن تبتره. فإنك لا تفعل ذلك مع عضو من أعضائك، بل تجتهد في علاج ذلكم الجرح وعلاج ذلكم الداء، تبدل كل ما في وسعك. لأنك لا تريد أن تقطع عضوا من أعضائك، ولكنه إذا استشرى الداء وعظم البلاء عند ذلك أنت بين خيارين اثنين لا ثالث لهما. إما أن تترك هذا الداء فيستشري بسائر الجسد فيكون سببًا في هلاك الجسد كله، أو أنك تقطع ذلكم العضو وأنت له كاره وأنت للقطع كاره، ولكنك تفعل ذلك طمعًا وحبًا في سلامة باقي الجسد. ولذلك كان كذلك من آخر منازل النصيحة أن يكون الهجر الجميل الذي يكون به إعانة المهجور أن يرجع إلى دين الله سبحانه وتعالى، أن يرجع إلى الصواب، وأن يرجع إلى الحق الذي به يكون خيريته وسلامته في دينه ودنياه. كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أمره الله عز وجل بذلك بهجر الثلاثة الذين تخلفوا عن تلكم الغزوة، أمرهم بهجرهم بضعًا وخمسين يومًا حتى حصلت التوبة ورضي الله عز وجل عنهم، فرجعوا إلى المؤمنين وهم في غاية من الحب والفرح برجوعهم. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون بين أهل الإيمان الهجر الجميل الذي يُعطي خط رجعة لمن وقع منه تقصير أو تفريط، أن يرجع إلى الصواب، وأن يرجع إلى إخوانه، وأن يستقيم على الدين القويم والصراط المستقيم الذي أحبه الله سبحانه وتعالى لأهل هذا الدين. عباد الله، النصيحة لها شأن عظيم في حفاظ الناس على هذا الدين القويم الذي أراده الله سبحانه وتعالى للخلق. ولذلك كانت النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وليأمة المسلمين وعامتهم. أما النصيحة لله باتباع أمره واجتناب نهيه وإقامة توحيده وإصلاح أمر العبادة له سبحانه وتعالى، وتحقيق معنى هذه العبودية على أكمل وجوهها التي يحبها الله سبحانه وتعالى. وأما النصيحة لكتابه فباتباع أوامره واجتناب نواهيه واتعاظ من قصصه وأخباره بما يكون به الخير لهذا الإنسان في هذه الدنيا وهكذا كذلك في الدار الآخرة. وهكذا من النصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم بامتثال أمره واجتناب نهيه واتباع سنته والانتفاع بصيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما يكون لك الخير في هذه الدنيا وهكذا في الدار الآخرة. قال الله عز وجل عن القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. فاستفد من هداية هذا القرآن بما فيه من أوامر ونواهي وبما فيه من قصص وأخبار وبما فيه كذلك من مواعظ وغير ذلك مما ذكره الله عز وجل بكتابه. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ما كان حديثًا يفترى. هذا هو القرآن، ما كان حديثًا يفترى، قصص وأخبار فيها العظات وفيها العبر وفيها المنافع التي ينتبع بها هذا الإنسان في دينه وهكذا كذلك في دنياه. وهكذا كذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العطرة، أوامر وكذلك نواهي، نواهيه، كلها فيها خير للمسلم إن هو أخذها بما أخذ الجد وتتبع ما فيها من خير، فإنه بإذن الله سبحانه وتعالى سيكون سببًا في هداية نفسه في هذه الدنيا وهكذا كذلك بإذن الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وهكذا كذلك قصص الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، لم يذكرها الله عز وجل لنا إلا لأجل أن نأتسي ونعتبر ونتعظ. وهكذا من اتبعهم بإحسان من الأنبياء، من الصديقين والشهداء والصالحين. كما قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. فأنت تتبع هؤلاء بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه. وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، وذلك الفوز العظيم. وهكذا كذلك أن تتبع ما كانوا عليه من المواقف وما كانوا عليه كذلك في أحوالهم وأقوالهم وغير ذلك مما فيه عظة وعبرة. فإذا فعلت ذلك كنت بإذن الله معهم في تلك المنازل العلية والدرجات الرفيعة. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فإذا أردت الرفقة الصالحة الحسنة والمنزلة العلية الرفيعة، فعليك بهذه الوصية العظيمة التي أوصى الله عز وجل بها المؤمنين في هذه الآية العظيمة. وهكذا كذلك من النصيحة لعامة المؤمنين وولاة أمورهم. فإن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وليأمة المسلمين وعامتهم. فمن النصيحة لأمة المسلمين أن تنصح لهم بما يكون به الخير لهذه الأمة، ولكنها لا تكون نصيحة من المنابر يكون بها الفتن ويكون بها الإثارة ويكون بها كذلك الصد وعدم قبول هذه النصيحة. فتكون الشحناء والبغضاء والفرقة والوحشة بين الراعي والرعية بمثل هذه النصائح التي تكون من المنابر وهي بمثابة التهييج وبمثابة الخروج. ولهذا سمى العلماء هذه النصائح التي تكون من المنابر ونحوها من إشاعة الفاحشة ومما تكون به التهييج في الخروج على الحكام ونحوهم. وكان فرقة من فرق الخوارج تسمى القعدية، كان من طريقتهم تهييج الناس في الخروج على ولاة أمرهم، وهي ليست طريقة سوية حذر منها العلماء من القديم. وهكذا كذلك لا يزال وللأسف يتبع هذه السنة السيئة طائفة في هذا المجتمع. فيكونون سببًا لحصول الفتن. وانظروا ولا أدل على ذلك ما ابتليت به المجتمعات في هذا العصر من هذه الفتن التي تموج موج البحار، فسُفكت الدماء ودمرت الكثير من المدن والأمصار، وحصل الخراب العظيم والتشرد والقتل والأسرى وغير ذلك من الفساد الذي نراه. وكل هذا بسبب التهييج وتلك المظاهرات وتلك الاعتصامات التي كانت ثمرتها هذا الشر الكبير والفساد المستطير. نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة من هذه الفتن ما ظهر منها وما بطن. وهكذا كذلك عباد الله من النصيحة النصيحة لعامة المسلمين بحب الخير لهم ودعوتهم إلى ما فيه هذا الخير في دين الله عز وجل، أن يتبعوا أمره ويجتنبوا نهيه ويستقيموا على شرعه، فتكون لهم الخيرية في هذه الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. ولا خير في هذه الأمة إلا بالمحافظة على هذا الواجب العظيم الذي تكون به خيريتهم في هذه الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. كما قال الله عز وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتناصحين فيه المتعاونين المتواصلين في نصرة دينه وكتابه وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. اللهم آمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد عباد الله، وإن من عظيم منزلة النصيحة أن أصحاب مثلهم النبي صلى الله عليه وسلم كقوم في سفينة، فكان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: لو أننا لم نؤذ من فوقنا فخرقنا في نصيبنا خرقًا فلم نؤذ من فوقنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تركوهم ما أرادوا لها لك وأهلكوا جميعًا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». فنحن في هذه الدنيا يا عباد الله كمثل قومٍ في سفينة. فإذا لم يقم من وفقه الله للتمسك بدين الله بواجب النصيحة تجاه من ابتعد عن دين الله عز وجل لغرقت سفينتنا، ولعمَّ الله عز وجل بعذابٍ وعقاب. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم مبينًا هذا المعنى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. ولم يقل: وأهلها صالحون. فلا يكفي أن تكون صالحًا يا عبد الله في نفسك، بل لا بد أن تكون مصلحًا لغيرك. ولهذا كان من علامات الفرقة الناجية والطائفة المنصورة التي تكون فيها في آخر الزمان في أهل الغربة أنهم يصلحون ما أفسد الناس. ويكونون صالحين حين يفسد الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». وفسره في رواية خارج الصحيح قال: «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس». وفي رواية: «هم الذين يصلحون إذا فسد الناس». فلا يكفي أن تكون صالحًا في نفسك، بل لا بد أن تكون مصلحًا لغيرك. وإلا والله وبالله وتالله نخشى أن تغرق سفينتنا بسبب ذنوب بعضنا ومعاصي بعضنا. فإننا في سفينةٍ واحدة، إما أن نأخذ بأيدي جميع فنسلم، وإلا والله نخشى أن يعمنا الله بعقابٍ وعذاب. وما نراه اليوم في المجتمعات التي ابتليت بهذه الحروب وهذه الفتن لا أدل على هذا الأمر العظيم. فإن السفينة انكسرت بسبب مخالفة البعض الذين خرجوا عن الصراط المستقيم والدين القويم الذي أرشد إليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما كانت تلك المظاهرات وتلك الاعتصامات وتلك الفوضى التي قام بها بعض الناس، كان ما نراه اليوم. فعم العذاب والعقاب الصغير والكبير والصادق والكاذب والقريب والبعيد إلا من رحم الله. ونسأل الله سبحانه وتعالى ألا يبتلينا بذنوبنا وبذنوب غيرنا. وقد قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أصلح حالنا وحال المسلمين بكل مكان. اللهم أصلح حال المسلمين في اليمن وفي سوريا وفي العراق وفي ليبيا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا وللمسلمين الأحياء منهم والأموات يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا ولاة أمورنا، واجعل ولايتنا بمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.