الدرس في Lesson 1 Part 11، tafseer of soorah al-kauthar ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
سورة الكوثر سورة مدنية عظيمة تتضمن معاني عظيمة حول نهر الكوثر في الجنة أو الحوض الذي يرد عليه النبي أمته يوم القيامة. جاء في الأحاديث النبوية وصف للنهر والحوض.
الآية "فصل لربك وانحر" تبين أهمية الصلاة والنحر، حيث الصلاة عماد الدين والركن الأول من أركان الإسلام، والنحر من أعظم العبادات المالية. ضرورة الاستمرار في طاعة الله.
النبي قام بمقام العبودية على أكمل مراتبها، وكرمه الله بذكر حسن وبقاء نسب، ورد الله على منتقصيه بأن عدوه هو الأبتر. الله يتكفل لمن يستقيم بالكرامة.
الله يجزي المؤمنين بالحياة الطيبة والأجر الحسن على أعمالهم الصالحة. هذا وعد إلهي لمن عمل صالحا وهو مؤمن. الختام بالصلاة على النبي وآله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فدرسنا في هذا اليوم هو في سورة الكوثر، وهي سورة مدنية على الصحيح من أقوال أهل العلم، وقيل إنها مكية، ولكن راجح أنها مدنية. ويلحقها ما يلحق القرآن المدني، فإنها غالبا تخاطب المؤمنين وتتعلق بالأحكام التي تتعلق بأحكام أهل الإيمان. نقرأ سورة الكوثر كالعادة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. يقال في هذه السورة ما قيل في السور التي سبقت، يدقق المدرس وهكذا المدرسة للأخوات في نطق الطلاب وتتبع الأحرف التي تحتاج إلى تصحيح وما يتيسر من أحكام التجويد. هذه السورة سورة عظيمة على صغر آياتها أو قلة آياتها وصغرها، لكنها تضمنت معاني عظيمة. فإن الله عز وجل يخبر نبيه عليه الصلاة والسلام أو إخبار للناس عامة أن الله عز وجل قد من عليه بإعطائه الكوثر، وهو نهر في الجنة أو يصدر من الجنة على حوض النبي صلى الله عليه وسلم، يخص به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكرمة له ولأمته. جاء في البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تلت هذه الآية وأخبرت أنه نهر يعطاه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك اليوم العظيم. وجاء كذلك معناه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، وبطرق كثيرة. وأصل الحديث بالصحيحين أن نبينا عليه الصلاة والسلام أغفى إغفاءة، فرفع رأسه مبتسما، ثم قال لأصحابه حين سألوه لماذا ضحكت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه أنزلت علي آنفا سورة»، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها، ثم قال: «هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسول أعلم، قال: «هو نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنية عدد الكواكب، يختلج العبد منهم»، فأقول: «يا رب إنه من أمتي»، فيقال: «إنك لا تدري ما أحدث بعدك». وهذا الحديث مع الأحاديث الأخرى يفهم منه أنه نهر أصله في الجنة، ويرد على حوض النبي صلى الله عليه وسلم الذي يكون قبل الصراط. وفي هذا الخلاف بين أهل العلم هل هو قبل الصراط أو بعد الصراط، أصله في الجنة، والحوض في عرصات الناس قبل دخولهم الجنة. جاء في بعض الروايات في حديث أنس في صحيح مسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام بعد أن أغفل إغفاءة ورفع رأسه مبتسما، وذكر أنه أنزلت عليه السورة، فتلاها، ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر عدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة». ثم ذكر أنه نهر، ثم قال: «هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة»، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم -يعني يطرد العبد-، وفي رواية أنه يعرف من يرد على الحوض بأشخاصهم، فيقول: «أصحابي أصحابي»، وفي رواية يعرفهم بأوصافهم: «أنهم من هذه الأمة، أمة الإسلام»، يعرفهم بآثار الوضوء، فيقول: «أمتي أمتي»، فتطردهم الملائكة عن الحوض، فيقول أو فتقول له: «إنك لا تدري ما أحدث أو ما أحدث بعدك». فيدل على أن هذا الحوض أصله نهر في الجنة. وهكذا جاء من حديث أبي ذر وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم أشياء في وصفه -أي في وصف هذا الحوض- أن طوله شهر وعرضه شهر، وعدد آنيته مثل نجوم السماء، وماءه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل. وفيه غير ذلك من الأوصاف الكثيرة التي جاءت في عدة أحاديث، منها ما جاء في حديث أبي ذر وحديث عبد الله بن عمر، وحديث أنس رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. والشاهد أن الله عز وجل أكرم نبيه عليه الصلاة والسلام بهذا الحوض وهذا النهر، يكرمه جل وعلا يوم القيامة، ويكرم به هذه الأمة لمن لم يغير ولم يبدل -أي سار بما سار عليه نبينا عليه الصلاة والسلام وما كان عليه الصحابة من بعده رضي الله تعالى عنهم أرضاهم-. ومعنى ذكر هذا الفضل في هذه السورة هو ما سيأتي ذكره: أنه لما تنقص المشركون نبينا عليه الصلاة والسلام بما سيأتي، بين ربنا جل وعلا فضل نبينا عليه الصلاة والسلام بما يكرم به يوم القيامة ويخصه، وذلك يدل على كرامته كذلك وما خصه الله عز وجل به في هذه الدنيا. وهذا ما سيأتي إن شاء الله في الآية التي بعدها. ثم قال جل وعلا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أي شكرا لله عز وجل على ما أعطى. وذكر أمر الصلاة والنحر كما قال العلماء؛ لأنها تدل على غيرها من العبادات. فالصلاة هي العبادة العملية التي تناولت عددا من الأقوال والأفعال التي تحقق بها عبودية الرب سبحانه وتعالى، وهي الركن الأول من الأركان العملية من أركان الإسلام. وذكر النحر ويدخل فيه الذبح؛ إشارة إلى نوع آخر من أنواع العبادات، وهي العبادات المالية التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. وأعظم العبادات المالية النحر الذي يكون فيه بذل المال والتعبد لله عز وجل بالذبح وما يتبع ذلك في إكمال هذه الصدقة. وبهذا تكون الإشارة إلى غيرها من العبادات العملية والمالية والبدنية، وهكذا كذلك غيرها من العبادات الأخرى. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ كما قلنا شكرا لله عز وجل على ما وهب وأعطى، واستمرارا في طريق العبودية التي بلغ فيها نبينا عليه الصلاة والسلام أعلى المقامات. وفي هذا إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه العبد من الاستمرار في طريق الطاعة والعبادة لله سبحانه وتعالى، ومن زيادة ذلك عند حصول النعمة من الله جل وعلا. فكما أن نبينا عليه الصلاة والسلام أمر بذلك في مثل هذا المقام، فكذلك ينبغي أن يكون حال جميع العباد الذين هم عباد لله سبحانه وتعالى أن يشكروا الله على ما أعطاهم بقيامهم بإكمال عبوديتهم له سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية بيان عظم منزلة هاتين العبادتين: الصلاة والتي منها الدعاء، والنحر الذي يدخل فيه الذبح -والنحر يكون للإبل؛ لأن تطعن في أسفل العنق، والذبح يكون لبهيمة الأنعام الأخرى من الغنم والبقر-، ففيه بيان أهمية هاتين العبادتين على وجه الخصوص من سائر العبادات. فكل العبادات لا تصرف إلا لله عز وجل، وصرفها لغيره جل وعلا شرك. وهاتين العبادتين على وجه الخصوص وقع فيهما تخصيص الأمر بهما في مواضع كثيرة. كما قال الله عز وجل عن نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه يقول للناس: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، فخص هاتين العبادتين كذلك لعظم أمرهما. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كذلك في الصلاة أنها أهم موضوع، وصح عنه من حديث علي وغيره قال: «لعن الله من دبح لغير الله»، فهذا يدلنا على وجود الاهتمام بسائر العبادات، وهاتين العبادتين على وجه الخصوص، وأن يحرص المسلم على تصريفهما من شوائب الشرك: الشرك الأكبر والشرك الأصغر. وما أكثر ما يبتل به الناس في مثل هذين المقامين مما تكون فيه شائبة الصلاة ذات الركوع السجود، وما ينبغي للمسلم أن يعتني به في المحافظة عليها على أكمل وجوهها. وتجد الناس في تفريطهم فيها على أصناف كثيرة، ما أن الله عز وجل ذكرها في مواضع كثيرة، وذكرها تعظيما لشأنها حتى يعتني بها المسلم. ولهذا كان تاركها كما مر معنا يعد كافرا بالله عز وجل، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وهكذا كذلك النحر أو الذبح مما ينبغي أن يعتني به المسلم ويكمل عبوديته لله فيه، ويبعده عن شوائب الشرك: الشرك الأكبر والشرك الأصغر، فيجعله لله عز وجل خالصا ليس فيه التفات لغير الله سبحانه وتعالى، لا بتعظيم ولا بتقرب ولا كذلك بغير ذلك مما قد يجعل هذه العبادة مصروفة لغير الله سبحانه وتعالى. وفي هذا كذلك فضل النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذ أنه عليه الصلاة والسلام قد قام بمقام العبودية على أكمل مراتبها ومنازلها. ولهذا ناداه الله عز وجل بهذا الوصف في مواضع كثيرة من مواضع التكريم والتشريف، كما قال في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، فناداه بوصف العبودية في هذا المقام الذي كرمه الله عز وجل فيه. وهكذا عند نزول القرآن وذكره نداه بنداء وبوصف العبودية، ومواضع أخرى كثيرة. وفي هذا رد على من تنقصه عليه الصلاة والسلام من المشركين؛ من أنه عليه الصلاة والسلام خير من قام بالعبودية لله عز وجل، ومن يقوم بها فلهذا أكرمه الله عز وجل بما أكرمه في الدنيا بالعطاء العظيم، وفي الآخرة كذلك بما يعطيه من العطاء العظيم، ومنه الكوثر. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، قالوا: «أبتر» أي سينقطع ذكره عليه الصلاة والسلام وينسى. فبين ربنا جل وعلا أن هذا كذب، وأن عدوك -شانئك- أي عدوك هو الأبتر. فهم وإن كان لهم أبناء لكنهم في الحقيقة لا ذكر لهم. وقد صدق ربنا جل وعلا ذلك لنبينا عليه الصلاة والسلام في حياته وبعد مماته عليه الصلاة والسلام. فأولئك المشركون إن قطع ذكرهم بموتهم، بل كان لهم أسوأ الذكر وأخزاه. وأما نبينا عليه الصلاة والسلام فقد رفع ذكره، قرن الله عز وجل اسمه باسمه جل وعلا حتى في أعظم كلمة: كلمة التوحيد، فإننا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك حتى ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام بعد وفاته عليه الصلاة والسلام من جهة الذرية، فأبقى الله عز وجل الذكر في ذريته من جهة ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأبنائها الحسن والحسين رضي الله عنهما. وها هم آل البيت إلى زماننا هذا، ونحن في أكثر من ألف وأربعمائة عام، وقد أبقى الله عز وجل نسبهم وذكر نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا لا يعرف في نسب أحد بمثله، ما هو واقع لنبينا عليه الصلاة والسلام وآله من بعده. وهذه آية من آيات الله ودليل من دلائل صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. فمع ما سبق من أن حقيقة الكرامة هي الكرامة بطاعة الله في الدنيا، وبنعيم الله وفضله في الآخرة، فكذلك جعل الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام مع الذكر الحسن وبقاء النسب على خلاف ما عليه أهل الشرك. وفي هذا ذكر وعظة لكل من له أعداء وهو على الحق أن يعرض عما يرميه به الأعداء من أهل الباطل من مشركين وكفار ومنافقين أو أهل بدع ومعاصي. أن الله عز وجل يتكفل له -إن هو استقام على طاعة الله عز وجل- إن هو استقام على طاعة الله عز وجل أن يكرمه بخير الدنيا والآخرة: الخير الديني من الإعانة على طاعة الله والذكر الحسن، وهكذا في الآخرة من عظيم ثوابه وفضله، والخير الدنيوي كذلك. كما يروى على الإمام الشافعي رحمه الله أنه كان يقول: «من أراد الآخرة فليطلب العلم، ومن أراد الدنيا فليطلب العلم». وهذه سنة الله عز وجل مع أهل الحق إن هم استقاموا على طاعته وقاموا بعبوديته، أكرمهم الله عز وجل في الدارين، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وبهذا القدر نكتفي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.