الدرس في فضائل شهر رمضان للعلامة ابن باز 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع فضائل شهر رمضان والصيام والقيام، ويشرح أهمية التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين. كما يبين أصل صلاة التراويح وتسميتها ومضاعفة الحسنات في هذا الشهر.
شهر رمضان له خصائص كثيرة منها أنه شهر القرآن والعتق والغفران، وتضاعف فيه الحسنات. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدارس جبريل القرآن فيه ويكثر من الصدقة والإحسان.
في شهر رمضان تكفر السيئات وترفع الدرجات للعاملين والعابدين، وترتفع درجة الناس في أعمالهم بسبب كثرة الأعمال الصالحة. كما يتفاوت الناس في الدرجات حسب إحسانهم وإتقانهم للطاعات.
رفع الدرجات في رمضان يعني ارتفاع إيمان العبد وتزكية نفسه وتطهير قلبه، فيرتقي سلم الإيمان درجة درجة. هذا المعنى هو أحد المعاني التي يكرم الله بها عباده في رمضان.
بسم الله الرحمن الرحيم، وحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في هذه الرسالة لشيخنا العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى في فضائل شهر رمضان، وقرأنا في أولها قوله رحمه الله تعالى: «إنكم في شهر عظيم مبارك، ألا وهو شهر رمضان، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن». ومر معنا أن هذا الشهر به من معاني البركة من جوانب كثيرة، وأن شهر رمضان شهر الصيام والقيام، فيما فيه من هذه الواجبات والطاعات. ففيه صيام رمضان الذي هو أحد أركان الإسلام، وتضاعف فيه الحسنات بما هو أكثر من سبعمائة ضعف، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». وهكذا كذلك ما في هذا الشهر من تخصيص القيام في جماعة، وكذلك القيام وما فيه من فضل. فإن هذا الشهر خص بالقيام جماعة دون سائر الأيام. أصل إشعار ذلك في فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصحابه، فقد صلى بهم ثلاث ليال، ثم ترك خشية أن تفرض عليهم، فكانوا يصلون في رمضان متفرقين. فجمعهم عمر رضي الله عنه ورضاه، فصاروا يصلون هذه الصلاة. فسميت صلاة التراويح لما كانوا يقرؤون فيها من الآيات الكثيرة، فكانوا يقرؤون بالمئين -يعني بمئات الآيات- فيتروحون بين كل صلاة وصلاة. فسميت صلاة التراويح. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». الحديث. وأصل هذا القيام كما سيأتي معنا إن شاء الله أنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أكده سنة عمر رضي الله عنه التي هي من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فقوله: «نعمة البدعة هذه» يعني البدعة اللغوية لا الشرعية. وهكذا كذلك وتلاوة القرآن، فهو شهر القرآن، فيه أنزل القرآن، كما تقدم معنا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وهو كذلك شهر كان يخصه النبي صلى الله عليه وسلم بمدارسة القرآن، كما في حديث ابن عباس في البخاري وغيره: «كان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، فلما كان رمضان الذي توفي فيه دارسه القرآن مرتين». وفيه دليل على زيادة تخصيص شهر رمضان بمدارسة القرآن، وفيه كذلك الاعتناء بتدبر القرآن ومعرفة ألفاظه وتفسيره، فإن هذا من مدارسة القرآن. ومما يخص به شهر رمضان شهر القرآن، وكذلك قيل: شهر العتق والغفران، أي أن الله عز وجل يعتق فيه ما لا يعتق في غيره. فقد ورد حديثه: «ولكن معناه صحيح»، فإن هذا الشهر فيه من الفضائل والمزايا والعطايا ما ليس في غيره. ولذلك فإن هذه المعاني تدخل في عمومات الأدلة في هذا الباب، وأبواب المغفرة في هذا الشهر كثيرة: من الصيام والقيام والصدقة، وبراءة القرآن، وغيرها من أبواب الخير والبر. لو لم يكن إلا ما جاء في صحيح مسلم، حديث أبي هريرة رضي الله عنه ورضاه: «رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر». وهكذا كذلك شهر الصدقات والإحسان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عباس في البخاري وغيره- «كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن». وهكذا كذلك هذا الشهر تضاعف فيه الحسنات كما تقدم، وجه المضاعفة من أوجه كثيرة. فمنها ما في الصيام، فإن الله أعظم وأخفى عظيم أجر الصيام في عظيم منزلته وأجره عنده سبحانه وتعالى. ولا نشك أنه أكثر من غيرها من الحسنات التي تبلغ إلى سبعمائة ضعف، فهي إلى أضعاف أكثر من ذلك بكثير، لما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم. وهكذا كذلك في غيره من الأحاديث الأخرى. وهكذا من المضاعفة أن فضل الزمان وفضل المكان يكون فيه معنى آخر من المضاعفة، وهي ما يحف بها من الأجر، كما مر معنا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «عمرة في رمضان كحجة معي». وهكذا كذلك في سائر أبواب الخير على الصحيح أنها في رمضان تضاعف بأنواع المضاعفات: إما العددية وإما المعنوية كما تقدم. ومعنى تكفر به العثرات -أي السيئات والخطيئات والسقطات التي تكون من الإنسان- سواء ما كان بعمل قبيح إذا تاب منها، أو كذلك يعينه ذلك على تكفيرها إذا كانت من الصغائر. وهكذا كذلك ترفع الدرجات، أي يرفع الله عز وجل درجة العاملين والعابدين في شهر رمضان إلى الدرجات العلية. وهذه الدرجات قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: درجة تكون بنفس العمل، فإن العمل يتفاوت الناس فيه، فرب صلاة واحدة الناس يتفاوتون فيها، فهذا في درجة سفلى وهذا في وسطى وهذا في عليا. والجميع يوفق إلى أعلى الدرجات بإحسان الطاعات وإتقانها بشهر رمضان، ما لم يكونوا عليه قبل رمضان. وهذا من فضل شهر رمضان. ولذلك تجدون أن الناس تقبل على المساجد وعلى الصلاة والقيام والطاعة وقراءة القرآن، وهي موجودة في غير شهر رمضان، لكنها في رمضان يكون الإقبال عليها أكثر. فترتفع درجة الناس في أعمالهم في رمضان ما لم تكن في غير رمضان. وهذا في حال الشخص نفسه. وكذلك الدرجات ترتفع بكثرة الأعمال الصالحة، وهذه مرتبة ثانية من رفع الدرجات. فلما تجتمع عند الإنسان أعمال صالحة كثيرة في وقت واحد ترتفع درجته، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل في يوم من أيام أبي بكر: «من أصبح اليوم منكم صائما؟ قال أبو بكر: أنا. من تصدق بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من عاد مريضا؟ قال: أنا» إلى آخر الحديث. فاجتمعت أعمال صالحة في يوم واحد، فصار لأبي بكر فضل ودرجة أفضل من غيره ممن لم يجمع هذه الأعمال الصالحة في يوم واحد. وهذا يوم من أيام أبي بكر. وهكذا يجتمع للناس في شهر رمضان من رفع الدرجات ما لا يجتمع لهم في غيره من الأشهر والأيام الأخرى. وهذا معنى آخر من معاني رفع الدرجات التي يكرم الله عز وجل بها عباده في هذا الشهر المبارك. وهكذا كذلك من معاني رفع الدرجات أن يرتفع إيمان العبد بهذه الطاعات، تزكو نفسه ويطهر قلبه ويتنقى إيمانه، فيرتقي سلم الإيمان درجة درجة حتى يخرج من رمضان وهو أفضل مما كان عليه قبل رمضان. وهذا معنى ثالث من معاني رفع الدرجات التي يكرم الله عز وجل بها عباده في هذا الشهر. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.