كتاب الصلاة 34

كتاب الصلاة 34

الدرس في كتاب الصلاة 34، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام صلاة السفر ووجوب قصرها

يتناول المقطع أحكام صلاة السفر وفقًا للشوكاني، حيث يشير إلى وجوب قصر الصلاة لمن خرج من بلده قاصدًا السفر. يستند إلى أدلة من الأحاديث النبوية والقرآن الكريم.

تحديد السفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة

يناقش المؤلف مسألة تحديد السفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة، مستدلاً بآية قرآنية وبأحاديث نبوية، ويخلص إلى أن السفر يحدد بالعرف وليس بمسافة محددة.

تطبيق أحكام القصر والجمع في مختلف السياقات

يشرح المقطع أن قصر الصلاة الرباعية في منى هو رخصة لجميع الحجاج، وليس خاص بأهل منى، واستدل بذلك بأن النبي لم يفرق بين أهل منى وغيرهم في هذا الشأن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «باب صلاة السفر»، قال: يجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر، إن كان دون بريد. وإذا أقام ببلد مترتبا قصر إلى عشرين يوما. وإذا عزم على إقامة أربع -أعني أربعة أيام- وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها. وله الجمع تقديما وتأخيرا، بأذان وإقامتين. هذه خمس مسائل تقريبا من مسائل صلاة السفر. وقوله: «باب صلاة السفر»، أي: هذا مدخل في معرفة أحكام صلاة السفر. وقد ذكر رحمه الله أهم الأحكام. من أهم هذه الأحكام ما ذكر رحمه الله أنه يجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر. وأدلة وجوب القصر أشار إلى بعضها بالشرح، رحمه الله تعالى، مثل ما جاء في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ضربت الصلاة ركعتين، ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر»، فدل ذلك على أن الزيادة في السفر مثل النقص في الحضر، كما لا يجوز النقص في الحضر، كذلك -على القول الصحيح- لا يجوز الزيادة في السفر. لا تجوز الزيادة في السفر. ويدل عليه كذلك ما جاء -كما مر معنا قريبا- في صحيح مسلم، حديث عبد الله بن عباس، أنه قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة»، فدل ذلك أن هذا الذي فرض، فلا يجوز الزيادة كما لا يجوز النقص، أو لا يجوز النقص كما لا يجوز الزيادة. وهكذا جاء لمعناه كذلك عن ابن عمر، أنه قال: «إنه خرج مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السفر، فلم يزد على ركعتين -يعني في صلاة الرباعية-». وهكذا ثبت ذلك عن عمر وعثمان. ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، والحديث في الصحيحين، فدل على أن الواجب الاتباع على ما كان من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك جاء عند ابن ماجه، بإسناد صحيح، عن عمر رضي الله عنه، أنه قال: «صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والفطر ركعتان، والأضحى ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وهذا الحديث الموقوف -الذي هو في الحقيقة مرفوع- يدل على أن صلاة السفر ركعتان، لا يجوز الزيادة عليها. وهنا تأتي مسألة يبتلى بها الكثير من طلبة العلم، إذا أجاروا بعض الناس وهم مسافرون، يلح عليهم بالصلاة أن يتقدم في صلاة الرباعية، فكيف يصنع؟ الواجب أن يعلمهم السنة، كما فعل عمر رضي الله عنه، صلى بقوم في مكة، وقال: «إنا قوم سفر، أتموا صلاتكم، نحن مسافرون». بعد أن يسلم من الركعتين، يعلمهم، يقوم يتم الصلاة. فإن كان لا يستطيع أن يفعل ذلك، إما لأنه في قوم يعادون السنة، فيهم عوام كثير، أو كذلك لا يثقون بمثل هذه الأحكام، وربما يتخذونها ذريعة وسببا للفتنة، فينبغي له أن لا يتقدم. فإن ألح عليه بالتقدم، ما يصنع؟ يصلي تطوعا، يؤخر صلاة الفريضة، يصلي بالناس تطوعا -أربع ركعات- يعني: يتطوع به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من تطوع لهذا، يصلي بهم أربع ركعات نافلة»، ثم يصلي لنفسه صلاة الفريضة -ركعتين- ويبحث له عن أحد يصلي معه. قال رحمه الله: «وإن كان دون بريد»، طيب «وإن كان دون بريد»، قال: «يجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر، وإن كان دون بريد». وقوله: «وإن كان دون بريد»، أي: أن السفر يسمى سفرا، بما كان بالعرف، بما كان بالعرف. وليس لمسافة السفر حد، على القول الصحيح. ليس لمسافة السفر حد. واستدل المؤلف رحمه الله في الشرح، بعموم الآية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، فقال: إن الآية فيها عموم الضرب، فإذا الضرب ينقسم إلى قسمين: الضرب في الأرض لقصد السفر، وهذا الذي تجوز فيه قصر الصلاة. فما سمي سفرا في عرف الناس، جاز قصر فيه. وما لم يسم سفرا، فإنه لا يجوز القصر، ولو بعد مسافة. هذا الراعي الذي يرعى الغنم، قد يمشي مسافات كثيرة، ولكنه يمشي هذه المسافات بغير نية السفر، يبحث عن الماء أو يبحث عن العشب، فمثل هذا المشي لا يعد سفرا. كذلك الصياد في البر أو في البحر، ربما يطارد الصيد من مكان إلى مكان، فيمشي المسافات البعيدة، وهو مع هذا ليس بمسافر. وغيره يقصد مكانا معينا، وهذا المكان المقصود في عرف الناس سفر، فإنه يسمى سفرا. فإذن لا حد، على القول الصحيح، لمعرفة السفر، بل السفر يرجع فيه إلى العرف. ومع ذلك، فإننا نستأنس بما ورد من الآثار والأحاديث التي فيها تسمية بعض المسافات سفرا، نستفيد منها. وقد أشار رحمه الله لبعض هذه الأحاديث، منها ما جاء في حديث أنس في صحيح مسلم، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ، صلى ركعتين». وهذا الحديث يدل على أن هذه المسافة كان بعضها في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وفي عرفهم يسمى سفرا. وهذه الرواية بالشك، وجاء خارج مسلم بالجزم: «ثلاثة أميال». وفي بعض الروايات بالجزم: «ثلاثة فراسخ». وسواء قلنا: ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال، فكلها -على أكبر التقديرين- نسميه سفرا. يعني مثلا قلنا: ثلاثة فراسخ، والثلاثة الفراسخ -كما ذكر العلماء- الفرسخ يساوي ثلاثة أميال. والميل بالقياس الحاضر يساوي تقريبا 1680 مترا، يعني قريب الكيلو والنصف تقريبا. قريب الكيلو والنصف وزيادة قليلا. فثلاثة فراسخ عبارة عن تسعة أميال. وهذه التسعة الأميال لو حسبناها بالكيلو، يساوي تقريبا 24 كيلو مترا. ثلاثة فراسخ، كل فرسخ بثلاثة أميال. وإذا حسبنا، قلنا مثلا: الفرسخ الواحد يساوي ثمانية كيلو، يصير ثمانية بثلاثة: بأربع وعشرين كيلو مترا تقريبا. وهذه مسافة ليست كبيرة، ومع ذلك أخبر أنس رضي الله عنه أنها سميت سفرا. وعلى هذا، تقدير بعض أهل العلم بثمانين كيلو مترا أو خمسة وثمانين كيلو مترا للسفر، هذا بالتقدير الغالب. وإلا يوجد في عرف الناس ما هو دون ذلك، ويسمى سفرا. واستدل الذين قالوا بذلك بحديث جاء عن عبد الله بن عباس، وأشار المؤلف إليه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أهل مكة، لا تقصروا في أقل من أربعة برد». وهذا الحديث في سنده ضعف، كما أشار المؤلف إليه رحمه الله. والأربعة برد تقريبا -ومع أن البريد فيه خلاف كم هو- إلى البريد أربعة فراسخ. غير أن البريد أربعة فراسخ، وقيل: أقل من ذلك. فعلى أقل تقدير، هي تقريبا ثمانون كيلو مترا. وعلى هذا استدل الجمهور، وما كان بمعناه، بأن السفر حده أربعة برد. وأفتى بعض المعاصرين بأنه ما يعادل ثمانين كيلو مترا. والصحيح أن السفر قد يكون في أقل من ذلك، ليس شرطه ثمانين كيلو مترا. بل حديث أنس الآن يدل على أنه في أقل. في حديث أنس: «ثلاثة فراسخ». والثلاثة الفراسخ، فالفراسخ أقل من البريد، لأن بعضهم قال: البريد عبارة عن أربعة فراسخ. البريد أربعة فراسخ، فإذن لو قدرنا على أكثر تقدير، هي أربعة وعشرون كيلو مترا. بل لو قلنا: ثلاثة أميال -على الرواية الأخرى بحديث أنس- سيكون كم؟ سيكون أقل من هذا. لكن لو حملناها على الأكثر، فإنها ستكون أربعة وعشرين كيلو مترا. طيب إذن، هل نقول: كل أربعة وعشرين كيلو مترا يكون سفرا؟ الجواب: لا. وإنما ما سمي في العرف سفرا، فإننا نسميه سفرا. وقد صح عن عدد من الصحابة والتابعين تسمية المسافة التي هي حول ما ذكر سفرا. فجاء عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه كان يسافر الساعة من النهار، فيقصر. يسافر الساعة من النهار، فيقصر. وثبت عن عبد الله بن عمر عند نافع بن شيبة، أنه قال: «تقصر الصلاة في ثلاثة أميال». يعني إذا سمي ذلك سفرا. ولأنه جاء كذلك عن عبد الله بن عمر، رواه مالك في الموطأ، بإسناد صحيح، أن نافعا كان يسافر من عبد الله بن عمر البريد، ولا يقصر الصلاة. يعني: عبد الله بن عمر. والبريد -قلنا- على أكثر تقدير: كم؟ أربعة فراسخ. أربعة فراسخ، يعني أكثر من أربعة وعشرين كيلو مترا. ومع ذلك ما كان يقصر الصلاة، عبد الله بن عمر. فكيف يكون الجمع بين هذه الآثار؟ الجواب: ليس بتناقض، بل كله صحيح عن عبد الله بن عمر. ولكن الجمع بين هذه الآثار، أن نقول: ما سمي في عرف الناس سفرا، فإنه تقصر فيه الصلاة، ولو كان أقل من أربعة فراسخ. وما لم يسم في عرف الناس سفرا، لكثرة دخول وخروج الناس إليه، فإنه لا تقصر الصلاة فيه، ولو كان أكثر من ثلاثة فراسخ، مثل أربعة فراسخ. هذا هو الذي به تجتمع هذه الآثار. وقد ذكر الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة، بحثا نافعا مفيدا، فيه بعض هذه الآثار. فليرجع إليه في المجلد الأول. فإذا خلصنا من هذا الفصل، أو هذه المسألة، أنه لا حد في الشرع لمسافة القصر، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف. فما سمي في عرف الناس سفرا، فإنه يسمى سفرا. طيب إذا اختلف العرف هنا، تأتي المسألة التي يقع فيها الإشكال كثيرا، إذا اختلف عرف الناس، فماذا نصنع؟ هل نسميه سفرا أو لا نسميه سفرا؟ نقول: إذا وافق هذا العرف شيئا من الأدلة الشرعية التي تسميه سفرا، فنسميه سفرا. يعني مثلا: قوم يقولون: هذا سفر. وقوم يقولون: لا، هذا ليس سفرا. فننظر في الأدلة التي مرت معنا، هل يوجد مسافة مثلها سميت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام سفرا؟ فإن وجد مثلها سمي سفرا، فإذا قول من قال: سفر، له حجة. وإن كان لم يوجد مثله في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يسمى سفرا، فإنه لا يسمى سفرا. وهذا هو الأحوط. يعني عند الاختلاف، الأحوط أنه لا يسمى سفرا، إلا إن دل العرف أنه سفر، فيكون سفرا. أو كذلك يعلم من الأدلة الشرعية أنه سمي سفرا. مثلا اليوم، بعض الناس يمشي من المكلا إلى الضالع، بل إلى الريدة، وليس هذا بسفر. بينما نجد بعض هؤلاء الناس من أهل تلك البلاد، يسمون هذا سفرا. وهنا الآن خلاف بين أهل البلد، ففي عرف بعضهم سفر، وفي عرف البعض الآخر ليس بسفر. فماذا نصنع؟ نرجع إلى العرف، نجد هذه المسافة -حتى على قول جمهور أهل العلم- هي تسمى سفرا. لماذا؟ لأنها أكثر من أربعة برد. أكثر من أربعة برد، فهي المسافة أكثر من مئة كيلو تقريبا. من المكلا إلى الريدة: كم تقريبا؟ من يعرف هذا الضبط؟ أكثر. لأن من المكلا إلى هنا في حدود سبعين، خمسة وسبعين. ومن هنا إلى الريدة يمكن في حدود ثمانين تقريبا، يعني أكثر من مئة. أكثر من مئة. ومع ذلك بعض الناس لا يسميها سفرا. فهنا نرجع إلى ما كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فما دام في زمن النبي عليه الصلاة والسلام مثل هذه المسافة تسمى سفرا، فإننا نسميها سفرا، ولو سماها بعض الناس ليست بسفر. إذن هذه القاعدة: الأصل أن ما سمي في العرف سفرا، فهو سفر، ولو كانت المسافة قصيرة. وإذا اختلف العرف، فنرجع إلى ما كان قد سمي سفرا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يسمى سفرا. ومن باب الفائدة، ذكر بعض أهل العلم أنه روي عن بعض السلف تسمية ما بين مكة ومنى سفرا. والكلام عليه سيأتي إن شاء الله. سمى بعضهم ذلك مسافة سفر، واستدلوا كذلك بفعل النبي عليه الصلاة والسلام حين أقر أهل مكة على القصر، وقالوا: إن هذا القصر قصر سفر. وفي هذه المسألة خلاف، هل هو قصر نسق لأجل الحج، أو هو قصر سفر؟ والصحيح أنه قصر نسق، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفرق بين أهل منى وأهل مكة. ولو كان لغير أهل منى التمام، لأمر بذلك عليه الصلاة والسلام. ولكنها رخصة جعلت للحجيج، فكل حاج يقصر الرباعية في وقتها مع الإمام. طيب نتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله درسا لاحقا. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.