المحاضرة بعنوان جددوا النشاط في أواخر أيام رمضان، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يحث الشيخ على اغتنام الأيام الأخيرة من رمضان بزيادة العبادة والتوبة مستشهداً بآيات وأحاديث تحث على المسارعة إلى مغفرة الله. كما يستعرض سير الأنبياء والصالحين في الجد والاجتهاد وخوفهم من عدم قبول أعمالهم.
يوضح كيف كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر بإحياء الليل وإيقاظ أهله والاعتكاف، داعياً المسلمين للاقتداء به. ويبين فضل ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ويحث على التماسها في ليالي الوتر مع الإكثار من الدعاء والقيام.
ينبه إلى خطورة قضاء نهار رمضان في الرياضة والجري مما يرهق البدن ويؤدي للنوم ليلاً فيفوت أجر إحياء الليل. ويختم بالدعاء بالتوفيق لاستغلال ليالي رمضان بالطاعات.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة، جدد النشاط في أواخر أيام رمضان، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إننا وإياكم في أواخر هذا الشهر الكريم، شهر الصيام والقيام، فقد مضى أكثره وبقي أقله، والواجب علينا عباد الله أن نغتنم فرصة هذا الشهر الكريم. فمن وفقه الله سبحانه وتعالى للصيام والقيام، من وفقه الله عز وجل للمسارعة والمنافسة، من وفقه الله تبارك وتعالى لاستغلال أيامه وقيام لياليه والجد والاجتهاد فيه، فعليه أن يحمد الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل هو الموفق وهو الهادي عز وجل. وهكذا على من كان كذلك أن يستمر في طاعته، وأن يزاد في اجتهاده، وأن ينيب إلى ربه سبحانه وتعالى، وليسأل ربه عز وجل القبول الذي هو ثمرة الأعمال. فقد أخبر الله عز وجل عن الأنبياء والصالحين أنهم كانوا يعملون الأعمال الصالحة ثم يخافون أن لا تتقبل منهم، كما قال عز وجل في إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وهم يبنيان البيت، وهم في طاعة وعبادة، وهم في قربة جليلة، وهم يبنيان البيت ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ومن كان مقصراً، ومن فرط وأهمل، فعليه أن يستيقظ من غفلته، وعليه أن ينيب إلى ربه، وعليه أن يصلح ما قصر فيه، فإن من لم يتب في هذه الليالي العظيمة وفي هذه الأيام الكريمة فمتى يتوب؟ وهكذا من لم يسارع فمتى يسارع؟ ومن لم يقبل فمتى يقبل؟ وقد هيأ الله سبحانه وتعالى الفرصة لعباده المؤمنين بفتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار وتصفيد الشياطين، فرصة عظيمة لجميع العباد أن يستغلوا فرصة هذا الشهر، وأن يقبلوا على الله، وأن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى. فليس بالمؤمن من عمره إلا ما قضاه في طاعة الله تبارك وتعالى، وما عدا ذلك فإنه يكون حسرة وندامة على العبد في الدنيا والآخرة. وربنا تبارك وتعالى قد دعانا في كتابه الكريم إلى الجد والتشمير، وإلى المسارعة والمسابقة إلى طاعته، وإلى الحرص على إصابة رحمته، كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. فبقدر المسابقة في الدنيا إلى طاعة الله يكون الفوز عند رب العالمين، كما قال عز وجل: ﴿السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. وهكذا إذا نظرنا عباد الله إلى صفوة الخلق وهم الأنبياء والملائكة، لوجدناهم مع أن الله سبحانه وتعالى قد غفر لهم، غفر للأنبياء، كانوا مسارعين إلى طاعة الله، كانوا مشمرين عن سواعد الجد. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. وقال الله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾. وهكذا يقول الله في شأن موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾. وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع أنه عبد قد غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكن مع ذلك كان يسارع إلى مرضاة ربه، ويستغل أوقاته، ويستفيد من عمره فيما يقربه إلى الله تبارك وتعالى. كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه من طول القيام، حتى تتورم قدماه من طول القيام، في رغاء حتى تزلع قدماه، أي حتى تتشقق قدماه من طول القيام. فيقال له في ذلك، فيقول: «أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟». نعم عباد الله، وهكذا أولياء الله الصالحين، بذلوا وقدموا وأنفقوا وعبدوا الله وسارعوا إلى مرضاته، ثم تجدهم بعد ذلك خائفين وجلين مشفقين من عذاب الله تبارك وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل في وصف هؤلاء: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. هكذا كان الأنبياء، وهكذا هو شأن الأولياء والصالحين، أنهم يسارعون إلى مرضاة الله، وأنهم يتنافسون في طاعة الله، تنافسهم كان في درجات الآخرة، حرصهم على الفوز إنما هو فوزهم في الآخرة، ملؤهم لأوقاتهم واستغلالهم لأعمالهم إنما كله في طاعة الله وفي مرضاة الله تبارك وتعالى. قال بعض السلف: «إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة». وقال بعضهم: «إذا رأيت الرجل ينافسك في دينك فنافسه، وإذا نافسك في دنياك فألقها في نحره». قال بعض السلف: «إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله عز وجل أحد فافعل». فلهذا هذه الآيات الكريمات حركت الهمم وشوقت القلوب إلى ربها سبحانه وتعالى وإلى جنته: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. تسابقوا وتسارعوا وتنافسوا في إصابة رحمة الله تبارك وتعالى، ملؤوا أوقاتهم في الليل والنهار، في السر والعلانية، بما يقربهم إلى الله عز وجل. سُئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة سؤالاً مفاجئاً: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟» فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: «من عاد منكم اليوم مريضاً؟» قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: «من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟» قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: «من تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعن في امرئ في يوم إلا دخل الجنة». انظروا إلى هذا الأمر الجليل، وإلى هذه القصة العجيبة، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً مفاجئاً عن هذه الطاعات، فإذا بها تجتمع في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. هذا يدلنا على أنه يستغل أوقاته، وعلى أنه يعرف ضعف نفسه، وعلى أنه يشعر بالتقصير في حق ربه تبارك وتعالى، فيشمر ويسارع ويرغب فيما عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه سباقاً إلى طاعة الله عز وجل، لا يكاد يسبق رضي الله عنه. دعا النبي صلى الله عليه وسلم مرة إلى الصدقة، فقال عمر وهو يعرف سباق أبي بكر: «اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته». قال: فأتيت بنصف مالي فوضعته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا عمر، هذا كثير، ماذا أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم نصف مالي. إذا كان قد رزق مائة ألف أتى بخمسين، وإذا كان قد رزق بعشرة أتى بخمسة، وإذا رزق بعشرة من الدراهم أتى بخمسة منها. فما هي إلا لحظات وإذا بأبي بكر رضي الله عنه يأتي بجميع ماله، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قال عمر: «ما أسابقك إلى خير أبداً». اعترف عمر وعرف من قلبه أنه لا يستطيع أن يسابق أبا بكر في طاعة الله والمسابقة إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. هكذا عباد الله كانت قلوبهم حية، وكانوا حريصين على إصابة رحمة الله، وكانوا حريصين على الفوز فيما عند الله سبحانه وتعالى. اجتمع الأنصار بعضهم إلى بعض فقالوا: «إلى متى ننزع من هذه الآبار؟ فلوا أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا الله عز وجل لنا أن يفجر لنا من هذه الجبال عيوناً نشرب منها ونستقي». فجاءوا بجماعتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم قال: «مرحباً وأهلاً، ما جاء بكم إلينا اليوم إلا حاجة، فاسألوا ما شئتم، فإنكم لن تسألوني اليوم شيئاً إلا أوتيتموه، ولن أسأل الله شيئاً إلا أعطاني إياه». فنظر بعضهم إلى بعض، فرصة لا تعوض: «إنكم لن تسألوني شيئاً إلا أوتيتموه، ولن أسأل الله شيئاً إلا أعطاني إياه». فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: «الدنيا تريدون؟ اسألوا لكم الآخرة». فقالوا: «يا رسول الله، ادع الله أن يغفر لنا». فقال: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار». هكذا عباد الله، وهكذا في مسند الإمام أحمد من حديث أبي أمامة قال: «أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مرة سرية، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة. قال: اللهم سلمهم وغنمهم. قال: فسلمنا وغنمنا. ثم أنشأ سرية أخرى، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة. فقال: اللهم سلمهم وغنمهم. قال: فسلمنا وغنمنا. قال: ثم أنشأ سرية ثالثة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، قد أتيتك مرتين، فادع الله لي بالشهادة. فقال: اللهم سلمهم وغنمهم. قال: فسلمنا وغنمنا. ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقلت: يا رسول الله، مرني بعمل أدخلني الجنة. قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له». قال الراوي: «فما رؤي أبو أمامة ولا زوجه ولا خادمه إلا صياماً، حتى كان إذا تصاعد دخان من بيتهم قالوا: لعله اعتراه ضعف أو نزل به ضيف». قال: «ثم أتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت: يا رسول الله، دللتني على الصوم وأرجو أن يكون الله قد بارك لي فيه، فمرني بعمل. قال: عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة». هكذا عباد الله كانت تنافسهم، وهكذا كانت رغبتهم، وهكذا كانت أمنيتهم. فعلى العبد المسلم أن يكون كذلك، أن يقتدي بأولئك الأسلاف، وأن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسارعة إلى مرضاة الله عز وجل، وفي الحرص على السلامة من الدنيا وشهواتها وفتنها وأشرارها وأضرارها، وليس هناك عاصم إلا من عصمه الله تبارك وتعالى بطاعته والإقبال عليه عز وجل، والمسارعة إلى الخير، والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله تبارك وتعالى. نحن قادمون بإذن الله تبارك وتعالى على أيام فاضلة، وعلى ليالي مباركة، هي أفضل ليالي السنة، ليالي العشر من رمضان، التي خصها الله عز وجل بالمزايا والفضائل والخيرات والحسنات، والتي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها. ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر». وفي مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيرها». انظروا عباد الله كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قدوتنا وهو أسوتنا، كيف كان يسارع إلى مرضاة الله ويضاعف من العمل الصالح في أيام العشر الأواخر من رمضان. كان إذا دخل العشر أحيا ليله، يعني لم ينم عليه الصلاة والسلام، بل أحيا ليله بالعبادة والطاعة، بالصلاة والتلاوة، بالمناجاة والدعاء، بالتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. أحيا ليله وأيقظ أهله، أيضاً يحثهم على طاعة الله ويرغبهم فيما عند الله ويشجعهم على الجد والاجتهاد في مرضاة الله سبحانه وتعالى. هذه الخصلة التي تكاد تكون مفقودة عند كثير مننا عباد الله، أن نشجع الأهل، وأن نشجع الأولاد في اغتنام هذه الليالي والمواسم العظيمة والجليلة، فإنها ليالي من فاز فيها فاز طيلة عمره، ومن خسر فيها فإنه من المحرومين، ومن المخذولين، ومن المقصرين. وأيقظ أهله، شجعهم على الطاعة، بخلاف الذين يسهرون في هذه الليالي على المسلسلات، وعلى اللعب، وعلى اللهو، وعلى القيل والقال، والغيبة والنميمة. ما أكثر الذين اتخذوا حياتهم لهواً ولعباً، وتفلتاً وتمرداً على أوامر الله سبحانه وتعالى! كثيرة هي الأسر الذين يغفلون عن فضيلة هذه الليالي العشر، لعب ولهو، ثم نوم إلى قبيل المغرب في هذه العشر الأخيرة. أما هدي نبينا صلى الله عليه وسلم: أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر. ضاعف العبادة، وضاعف العمل، وشد المئزر كناية عن اعتزال الأهل وترك الجماع، لأن من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يعتكف في هذه العشر الأخيرة من رمضان، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده». هكذا كان هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعليك أن تحرص على أن تفعل بمثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنك تحرص على الاقتداء بنبيك بما يسره الله عز وجل. كان يعتكف في هذه العشر تفرغاً لطاعة الله وإقبالاً على مناجاة الله. هذه الخلوة الشرعية، الخلوة في المساجد، يأتي الجماع والجماعات، لا خلوة البطالين والصوفية وأمثالهم. بل هذه الخلوة الشرعية: أن تكثر الطعام والشراب، وتكثر أنواع الكلام، وتكثر الفراش والجماع، وتكثر المخالطة للناس، هذه مما تبعث القلب في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى. فشرع للمسلم أن يقتطع جزءاً من وقته من السنة في الخلوة مع الله، يتوب ويناجي ويحاسب نفسه، ويصلح من عمله، ويحسن من أخلاقه، ويلين من قلبه، وأيضاً يراجع أموره. هذه خلوة شرعية كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعلها في هذا العشر الأواخر من رمضان: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وهكذا عباد الله، في هذه الليالي العشر، ليلة هي خير من ألف شهر، الطاعة فيها والعبادة فيها أفضل من العبادة في ألف شهر، ما يكون زائداً على أربعة وثمانين سنة. انظروا إلى هذا الفضل العميم، وإلى هذا الخير الجزيل. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، عظيم خيرها، وكثيرة حسناتها، وجزيل ثوابها. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، يقتطع مما في اللوح المحفوظ من القضاء والقدر، والآجال والأرزاق، والأعمار والأعمال، وغير ذلك. ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. ويقول الله سبحانه وتعالى في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، في ليلة رفيع قدرها وعظيم خيرها، أو في ليلة القدر لأنه محل التقدير والقضاء من الله سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، والله إنها لفرصة عظيمة، التعبد فيها خير وأفضل وأعظم أجراً وثواباً من التعبد لله سبحانه وتعالى في ألف شهر، في ألف شهر. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، حدث عظيم وليلة مباركة وليلة جليلة، الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، تتنزل، تنزل الملائكة والروح وهو جبريل، خصه الله سبحانه وتعالى لفضله وشرفه. ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، سلام للمؤمنين والعابدين والقانتين من كل مخوف في الدنيا والآخرة، إذا استغلوا هذه الليلة. لكن عباد الله، استغلال هذه الليلة لا يكون باقتناص الفرصة أو بالتفكير والتدبير، أنه ينظر متى تكون، هل في ليلة إحدى وعشرين، أو في ليلة ثلاث وعشرين، بل هذه الليلة تنتقل، هي في العشر الأواخر من رمضان، وأرجى لياليها ليالي الوتر: ليلة الحادي والعشرين، ليلة الثالث والعشرين، ليلة الخامس والعشرين، ليلة السابع والعشرين، ليلة التاسع والعشرين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التمسوها في العشر، والتمسوها في كل وتر». فأنت إذا أردت أن يوفقك الله سبحانه وتعالى لإحياء هذه الليلة، فاحرص على قيام جميع ليالي العشر، واسأل ربك سبحانه وتعالى العون. أنت ضعيف إذا لم يعنك الله عز وجل، وأنت محروم إذا لم يسددك الله سبحانه وتعالى. استعن بالله، واسأل الله، وكن على عزيمة صادقة على قيام هذه الليلة العظيمة، وهذه الليالي الفاضلة. فهذا يحتاج إلى معونة للعبد لنفسه في نهار رمضان، لأنه يشغل نفسه بالرياضة واللعب والجري والركض، فإذا جاءت الليالي فإنه يبيت فيها نائماً مرهقاً بسبب إشغال نفسه بأنواع من الأمور لا تعود عليه بالنفع بالنسبة لإحياء هذه الليلة. فأسأل الله تبارك وتعالى الجميع التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.