الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 36، الدرس السادس والثلاثون : فيه من قوله ( قال أبو عبيد حدثنا معاذ عن ابن عون ... والله سبحانه وتعالى أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبين الشيخ ابن عثيمين تحذير السلف من التفسير بغير علم، ويُشير إلى أهمية التورع في الكلام بالتفسير. يُفصل في أن السلف كانوا يحترسون من الكلام بما لا يعلمون.
يناقش أهمية اللغة العربية في فهم القرآن ويقسم التفسير إلى أربعة أقسام. يُبين أن فهم القرآن يعتمد على معرفة اللغة العربية ودقائقها.
يفرق بين المعاني المفهومة للآيات والحقائق والكيفية التي قد تكون مجهولة للإنسان. يُحذر من خطأ أهل البدع في استغلال عدم فهم بعض الآيات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقال أبو عبيد، حدثنا معاذ عن ابن عون عن عبيد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه. عندكم عبيد الله وعبد الله، عبيد الله كلكم، لا عن ابن عون، لكن ظهر صوابه عبد الله، وهو مجهول. عن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه مسلم بن يسار قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده. وهذا الأثر وإن كان في إسناده ضعف، يستوي بجهالة عبد الله كما ذكر البخاري رحمه الله، وأشار إلى ذلك بتاريخه، إلا أنه يستند إلى ما صح من آثار، فيكون معناه صحيحا. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الباب كغيره من أهل العلم يذكرون بعض الآثار ويتساهلون في بعض الضعف الذي فيها؛ لأجل ماذا؟ لأجل أن هذه الآثار يسندها شيء من الآثار الأخرى التي يصححها، وبعضها لها طرق. وتعرفون طرق الآثار أوسع، ولكن مضانها أبعد. مثل أثر ابن بكر الذي مر معنا، فإنه وإن كان ظاهر الأسانيد التي ذكرت عندنا فيها انقطاع، إلا أنه قد ورد صحيحا بأسانيد أخرى. وهو حتى لو كانت بأسانيد منقطعة، الصحيح أنها ترتقي -إن شاء الله- إلى الحسن. قال رحمه الله تعالى: ومعنى هذا الأثر إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده، أي أنك انتبه وخذ بالورع، ولا تتكلم إلا بعلم، ولا تتكلم بالشكل. وهذا كله مما ينبغي أن يحرص عليه في العلم عموما، وفي النقل عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا هشيم عن مغيرة -يعني هذا تبع كذلك في كلام أبي عبيد- أنه قال: حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وهذا الإسناد بهذا، أو هذا الأثر بهذا الإسناد فيه ضعف، فهو شيء ممن تضر عنعنته، وهذه عنعنات متتابعة، فهو محمول على الانقطاع، علامة الانقطاع موجودة. ولكن كما قلنا، هذا الأثر كغيره من الآثار التي يشد بعضها بعضا، وتذكر للاستئناس بمعناها، وربما تكون لها أصولا كذلك. ومعنى هذا الأثر أن التابعين وأتباع التابعين كانوا يجتنبون التفسير ويهابونه لشيئين: أولا، خوفا وتورعا من أن يقولوا شيئا لم يأذن به الله، وأن يقولوا شيئا كذلك مما ليس لهم به علم. والله يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فكانوا يهابون القول على الله بغير علم. وكل الآثار التي مرت تدل على هذا المعنى. زيادة على ذلك أنهم لا يمتنعون عن الكلام في العلم مع وجود أو مع عدم وجود من يتكلم فيه؛ لأن هذا مما لا يحل كما سبق، لكنهم كانوا يهابون ويتقون أولا خوفا وتورعا، وثانيا لوجود من يخففون عنهم هذا الباب فيشيرون إلى من هو أعلم. قال: وقال شعبة عن عبد الله بن السائب قال: قال الشعبي: «والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله». وهذا الأثر صحيح، لكنه أورده رحمه الله تأكيدا لما سبق من معنى، يعني كأنه يقول: لا تفهم أنهم كانوا يتقون التفسير ويهابونه لأنهم لا علم لهم به، لا، كان عندهم علم، ولكنهم كانوا يتورعون ويخافون. وكان عندهم علم، لكنهم كانوا يسكتون ولا يتكلمون لوجود من هو أعلم منهم، فيكتفون بكلام الأعلم. وهذا هو قول: «والله ما من آية إلا وقد سألت عنها»، يعني عندي فيها علم وخبر، وإنما العلم بالرواية، العلم بالآثار بالرواية، ليس العلم بالكلام. قال: «ولكنها الرواية عن الله»، يعني هذا باب عظيم. قال: وقال أبو عبيد: حدثنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروح قال: «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله». وهذا بمعنى الذي سبقه، وهو صحيح كذلك. قال: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها -وقوله: «الصحيحة» إما أنها صحيحة لذاتها وتشمل الحسن والصحيح، وإما أنها صحيحة بما يعاضدها، بما يصححها من الآثار الأخرى- وتعرفون أن الشيء يصح بغضه، ويصح بمعناه، وهذا ما يسمى بالمتابعات والشواهد. قال: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام بالتفسير بما لا علم لهم به. فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، كما مر معنا كلام الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى، وكلام غيره من أهل العلم بهذا المعنى كثير. فالمقصود أن الإنسان لا يتكلم بغير علم، ولا يتكلم كذلك بما هو ليس بمستيقن منه، مثل ما مر معنا بما أشار وألمح إليه القضاة ثلاثة، ومن هؤلاء الثلاثة رجل قضى بالحق، لكنه قضى به بغير علم، وهو مع ذلك في النار. رمية ما يقال من غير رامي، ولأجل ذلك يعاقب ويؤدب عليها. قال: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، هذا واحد. فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه. وهكذا كذلك يلحق به من تكلم بشيء بغير يقين؛ لأنه لا يجوز الرواية في ديننا إلا باليقين. ودليله ما جاء في صحيح مسلم: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». وفي رواية: «فهو أحد الكاذبين» بالتثنية، على أن هناك كذبا من يكذب عملا، والثاني من ينقل هذا الكذب وهو شاك بأن ذلك صح أو لم يصح، ومع ذلك يرويه. فإذا لا تتكلم إلا بما تستيقن، وبهذا يتبين أن الإنسان يتورع في هذا الباب ولا يستعجل. وهكذا كذلك إذا وجد من يكفيه فإنه يكفي بمن يكفيه، كما جاءت هذه الآثار السابقة: أثر الشعبي، وقبله سعيد بن المسيب رحمه الله، وغيرهم من أئمة التابعين وأتباع التابعين. قال رحمه الله تعالى: ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال بالتفسير ولا منافاة. يعني رواية أقوال، كيف هم يقولون هذا الكلام ثم تروى عنهم أقوال؟ فالشعبي رحمه الله روي عنه أقوالا بالتفسير، وقد مر معنا قريبا في درس التفسير شيء من كلام الشعبي رحمه الله بالتفسير، مما نقل عن ابن كثير رحمه الله عن ابن جرير وعن السدي وعن جماعة. قال رحمه الله تعالى: ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال بالتفسير ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه. لا منافاة بين الآثار المذكورة هنا وبين كلامهم بالتفسير. لا نقول: هؤلاء لا يعملون بعلمهم أو يقولون ما لا يفعلون، لا والله، هم ممن يصدق قولهم وعملهم، ولكن إنما في الأمر تفصيل. وأصل ذلك ما سبق من الكلام بغير علم، أو الكلام بالشيء المشكوك فيه، أو الجرأة وعدم التورع في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، وكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه. فهنا أمران، والناس فيه طرفان. وسط قوم يخطئون لأن يحجموا عن العلم الذي أمر بتبليغه، وهذا خطأ؛ لأن به يضيع الدين. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بلغ عني ولو آية». وهكذا ذكر هذين الدليلين. قال: فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنُنَهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، يعني لا يجوز كتمان العلم. قالوا: لما جاء بالحديث المروي من طرق: «من سئل عن علم فكتمه، جمي يوم القيامة برجام من نار». والحديث عند أهل السنن الأربعة، رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة بإسناد صحيح أو حسن، وذكره الشيخ العلامة الألباني رحمه الله بعدد من كتبه، ومنها «صحيح الجامع»، فهو حديث صحيح. ومعنى ظاهر أنه لا يجوز أن يكتم الإنسان شيئا من العلم، لا يكتم شيئا من العلم. وكذلك الطرف الآخر الذي يتجرأ فيتكلم في دين الله عز وجل بغير علم، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. وهكذا من كذب علي -ولم يذكر متعمدا ببعض الروايات- «فليتبوأ مقعده من النار». قال: وقال ابن جريج: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس -وأبو الزناد لم يسمع من ابن عباس-: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعبر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله». والله سبحانه وتعالى أعلم. وهذا الأثر وإن كان هذا الإسناد فيه لا يصح، إلا أنه أثر مشهور. وكما قلنا أن مثل هذه الآثار يشهد لها آثار أخرى، فهي تصح بمجموع طرقها، ويدل عليها عمومات من الكتاب ومن السنة. وهكذا ربما لها أسانيت أخرى لا يتيسر المقام للوقوف عليها والبحث عنها، فهي تصح بمجموع طرقها. وهذا الأثر أورده رحمه الله وختم به هذا الفصل ليبين رحمه الله أنه ليس من التفسير بالرأي أو ليس كذلك من النهي عن التقول على الله أن يفسر الإنسان القرآن بما علم من العلم. ومن ذلك أن من تفسير القرآن تفسير تعرفه العرب من كلامها، فاللغة العربية توضح معاني القرآن. وقد مر معنا أن بعض الصحابة كان يسأل بعض العرب، وبعض الأعراب عن بعض الألفاظ التي هي في القرآن وما كان يعرفونها؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، بلسان عربي مبين. وهكذا فهم ذلك من تبعهم من الأئمة من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين من بعدهم. فنقل عن الشعبي رحمه الله أنه يقول: «أهل العربية جن الأنس، يعرفون ما لا يعرف الناس». لماذا؟ لأن عندهم دقائق معرفة الألفاظ ومعانيها وصيغ استخدامها ما لا يعرفه غيرهم. وهكذا تفسير القرآن: «وجه تعرف العرب من كلامها، وتفسير لا يعبر أحد جهالته»، يعني معلوم من الدين بالضرورة بلوغه، يكون به ظهور الحجة فيه، مثل: «أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ولا تقربوا الزنا» ونحو ذلك مما لا يخفى على مسلم عرف اللسان العربي. ولو لم يعرف دقائق العربية الآن، لو عندنا رجل عامي سمع هذه الآية، هل خفي عليه معناها؟ ما يخفى عليه معناها، يعرف «أقيموا الصلاة» أن الله فرض عليه الصلاة، «ولا تقربوا الزنا» أن الله حرم عليه الزنا، فلا يقول مسلم بعد ذلك أن الزنا حلال إلا وهو كافر بالله، كفرا بالله. لماذا؟ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. أو كذلك جحد فرضية الصلاة، كيف ينكر ويجحد؟ وهل يجوز له أن يقول: أنا ما فهمت ولا فقهت ولا عرفت، وهو قد بلغه القرآن؟ الجواب: لا. وكذلك التوحيد بالجملة، وكذلك التحذير من الشرك، ما أحد يستطيع أن يقول: صرف العبادة لغير الله هذا جائز. فهو قد سمع قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وسمع قول الله جل وعلا كذلك آمرا عباده أن يخلصوا له الدين: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾. قال رحمه الله: «وتفسير يعلمه العلماء»، فمثلا هذه المسألة بعينها، دقائق مسائل التوحيد ودقائق مسائل الشرك، قد ما يعرفها بعض العامة، قد ما يعرف بعض العامة بعض تلك الدقائق، ما حكمها؟ وهل هي تجوز أو لا تجوز؟ فهنا يحتاجون إلى كلام أهل العلم، فأهل العلم يفسرون لهم ويبينون لهم ما يجوز وما لا يجوز. فمثلا ما حكم تعليق التميمة من القرآن؟ الصحيح أنه لا يجوز، من يعرف هذا؟، يعرف العلماء. وهكذا كذلك تفسير بعض الآيات يعرف وجهها ومعناها العلماء، ربما لا يعلم غيرهم. وهذا هو أحد تفسير آية آل عمران في وجهي الوقف في قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، قراءة سبعية صحيحة الوقف فيها على قوله سبحانه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. والراسخون في العلم ممن يعلم التفسير، ولا يعلمه كل الناس. وهذا نوع من التفسير. قال: «وتفسير لا يعلمه إلا الله»، وهو معنى الكيفية والحقيقة، كيفية الأشياء لا يعلمها إلا الله؛ لأن هذا من علم الغيب. والله عز وجل يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾، والله عز وجل يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. فهذا من الغيب معرفة الكيفية. وهذا معرفة الحقائق، حقائق الأشياء وما تأول إليه، ما يعلم إلا الله، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، على قراءة سبعية أخرى الوقت فيها على لفظ الجلالة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم «والراسخون في العلم يقولون آمنا به»، فالحاصل أن كلام ابن عباس هذا يفيد أن التفسير على أربعة أوجه: وجه يعرفه من عرف العربية، ووجه يعرفه كل الناس، العامي وغير العامي، ووجه يعرفه العلماء دون غيرهم، ووجه لا يعلمه إلا الله، وهو الحقائق. وليس بهذا أبدا شيء من التفويض؛ لأن نقول: أن في القرآن ما لا يعرف معناه، لا نعرف المعنى، لكن لا نعرف الكيفية والحقيقة. وفرق بين المسألتين، انتبه، لا يدخل عليك أهل البدع والأهواء بمثل هذا المعنى، فيجعلون أن في القرآن ما لا يعرف معناه، لا، كل ما في القرآن معلوم المعنى، لكن بعضه غير معروف الحقيقة والكيفية؛ لأن هذا مما استأثر الله بعلمه، فهو من الغيب. قال رحمه الله: والله سبحانه وتعالى أعلم، وبهذا نختتم. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.