الدرس في شرح أصول السنة 9، الدرس التاسع: (والقرآن كلام الله وليس بمخلوق ... وإياك ومناظرة من أحدث فيه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الدرس مسألة خلق القرآن وأدلتها من الكتاب والسنة، حيث يبين أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق. يستدل على ذلك بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية.
يشرح الدرس أدلة من القرآن والسنة أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية واستدلالات العلماء مثل الإمام أحمد. يبين أهمية الثبات على الحق.
يناقش الدرس اعتقاد أهل السنة والجماعة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويبين بطلان القول بخلقه واستلزام ذلك لتعطيل الأمر والنهي. يحذر من مناظرة المتكلمين الذين أحدثوا أقوالا باطلة.
يتم ختام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق. يوجه الشكر في النهاية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: «قال: والقرآن كلام الله وليس بمخلوق، ولا يضعف أن يقول: ليس بمخلوق. قال: فإن كلام الله ليس ببائن منه، وليس منه شيء مخلوق. وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه، فقال: لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله، فهذا صاحب بدعة مثل من قال: هو مخلوق، وإنما هو كلام الله ليس بمخلوق». هذه الفقرة وهذا الأصل كما مر معنا من أصول أهل السنة، وذكرها الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، كذلك؛ لأن من أوائل المسائل التي ضل بها أهل البدع، فإن القرآن كلام الله كما مر معنا، ودليله من الكتاب: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ومن السنة حديث: «فإن قومًا منعوا أن أبلغ كلام ربي». نعم، حديث من؟ حديث جابر بن عبد الله، رواه ابن ماجة وغيره، وإسناده حسن. وقوله، رحمه الله: كما قلنا، ذكر مسألة الكلام على القرآن وأنه كلام الله؛ لأنه من أوائل البدع، ومما كذلك احتيج إلى التنصيص عليه للابتلاء به. وأول من قال: إن القرآن مخلوق هو الجعد بن درهم، وبعده الجهم بن صفوان، ثم تتابعت مقولات أهل الأهواء بما هو بمعنى قول الجهمية، أقوال كثيرة كلها ترجع إلى معنى نفي صفة الكلام لله سبحانه وتعالى. وقوله، رحمه الله: «ليس بمخلوق»؛ لأن أدلة الكتاب والسنة دلت على هذا المعنى، وهكذا كذلك يستلزم ذلك تعطيل الرب سبحانه وتعالى عن صفته التي وصف بها نفسه، ووصفها بها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمسألة الكلام هي مسألتان: المسألة الأولى: كون أن الله سبحانه وتعالى يتكلم كلامًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته، فهو يتكلم، فكلم الأنبياء والرسل من قبل، يعني ممن أخبر أنه كلمهم، كموسى عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. وهكذا كذلك كلم الملائكة، وكلم جبريل، وكلم من كلم من خلقه سبحانه وتعالى، بل يتكلم بالأمر من أمره الكوني وأمره الشرعي، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: «كن فيكون». وهكذا أدلة إثبات الكلام لله جل وعلا كثيرة. وهكذا كذلك تكلم بالقرآن، فالقرآن من كلام الله سبحانه وتعالى، وكل كلام الله هو صفة لله سبحانه وتعالى، وصفة الخالق ليست بمخلوقة، والقرآن من كلام الله الذي هو صفة لله سبحانه وتعالى، ولهذا فهو كذلك ليس بمخلوق. واستدل له بأنه ليس بمخلوق كالثوري والإمام أحمد وجماعة، بقول الله جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ففرق ربنا جل وعلا بين الخلق والأمر، فإن الأصل في العطف أنه يفيد المغايرة. ففرق بين الخلق والأمر، ومن الأمر الشرعي، فالأمر أمران: أمره الكوني الذي إذا أراد شيئًا قال له: «كن فيكون»، وأمره الشرعي الذي منه هذا القرآن، الذي منه هذا القرآن، وكله كلام الله سبحانه وتعالى ليس بمخلوق. واستدل له الإمام أحمد، رحمه الله، في مناظرته للمعتزلة بالأحاديث الواردة بالتعوذ بكلمات الله، مثل حديث عبد الله بن عباس: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة»، وحديث ابن عمير الذي رواه الإمام مسلم في دعاء نزول المنزل: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». وهكذا كذلك نحو حديث أبي هريرة في ذكر الصباح والمساء، فإنه يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لا يضره شيء حتى يصبح». ونحوها من الأحاديث الكثيرة التي بهذا المعنى؛ لماذا؟ لأن التعوذ بكلمات الله تعوذ بالله بصفة من صفات الله؛ لأنه لا يجوز التعوذ بمخلوق. ولهذا كان الإمام أحمد، رحمه الله، يلزمهم فيقول: «أيجوز التعوذ بمخلوق؟» فدل على أن كلام الله ليس بمخلوق؛ لأنه لا يستعاذ بمخلوق، إنما يستعاذ بالله سبحانه وتعالى وحده. فالقرآن كلام الله وصفته، وهو ليس بمخلوق، بدليل القرآن والسنة. وقوله: «ولا يضعف أن يقول: ليس بمخلوق»، يعني: ينبغي أن يثبت على الحق، وأن يقول: إنه كلام الله ليس بمخلوق. وفيه أن الباطل إذا استدل أهله بالعام والمجمل، فلا يكفي أن تستدل أنت بالعام والمجمل، وأنت تعرف أنهم ربما يحرفوه، فلابد أن تصرح برد الباطل. فإن قالوا: مخلوق، وأنت أعلمت من أدلة الكتاب والسنة أنه ليس بمخلوق، فأنت تقول: ليس بمخلوق ترد الباطل. وهذا على المعنى الذي سبق في مناظرة أهل الباطل عند الاحتياج إلى ذلك، ورد باطلهم عند الحاجة إلى ذلك، وجاهدهم به جهادًا كبيرًا. وهكذا إشارة منه إلى طائفة أخرى ضعفت، لكن ليس بإكراه أو شيء، وإنما بشك وقلة علم وكثرة شبه، ضعفوا أن يقولوا: ليس بمخلوق، وهم الذين سيأتي ذكرهم، الذين سلكوا مسلك الورع جهلًا. وقوله: «فإن كلام الله ليس ببائن منه»، يعني: ليس بمنفصل، بل كلام الله صفته، وما كان صفة لله سبحانه وتعالى فهو ليس بمخلوق. وهذا دليل عقلي، والأول إشارة إلى الدليل النقلي الذي علمنا ما أخذه. وقد ذكره الإمام أحمد، رحمه الله، في مواضع، وألزم به من ناظره من المعتزلة. فإن القول بأن القرآن مخلوق يلزم منه أنه من مخلوقات الله المنفصلة عن الله سبحانه وتعالى، ويلزم على ذلك لوازم باطلة، أول هذه اللوازم: تعطيل الأمر والنهي؛ فإن الأمر والنهي يتعطل إذا صار الكلام خرج مخرج الخلق. تعطل الأمر والنهي؛ لأنه ليس له معنى. وهذا الذي كان عليه من أخذ بلازم هذا القول من الأشاعرة وغيرهم. ومثل ذلك: لو أن خطاطًا خط كتابة، فقال: «اذهب وأحضر لي الكتاب»، خطه بخط جميل وعلقه في الجدار، هل تستفيد منه أمرًا؟ ما تستفيد منه أمرًا؛ لأنه أخرجه مخرج الصنعة لا مخرج الكلام والأمر. بخلاف لو كتب لك كتاب رسالة إليك، أرسلها إليك، فإنك تستفيد من هذا أمرًا. وهكذا ولله المثل الأعلى، فإن الله جل وعلا تكلم بالقرآن ليمتثل أمره ويستجاب لنهيه، وهذا لا يكون إلا بالكلام الذي هو صفته. والقول بأنه مخلوق تعطيل لهذا المعنى. وقوله: «وليس منه شيء مخلوق»، يعني: ليس في القرآن شيء واحد مخلوق، لا ألف ولا باء ولا تاء ولا ياء، ولا أي حرف منهم مخلوق، بل كله كلام الله سبحانه وتعالى من أوله إلى آخره، كله كلام الله سبحانه وتعالى، كما دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة. وقوله: «وإياك ومناظرة من أحدث فيه»، إشارة منه، رحمه الله، إلى أقوال المتكلمين في القرآن، وهم كثر، وبعد الإمام أحمد، رحمه الله، كثرت مقولات المتكلمين في القرآن حتى أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال، كلها أقوال باطلة ليست هي التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة. وأما قول أهل السنة والجماعة الذي دل عليه دليل الكتاب والسنة: أنه كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ وإليه يعود، كله كلام الله، القرآن من أوله إلى آخره كلام الله. وقوله، رحمه الله: «من أحدث فيه»، إشارة كذلك إلى تفاصيل ذكرها بعض أهل زمانه، رحمه الله، هي من البدع في مسألة القرآن. ومن هذه: «قال: ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه، فقال: لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله» إلى آخر كلامه، يعني: أن هذا ليس على طريقة أهل السنة. نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت، نكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم. شكرًا.