شرح العقيدة الواسطية للهراس 5

شرح العقيدة الواسطية للهراس 5

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 5، الدرس الخامس : (والرحمن الرحيم اسمان كريمان من أسمائة ... ورود الأسم العلم كقوله تعالى الرحمن على العرش استوى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح معنى الرحمن الرحيم وإثبات الصفة لله تعالى

يشرح الشارح معنى اسمي الله الرحمن الرحيم ويبين دلالتهما على صفة الرحمة الحقيقية لله تعالى، ويرد على المعطلة الذين ينفون الصفات أو يحرفون معانيها. يُبين كيفية إثبات الصفة لله تعالى بدون تمثيل أو تكييف.

الفرق بين الرحمن والرحيم وتعلق الرحمة

يشرح المقطع الفرق بين اسمي الله الرحمن والرحيم، حيث يدل الرحمن على صفة الرحمة القائمة بذات الله، بينما يدل الرحيم على تعلق الرحمة بالمرحوم واختصاصها بالمؤمنين في الآخرة. يُوضح أن الرحمة الواسعة تشمل جميع المخلوقات بينما الرحمة الكاملة تكون للمؤمنين خاصة.

دلالة أسماء الله تعالى على الصفات وإثبات المعاني

يناقش المقطع دلالة أسماء الله تعالى على الصفات، ويفرق بين أسماء الله المشتقة وأسماء المخلوقين الجامدة. يُبين أن أهل السنة يثبتون المعاني لله تعالى إثبات وجود دون تكييف أو تمثيل، ويحفظون معنى الآيات والأسماء الحسنى كما وردت في اللغة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، طيب. قال الشارح رحمه الله تعالى: والرحمن الرحيم إسمان كريمان من أسمائه الحسنى، دالان على اتصافه تعالى بصفة الرحمة، وهي صفة حقيقية له سبحانه، على ما يليق بجلاله، ولا يجوز القول بأن المراد بها لازمها كإرادة الإحسان ونحوه، كما يزعم المعطلة، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله. ابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى في بيان معنى هذين الاسمين الكريمين. قال: الرحمن الرحيم يعني من ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ إسمان كريمان من أسمائه الحسنى، دالان على اتصافه تعالى بصفة الرحمة. وهذا مأخوذ من الشرع، ومن اللغة، فإن أسماء الله كاملة في الحسن، ولله الأسماء الحسنى. كما مر معنا أن من كمال حسنها أنها ألفاظ تدل على معاني، فكل اسم يدل على صفة، وفعل يدل على صفة وفعل. فاسم الرحمن يدل على صفة الرحمة، وفعل يفعله جل وعلا متى ما شاء، وهو أنه يرحم من شاء ومتى ما شاء من عباده. وهكذا اللغة تدل على ذلك، فإن معنى الرحمن ومعنى الرحيم لغة يدلان على وجود هذه الصفة بهذين الاسمين. لكن المعطلة، كما مر معنا، ينفون الأسماء والصفات كالجهمية، أو ينفون الصفات ويثبتون أسماء مجردة، أي لا معاني لها كالمعتزلة، أو يثبتون بعض الصفات على غير الوجه الصحيح الكامل، وينفون البعض الآخر الكثير، مثل الكلابية والأشاعرة والماتريدية. ولهذا نبه رحمه الله تعالى بقوله: وهي صفة حقيقية له سبحانه. ومعنى حقيقية: نفي لما يدعيه بعض أهل التعطيل، وخصوصا المتأخرون منهم، كالأشاعرة والماتريدية، من أن هذه الصفة ليست هي صفة على ظاهرها، فيحرفونها بمعاني أخرى باطلة. ولهذا قال: هي صفة حقيقية له سبحانه، على ما يليق بجلاله. فنحن نثبتها إثبات وجود، لا نثبتها إثبات تمثيل ولا تكييف، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ومعنى ذلك أن الله عز وجل أثبتها لنفسه، فنحن نثبتها كما أن الله أثبتها لنفسه، نحن نثبتها له سبحانه وتعالى، لا نتدخل ونعارض هذا الإثبات الذي أثبته الله. ولهذا نحن نثبتها إثبات وجود، لا إثبات تمثيل ولا تكييف، لأن الذي ينافي الإثبات هو النفي، فهذا لا نفعله، ولا يجوز لمسلم عرف معنى الاستسلام لشرع الله أن يفعله. والذي ينافي كذلك هذا الإثبات أن تثبته إثبات تمثيل أو تكييف، يعني تقول: هو مثل كذا، أو على الكيفية الفلانية، هذا كله لا يجوز، كما قال: ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال رحمه الله: واقتتل في الجمع بينهما، يعني بين الرحمن والرحيم، فقيل: المراد بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء في الدنيا، لأن صيغة فعلان تدل على الامتلاء والكثرة. والأصل أن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى. فلو تأملنا مبنى رحمن ومبنى رحيم، لو وجدنا أن رحمن أكثر مبنى من رحيم، رحمن كم أحرف: خمسة، ورحيم أربعة. فزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كما أن صيغة فعلان من معانيها: صيغة فعلان من معانيها الامتلاء والكثرة. ولهذا تجد أن اسمه الرحمن يقرن بما فيه معنى الامتلاء والكثرة والسعة، كما قال جل وعلا: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، تنويها وتنبيها على سعة رحمته سبحانه وتعالى، على سعة مخلوقاته وعظمتها. وهكذا في الحديث: حديث أبي هريرة في الصحيحين: «لما قضى الله الخلق، كتب بكتاب، فهو عنده موضوع على العرش: إن رحمتي وسعت غضبي»، ففيه معنى الاجتماع والإحاطة والسعة. قال رحمه الله: والرحيم الذي يختص برحمته المؤمنين في الآخرة. فالرحمن وسعت رحمته كل شيء في الدنيا، والرحيم اختصت بالمؤمنين. ورحيم: صيغة فعيل تدل على ملازمة الصفة للموصوف، مثل ما تقول: كريم، ليس مثل مكرم. قال: وقيل العكس، يعني قيل عكس هذا الذي ذكر، ولهذا لما كان ضعيفا أخره. وقال: قيل، يعني الأول أصح، والثاني قول ذكر، لكنه ضعيف. قال رحمه الله: قد ذهب العلامة ابن القيم رحمه الله إلى أن الرحمن دال على الصفة القائمة بالذات، الرحمن تدل على الصفة القائمة بالذات، يعني صفة الرحمة التي هي متعلقة بذات الرب جل وعلا. قال: والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم. ولهذا لم يجيء الاسم الرحمن متعديا في القرآن، قال تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيما﴾، ولم يقل: رحمانا. قال: وهذا أحسن ما قيل في الفرق بينهما، لأن شواهد الحق تؤكده من أدلة الكتاب والسنة. فالرحيم: فعله، والرحمن: صفته، فصفته القائمة بذاته: الرحمن، وفعله المتعد إلى خواص خلقه: الرحيم. ولهذا رحمته الكاملة هي بالمؤمنين خاصة، لأنه قد يقول قائل: كيف نجمع بين قوله: ﴿وكان بالمؤمنين رحيما﴾، وأنها باعتباره تعلقها بالمرحوم فهي للمؤمنين خاصة، وبين قول الله عز وجل: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾؟ فالجواب: أن الرحمة الكاملة إنما هي للمؤمنين خاصة، وأما الرحمة التي يكون بها حياة المخلوقين في الدنيا، ورزقهم وعيشهم، فهي للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، وهذا برحمته الواسعة التي من اسمه الرحمن. وهذه الرحمة لا تتضمن الحب، ولا تتضمن المدح، بخلاف الرحمة في الرحيم، فهي الرحمة التي تتضمن الحب والمدح والثناء والكلاء وغير ذلك من معاني الكمال، فلهذا خصها ربنا سبحانه وتعالى للمؤمنين، وكان بالمؤمنين رحيما. أما الكافر فيعطى بما يكون حجة عليه يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: وهذا أحسن ما قيل في الفرق بينهما، يعني ما ذكره ابن القيم. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: «هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر»، يعني الرحمن الرحيم اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وهذا ضعيف، لا يصح عن ابن عباس، كما أشار إليه المعلق، فهي من رواية محمد بن مروان وهو السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وهذه سلسلة كذب، كما ذكر الحفاظ: ما اجتمعت في إسناد إلا كان هذا مما عملته أيديهم، فهو إسناد الموضوع. قال: ومنع بعضهم كون الرحمن بالبسملة نعتا لاسم الجلالة، لأنه علم آخر لا يطلق على غيره، والأعلام لا تنعت بها. وهذه مسألة لغوية، وفيها مدخل عقدي. يقول: إن بعض أهل اللغة يقول: لا يمكن أن يكون الرحمن نعتا لاسم الجلالة، لماذا؟ قالوا: لأنه علم، ومرادهم بعلم: أمرين، أمر على ظاهره من المعنى اللغوي، وهو خطأ. كذلك يريدون بأنه اسم غلب بعلميته على الذات المقدسة، فصار يتناول هذه الذات تناول الأسماء الأعلام التي لا يوصف بها، والتي لا يوصف بها. وهذا الكلام يصح في حق المخلوق، فالعلم بالنسبة للمخلوق لا يوصف به، إذا صار زيد من الناس له اسمان، أنت تناديه زيد، وله اسم آخر، كان في طفولته يقال له مثلا غير زيد، نقول: محمد، وحمودي، بعض الأطفال إذا كان صغيرا يقول له: حمودي، وإذا كبر هو محمد، فلا تقول: إن محمدا أو حمودي أحدهما وصف، إنما تقول: محمد علم، وحمودي كذلك ماذا؟ علم آخر. ولا يأتي وأحدهما إذا اقترنا تقول: جاء محمد حمودي، فتقول: هذا نعت لهذا، إنما هذا علم، وهذا علم آخر، فيكون ماذا؟ إما عطف بيان، وإما عطف بيان. فهذا من الناحية اللغوية بالنسبة للمخلوق نعم، أما بالنسبة لله عز وجل خطأ، ليس بصحيح، لماذا؟ لأن أسماء المخلوقين جامدة لا معاني لها، أما أسماء الله سبحانه كلها ليست جامدة، بل مشتقة لها معاني، كما مر معنا فيما سبق. فإذا من الناحية اللغوية خطأ أن نقول: لا يصح أن يكون نعتا، لماذا لا يصح؟ نقول: هذا خطأ، لأن أسماء الله ليست كأسماء المخلوقين، أسماء الله مشتقة لها معاني، فهي يصح أن تأتي أعلاما وأوصافا، يصح أن تأتي أعلاما وأوصافا في نفس الوقت، لأنها أعلام متضمنة لأوصاف. وأما المبحث العقدي: هو أنهم أرادوا بهذا المبحث، كما مر معنا من قبل، نفي الصفات عن الله سبحانه وتعالى، أرادوا أن أسماء الله جامدة لا معاني لها. ولهذا فهم يدخلون إلى هذه البدعة بالمباحث اللغوية، ومن الناس من لا يدري هذا المكر الذي يمكر به بعض أهل البدع بواسطة المباحث اللغوية، فربما يقلد ولا يدري. وقد أطال ابن القيم رحمه الله في كتابه «بدائع الفوائد» في هذا المبحث فصلا، ونقل عن إمام اللغة ما يؤيد القول الصحيح، وهو الذي ذكره المؤلف رحمه الله هنا. قال رحمه الله: والصحيح أنه نعت له، باعتبار ما فيه من معنى الوصفية، لماذا؟ لأن أسماء الله ليست جامدة، بل مشتقة لها معاني. قال: والصحيح أنه نعت له، باعتبار ما فيه من معنى الوصفية، فالرحمن اسمه تعالى وصفه، ولا تنافي، ولا تنافي، أو ولا تنافي اسميته وصفيته، لا تنافي اسميته وصفيته، فالاسمية لا تنافي الوصفية. قال: فمن حيث هو وصفة جرى تابعا على اسم الله تعالى، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، بل ورد الاسم العلم، كقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، فهو يستخدم استخدام الأعلام، مثل: الرحمن على العرش استوى، الرحمن علم على الله سبحانه. وهل كونه علما يعني أنه ليس فيه صفة الرحمة؟ الجواب: لا، فيه صفة الرحمة. وهكذا كذلك في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ هنا نعت، وهو في نفس الوقت علم، وأتى في هذا الموضع نعتا، لأنه لا تنافي بين الإسمية والوصفية، لأن أسماء الله كلها مشتقة. فهمنا هذا، فإذا فهمنا هذا، فإذا وجدنا في كتب اللغة، النحو أو غيرها، أو شروح الحديث، أو كتب العقائد، من يأتي إلى البسملة فيقول: الرحمن عطف بيان، أو بدل، فهذا صواب أم خطأ؟ صواب أم خطأ؟ هات يا لقمان، اسمع صوتك: خطأ، لماذا؟ نعم، داخل في هذا المبحث الذي تكلمنا فيه. أهل السنة يثبتون المعنى، ونقول: نثبت إثبات وجود، لا إثبات تكييف وتمثيل، ليس معنى أننا لا نثبت المعنى، نثبت إثبات وجود، بمعنى: إيجاد هذا الاسم، وصفته على ما علمناه من اللغة، ولا نثبت له إثبات تمثيل وتكييف، حتى نخرج من معنى التمثيل الذي نهينا عنه: ليس كمثله شيء، والسميع البصير. ما أن بعض المفوضة قد يتخذ هذا مدخلا لمذهب التفويض، لكن ليس هذا موضع الكلام فيه، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. والله تعالى أعلم.