شرح اللآلئ البهية 6

شرح اللآلئ البهية 6

الدرس في شرح اللآلئ البهية 6، الدرس السادس : فيه ( فمن زعم أن العقل يحيل شيئاً مما جاءت ... وصرف وجوه الناس إليه انتهى كلامه رحمه الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حدود العقل في فهم مسائل الاعتقاد

يناقش حدود العقل في فهم مسائل الاعتقاد والصفات الإلهية، ويوضح أن عجز العقل عن إدراك شيء لا يعني استحالته. يشير إلى أهمية التوقف عند النصوص الشرعية.

مذهب أهل السنة في التعامل مع صفات الله

يشرح مذهب أهل السنة والجماعة في التعامل مع صفات الله، وهو التوقف في اللفظ وإثبات المعنى الصحيح. يقدم أمثلة على ذلك مثل نزول الله وكلام الله.

التمييز بين العلم الشرعي وعلم الكلام

يُناقش أهمية التمييز بين العلم الشرعي المأخوذ من الكتاب والسنة والعلم المبني على الرأي والعقل. يُوضح أن العلم الشرعي يورث التواضع بينما علم الكلام يورث الفخر.

الإشارة إلى الأحاديث النبوية وشرحها

يشير إلى أحاديث نبوية رواها ابن ماجة والترمذي، وحسّنها الشيخ الألباني. يشير إلى نواياه لاستكمال الموضوع في جلسة لاحقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، قال المرجئ رحمه الله تعالى، بشرحه إلى مية شئة الإسلام نتيمية رحمه الله، بمقدمة شرحه. قال رحمه الله: فمن زعمه أن العقل يخيل شيئًا مما جاءت به الأنبياء، فلا يخلو من أحد أمرين: إما عدم ثبوته عنهم، وإما عجز العقل عن إدراكه. وهذا مر معنا، طيب، فقلنا: إما عدم ثبوته عنهم، أي الأنبياء، وإما عجز العقل عن إدراكه، أي في سبب ضعف هذا العقل، ومر معنا الكلام عليه. قال: ولا يلزم من عجز العقول عن إدراك شيء من الأصول -ويريد بالأصول أي مسائل الاعتقاد على ما سبق الكلام عليه، أو المراد به المسائل الكبار من الدين- قال: أو غيرها أن يكون مستحيلًا؛ لأن عجز العقل عن الفهم هذا لعجز العقل، لا لأجل أن هذا الشيء مستحيلًا. فليس في الشرع شيء مستحيل، فلم يأت الشرع إلا بما توافقه العقل، فالعقل الصحيح لا يعارض الشرع والنقل الصريح. يقول: أن يكون مستحيلًا كحديث النزول مع عدم التناقض، ويريد بحديث النزول أي نزول الرب جل وعلا، كما جاء في حديث وغيره، وجاء عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وفي غيرهما: أن الله جل وعلا ينزل في ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ الحديث. فحديث النزول حديث ثابت صحيح، صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل قال بعض أهل العلم: ومن الحديث المتواتر. وبعض العقول قد تحار في هذا النزول، أي إذا أرادت أن تتفكر في الكيفية، مع أن أهل السنة والجماعة يرون إثبات حقيقة الصفات مع عدم الخوض في الكيفية، فالحقيقة موجودة والكيفية مجهولة، ولا يمكن للإنسان أن يطلع وأن يعرف هذه الكيفية. وأما مثل مسألة الانتقال، فهي مثل أخرى. المؤلف رحمه الله يرى: لأن النزول ثابت من دون انتقال، يثبت النزول من دون انتقال. وهنا نحب أن ننبه على قاعدة في باب الأسماء والصفات: القاعدة في باب الأسماء والصفات أن الأسماء والصفات توقيفية، لا يتعدى القرآن والحديث، كما نقل عن الإمام أحمد رحمه الله. وإذا كان كذلك، فكل ما لم يثبت في القرآن وبالسنة الصحيحة، فإننا لا نثبته. وليس معنى لا نثبته أننا ننفيه؛ وذلك لأن بعض الذي لم يثبت في الكتاب والسنة أي لفظه، ثبت معناه. ولهذا قال العلماء: الألفاظ التي لم يثبت لفظها في الكتاب والسنة، إذا كان لها معنى صحيح، فإننا نتوقف في اللفظ، ونفصل في المعنى. نتوقف في اللفظ، ونفصل في المعنى. ومسألة الانتقال، أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم إلى أقوال أهل العلم فيها. فإن للعلماء -أي ممن ينتسب إلى طريقة أهل السنة والجماعة- فيها أقوالًا. فمنهم من نفى الانتقال، مثل ما نقل المؤلف رحمه الله هنا، ونقل ذلك كذلك شيخ الإسلام عن أبي الحسن التميمي وأهل بيته. ومنهم من أثبت الانتقال، أي يثبت النزول بانتقال، ونقل ذلك عن أبي عبد الله بن حامد، وحرب الكرماني، والدالمكي، وجماعة. ومنهم من قال بالتوقف والإمساك، ويروى ذلك عن أبي عبد الله بن بطة. والقول الرابع، وهو الذي عليه جمهور أهل السنة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقله عن الإمام أحمد، وجماعة، وأشار إلى أنه هو مذهب نعيم بن حماد، والبخاري، وابن خزيمة، وابن عبد البر، وجماعة من أهل السنة، وهو التوقف في اللفظ، وإثبات المعنى الصحيح. التوقف في اللفظ، وإثبات المعنى الصحيح، يعني: نفصل، نقول: ماذا تريدون بالانتقال؟ لفظ الانتقال لم يثبت بالكتاب والسنة، فنتوقف فيه. لكن ماذا تريدون بالانتقال؟ هل تريدون بالانتقال إثبات نزول حقيقي يليق بجلال الله وعظمته؟ إن أردتم ذلك، فهذا نثبته. وإن أردتم هذا الانتقال هو خلو العرش، ومنافاة العلو، فهذا ما لا نثبته. بل نثبت لله عز وجل نزولًا يليق بجلال الله وعظمته، مع علوه سبحانه وتعالى. فالنزول لا ينافي العلو، النزول لا ينافي العلو. فالعلو صفة ذات ملازمة للذات الإلهية جل وعلا، لا تنفصل عنه سبحانه وتعالى هذه الصفة. وصفات الأفعال، والتي منها النزول، صفات تتعلق بالمشيئة، متى ما شاء نزل سبحانه وتعالى نزولًا يليق بجلاله وعظمته، لا ينافي علوه سبحانه وتعالى وفوقيته. هذا الذي نثبت. فإذا نتوقف باللفظ، ونفصل المعنى. فإن أريد بالنزول هذا المعنى الصحيح، أثبتناه. وإن أريد به ما ينافي العلو وخلاء العرش، ونحو ذلك من المعاني التي من الغيب، فهذا الذي ننفي بعضه، ونتوقف مما كان بالغيب، ليس عندنا فيه علم؛ لأن باب الأسماء والصفات توقيفي، لا يتعدى القرآن والحديث. ولكن الشاهد من كلامه رحمه الله: كحديث النزول، يعني: أننا نثبته، ولو كان العقل قد يحار. ومعنى يحار: يعني يحتار في كيفية إثبات نزول مع علو، إثبات نزول مع علو. وفي الحقيقة يحار لضعفه وعجزه، لا لاستحالة ذلكم الشيء. فالله جل وعلا لا يعجزه شيء، بل هو سبحانه على كل شيء قدير. قال: وكون القرآن كلام الله وصفته مع عدم الانفصال. وهذا كذلك مما نثبته. أولًا: أن القرآن كلام الله، كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن قومي منعوني أن أبلغ كلام ربي». فالقرآن كلام الله جل وعلا ثابت. وأما قوله: مع عدم الانفصال، فهذا التعبير مما لم يرد في الكتاب ولا في السنة. ونقول به مثل ما نقول في مسألة عدم الانتقال: نتوقف باللفظ، ونفصل بالمعنى. ماذا تريدون بالانفصال؟ فإن أرادوا معنى فاسد، نفيناه. وإن أرادوا معنى صحيح، نثبت المعنى الصحيح، بما دلت عليه العمومات الشرعية في هذا المبحث، مع التوقف باللفظ. وهذه قاعدة في كل لفظة من مباحث الصفات لم يأت إثباتها في الكتاب ولا في السنة: نتوقف باللفظ، ونفصل بالمعنى. ما كان من المعنى صحيح، دلت عليه الأدلة، أثبتناه. وما كان من معنى فاسد، لم تدل عليه الأدلة، فإننا ننفيه. قال: ونظائر ذلك كثيرة جدًا. فمن لم يسلم للمنقول، وقابله بالرد بالمعقول، فهو ظالم مغرور. ويريد بالمنقول: أدلة الكتاب والسنة. ويريد بالمعقول: أي العقل، أي رد هذا الذي نقل في الكتاب والسنة بالعقل، فهو ظالم مغرور. لماذا ظالم مغرور؟ لأن الواجب على المسلم التسليم لما جاء في الكتاب والسنة، كما قال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. قال: فمذهبنا هو موافق الصحيح المنقول، وصريح المعقول. مذهبنا: أي مذهب المؤلف، الذي هو يشير إلى مذهب أهل السنة والجماعة، هو موافق الصحيح المنقول، أي الكتاب والسنة، وصريح المعقول. ولكن هنا ننتبه لشيء: ليس الشرع يُعرض على العقل، ولكن العقل يوافق الشرع. العقل الصحيح هو الذي يوافق الشرع، والشرع لا يُعرض على العقل. ليس العقل ميزان للشرع، بل الشرع هو الذي يزن العقل. الشرع هو الذي يزن العقل، ليس العقل هو الذي يزن الشرع. فالأمور ليست بالعقل، وكما قال علي رضي الله عنه: «لو كان الدين بالعقل، لكان أولى بالرأي، لكان مسح أسفل الخف أولى من مسح أعلاه». لكن الدين ليس بالرأي، وليس بالعقل. قال: الذي يجمعنا بالأقوال المختلفة من الصواب، ويجتنب ما فيها من الخطأ والارتياب. وهذه مسألة أخرى كذلك. العقل الصحيح هو الذي يميز الصواب بالدليل، لا بالانتقاء. فإن الانتقاء لو كان الحق يعرف بانتقاء الأقوال دون الرجوع إلى الدليل، لكان ذلك سببًا للحيرة والتشويش والضياع. لكن المؤلف رحمه الله لا شك يريد الانتقاء بما دل عليه الدليل. قال: ويجتنب ما فيها من الخطأ والارتياب. وهذا ومذهب سلف الأمة وسائر الأمة، وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف. فإن الله تعالى بيّن في كتابه الحق، بما ضربه فيه من الأمثال. فمن لم يكن علمه متلقى من الكتاب والسنة، فهو غير نافع، ولا متبع به، بل ضره أكثر من نفعه. أي: لكان العلم من غير الكتاب والسنة، فالعلم الحقيقي الصحيح هو ما كان مأخوذًا من الكتاب، وما كان مأخوذًا من السنة. قال: وعلامة هذا العلم -كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي- أن يكسب صاحبه الزهو والفخر والعجب والخيلاء. ويريد بهذا العلم إشارة إلى ما هو ليس علم الكتاب والسنة، كعلم الكلام وما كان بمعناه. وأشار ذلك لكتابه «فضل علم السلف على علم الخلف». قال: يكسب صاحبه الزهو والفخر والعجب والخيلاء، يعني: علم الكلام وما كان بمعناه، مما هو ليس علم الكتاب والسنة؛ لأن صاحبه يظن نفسه أنه أتى بشيء جديد لم يأت به من سبقه. ولهذا يتنافس أهل علم الكلام في الإتيان بالجديد، والإتيان كذلك بالأوجه والآراء. ولهذا هم يحبون ويستكثرون الرد من الأوجه الكثيرة العقلية؛ لأن هذا العلم بناه على الرأي والعقل. فلذلك هو يكسب صاحبه الفخر والعجب والخيلاء والزهو، يكون عنده شيء من الزهو بالنفس، يعني الارتفاع والعلو على الآخرين. وهذا مذموم، فليس هذا من علامات العلم الشرعي، بل علامات العلم الشرعي على العكس من ذلك تمامًا. بل العلم الشرعي يورث صاحبه التواضع، قال: وطلب مباهاة العلماء ومماراة السفهاء، وصراف وجوه الناس إليه. هذا هو الذي يكون لصاحب العلم الذي هو ليس بعلم الكتاب والسنة. أما علم الكتاب والسنة، علم موروث، ليس به شيء جديد. أهل السنة أدلتهم هي أدلة السابقين، ما كان يستدل به الصحابة استدل به التابعون، وما استدل به التابعون استدل به أتباع التابعين، وهكذا إلى أن نقل العلم إلى يومنا هذا. ليس عند أهل السنة علم إلا قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه من مزايا وخصال وفرق بين أهل السنة وأهل البدعة. أن أهل السنة علمهم موروث، وأما أهل البدعة فعلمهم مستحدث، كل يوم وهم يأتون بالجديد، ويبتدعون بالجديد. أما أهل السنة على العكس، لا يبتدعون بالجديد، بل يعتقدون بالعتيق، يعتقدون بالعتيق، أي القديم؛ لأنه جليل على الأثر. ولهذا كان ابن مسعود يقول: «اتبعوا ولا تبتدعوا»، وكذلك أمر بلزوم الأمر الأول، أمر بلزوم الأمر الأول. قال: وطرف وجوه الناس إليه. أو وطرف وجوه الناس إليه. انتهى كلامه رحمه الله. وهذا مصداقه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار». كما جاء عند ابن ماجة من حديث ابن عمر، وبمعناه عند الترمذي من حديث كعب رضي الله عنهما، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله. على هذا عوان الشروع في المقصود، فنقول: بالله التوفيق، يكفي ما قلناه هنا لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله بجلسة لاحقة.