الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 36، الدرس السادس والثلاثون : (فصل في بيان النوع الثاني من أنواع التوحيد ... معترفاً به لا جاحداً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح هذا الفصل توحيد الطلب والقصد كثاني نوع من أنواع التوحيد، ويبين أهمية إفراد الله بالعبادة والإخلاص. يشير إلى أن هذا النوع هو المقصود الذي أنزلت من أجله الكتب وأرسل الرسل.
يفسر هذا الفصل معنى توحيد الربوبية والألوهية، ويوضح أن لا إله إلا الله تعني لا معبود بحق إلا الله. يبين أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية لكنهم كانوا يشركون في العبادة.
يشرح هذا الفصل مفهوم توحيد الألوهية ويبين أن عبادة الله وحده تستلزم الإقرار بحقه وإفراده بالعبادة. يؤكد أن الإيمان بكون الله هو الخالق والمدبر يستدعي عبادته وحده.
يشير هذا الفصل إلى أن الحديث التفصيلي حول العبادات سيأتي لاحقاً، ويعرب عن الامتنان لله بتمام الحديث حتى هذه النقطة. يمهد لما سيأتي من تفاصيل حول العبادات والمسائل ذات الصلة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، فقال رحمه الله: إلى قوله في ذكر النوع الثاني من أنواع التوحيد، وهو توحيد الطلب والقصد، فقال رحمه الله تعالى: وهذا ثاني نوعيه التوحيد، إفراد رب العرش عن نديده، أن تعبد الله إلها واحدا، معترفا بحقه، لا جاحدا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذين البيتين، فقد تضمنا مجموعة من المسائل. أولها أنه رحمه الله يشير إلى أن ثاني أنواع التوحيد هو هذا الذي سيأتي ذكره، وهو المسمى بتوحيد الطلب والقصد. ومر معنا في أوائل هذه المنظومة أن مرادهم رحمه الله تعالى بقولهم توحيد الطلب والقصد، أي توحيد الطلب بالعبادة والقصد، أي بالإخلاص. فهذا هو تفسير الطلب والقصد. ومر معنا كذلك أن هذا النوع من التوحيد هو واحد من ثلاثة أنواع: توحيد ربوبية، والأسماء والصفات، وثالثها الألوهية. ومر معنا كذلك أن هذا النوع من التوحيد هو التوحيد المقصود الذي به أنزل الله عز وجل الكتب، وأرسل الرسل، ودعا الناس إليه. وأن ما سواه قد أقر به بعض المشركين، ولكن هذا النوع من التوحيد هو الذي حصلت به المجادلة بين الرسل وأتباعهم وأممهم. فإن الرسل وأتباعهم خالفوا الأمم الضالة في هذا النوع من التوحيد، وهو توحيد الألوهية. قال رحمه الله: هذا وثاني نوع التوحيد. وهذا فيه إشارة إلى أن هذا هو القسم الثاني، وإذا فصلنا، قلنا: القسم الثالث. فإن قال قائل: ما هو الدليل على تقسيم التوحيد لهذه الأقسام الثلاثة؟ مر معنا في أوائل هذه المنظومة أن الدليل هو الاستقراء، استقرأت أدلة الكتاب والسنة، فلم توجد أنها تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة. في سورة الفاتحة، هذه الأقسام الثلاثة كما مر معنا، وفي القرآن كذلك من أوله إلى آخره ذكر هذه الأقسام الثلاثة من أقسام التوحيد. قال: إفراد رب العرش عن نديده. فقول: إفراد رب العرش، تعبيره رحمه الله برب العرش، إشارة إلى أن ربوبية الرب جل وعلا واسعة تشمل جميع المخلوقات، لأن العرش أعظم المخلوقات وأوسعها. كما مر معنا في الكلام عليه فيما تقدم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى. والرب سبق تفسيره بأنه المدبر المالك، أنه المدبر المالك. فقوله: إفراد رب العرش، أي إفراد الرب جل وعلا المدبر المالك. وذكر العرش دون سائر المخلوقات، لأن العرش أعظم المخلوقات، فما سواه من المخلوقات كلها مربوبة لله عز وجل، فهو رب العالمين. وقلنا: العالمين هو ما سوى الله عز وجل، وكل المخلوقات مربوبة لله جل وعلا، مدبرة له، وهو المالك لها سبحانه. وما كان من تدبير من غير الله جل وعلا، فهو تدبير ناقص، وما كان من ملك من غير الله جل وعلا، فهو ملك ناقص. ولكن التدبير المطلق الكامل من كل الوجوه، والملك المطلق الكامل من كل الوجوه، لله عز وجل وحده. وقوله: عن نديد، أي عن ند، كما مر في قول الله عز وجل: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وكما مر في حديث معاذ بن جبل، بحق الله عز وجل: أن تعبد الله، أن لا تجعل لله عز وجل ندا، وهو خالقك، أن لا تجعل لله ندا. وهكذا حديث ابن مسعود بمعناه. فهذه الأدلة تدل على أن حقيقة توحيد الرب جل وعلا هو هذا: إفراد رب العرش عن النديد، هذا هو حقيقة توحيد الألوهية. وعلى هذا، فتفسيرها الحقيقي، وهو الذي يكون بهذا المعنى: أن يفرد الرب جل وعلا، وأن لا يجعل له ندا. وليس المراد بالند الند في الخلق والتدبير، ولكن المراد بالند الند بالعبادة، كما سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله في تفسيره. فتفسيره: لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله عز وجل. فأما تفسير من ضل، كما مر معنا، تفسير من ضل بهذا الباب من المتكلمة ونحوهم، فإنهم يفسرون: لا إله إلا الله، بلا خالق إلا الله. وهذا خطأ، فإن هذا قد أقر به المشركون. ولكن: لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، هذا هو المراد من لا إله إلا الله. أما: لا رازق، ولا خالق إلا الله، فهذا قد أقر به المشركون. قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فهم كانوا يقرون أن الله هو الخالق، وأن الله هو المدبر، وأن الله هو المالك. ولكن ما كانوا يقرون أن الله جل وعلا وحده هو الذي يستحق العبادة، كما قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، يعني: كيف يريد أن يدعو إلى إله واحد؟ وفي الحقيقة هم يعبدون آلهة كثيرة، ولا يجعلون هذه الآلهة الكثيرة كلها بمنزلة الإله الحق الواحد المدبر لا، ولكن يجعلونها وسطاء وواسطة، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فهذا حقيقة عبادتهم إياهم، يجعلون واسطة بينهم وبين الله عز وجل. وهكذا المشركون كذلك في هذا الزمان، من يعبد القبور، أو من يعبد الأولياء والصالحين، أو من يعبد الملائكة أو الأنبياء، فإنهم في الحقيقة يجعلونهم واسطة بينهم وبين الله عز وجل. وهذه الواسطة واسطة شركية، لأنهم يصرفون لهم بعض العبادات التي لا تجوز أن تصرف إلا لله عز وجل. وهكذا قال رحمه الله تعالى: أن تعبد الله إلها واحدا، معترفا بحقه، لا جاحدا. وحقيقة هذا التوحيد أنك تلزم نفسك بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية. إذا كنت تعتقد أن الله هو الخالق والمدبر والرازق والمالك وحده جل وعلا، فوجب عليك إذن أن تعبد الله جل وعلا وحده. فإن كان الله هو الخالق والرازق والمدبر، ولا خالق مع الله، ولا رازق مع الله، ولا مدبر مع الله، بل كل ذلك لله عز وجل وحده، فهو على كل شيء قدير. فإذن هو وحده الذي استحق العبادة. ولهذا استدل بهذا النوع من التوحيد على هذا في آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل. فقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي: إذا كان الله جل وعلا وحده هو الذي خلق ورزق، فإذن هو وحده الذي استحق العبادة. وهذا هو قول المؤلف رحمه الله: أن تعبد الله إلها واحدا. والعبادة كما مر تفسيرها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. وهذا تعريفها باعتبار المعبود، أي باعتبار أحد أنواع العبادات التي تؤديها. فالخوف عبادة، والحب عبادة، والصلاة عبادة، والذبح عبادة. فالصلاة والذبح والصدقة من الأعمال الظاهرة التي يحبها الله ويرضاها، والخوف والرجاء والالتجاء من الأعمال الباطنة التي يحبها الله ويرضاها، فلا تصرف إلا لله عز وجل. فلا تخافوا منهم، وخافون إن كنتم مؤمنين. ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله. فعلم أن المحبة تقع بها الشرك، وأن الخوف يقع به الشرك، وأن الصلاة تقع بها الشرك، وأن الذبح يقع به الشرك. قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وذلك ما أمرت به، وأنا أول المسلمين. فصل لربك، واذبح. فكما أنه لا يصلى إلا لله عز وجل وحده، فلا ينحر، ولا يذبح إلا لله عز وجل وحده. فهكذا: أن تعبد الله إلها واحدا، لا إله إلا هو سبحانه وحده. وهكذا: معترفا بحقه، لا جاحدا. كيف تعترف بحق الله: أنه هو الخالق وحده، وأنه هو المدبر وحده، وأنه هو الذي يملك كل شيء وحده، بأن تعبده، ولا تعبد غيره؟ لأنك إذا عبدت غيره، وصرفت شيئا من العبادة لغيره، كنت جاحدا بهذا الذي أنت تقر به. هذا هو معنى قوله: معترفا بحقه، لا جاحدا. لأنك إذا اعترفت بحق الله، استلزم ذلك عليك أن تعبده وحده، ولا تعبد غيره، أن تخاف منه وحده، ولا تخاف من غيره. وسيأتي إن شاء الله الكلام على تفاصيل هذه العبادات وهذه المسائل في أبيات مخصوصة، يأتي ذكرها إن شاء الله في الأبيات الآتية. وهذا قد انتهينا فيه، الحمد لله رب العالمين.