شرح كتاب تطهير الإعتقاد 3

شرح كتاب تطهير الإعتقاد 3

الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 3، الدرس الثالث : فيه ( الأصل الثالث أقسام التوحيد إن التوحيد قسمان ... ولا هم أهل لها,ولا يغنون عنهم من الله شيئاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أقسام التوحيد وبيان اللبس بينها

التوحيد ثلاثة أقسام: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. هناك لبس بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية لدى بعض الناس.

دعوة الرسل وتوحيد الألوهية والربوبية

الفرق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية واضح في إقرار المشركين بتوحيد الربوبية مع مخالفتهم في توحيد الألوهية. الرسل دعوا الناس إلى توحيد الألوهية مع تقرير توحيد الربوبية.

شرك المشركين في الألوهية مع إقرارهم بتوحيد الربوبية

المشركون أقرّوا بتوحيد الربوبية لكنهم أشركوا في الألوهية باتخاذ آلهة أخرى. الشفاعة تكون بإذن الله للموحدين فقط.

عقوبة أهل الشرك والخلود في النار

أهل الشرك مخلدون في نار جهنم ولا يغفر الله لهم شركهم. الشرك يحرم صاحبه من الجنة ويبطل الشفاعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ العلامة محمد بن إسماعيل ابن الأمير الصنعاني، رحمه الله: «قال الأصل الثالث أقسام التوحيد، قال: إن التوحيد قسمان: القسم الأول توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها، ومعنى أن الله وحده الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم. قال: وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكا، بل هم مقرون به، كما سيأتي بالأصل الرابع». أراد رحمه الله تعالى ببيان هذا الأصل، وذكر هذين القسمين أولا، هو ذكر ما يتعلق بموضوع الرسالة من قسمي التوحيد: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. فلما كان اللبس قد وقع عند بعض العامة، وكذلك من لبس عليهم ممن ينتسب إلى العلم من أهل الأهواء والمفتونين بالقبور من الشيعة والصوفية، ناسب أن ينبه على هذا اللبس. فإنهم خلطوا بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. ولهذا ذكر هذين القسمين، وإلا فأقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وباعتبار آخر، يقسم التوحيد إلى قسمين: التوحيد الخبري والتوحيد الطلبي. والمراد بالخبري ما محله الخبر، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات. وتوحيد الأسماء والصفات بهذا المعنى يدخل في توحيد الربوبية. وتوحيد الألوهية الذي هو الطلبي، المقصود منه الطلب، هو توحيد الله في أفعال خلقه، وهو الذي بعث الله عز وجل به الرسل. لأن الشرك وقع فيه، وليس معنى أنه لم يقع بغيره وقع، فقد وقع في الربوبية. مثال ذلك: مناظرة إبراهيم للنمروذ، فهذا مما يتعلق بتوحيد الربوبية. وهكذا كذلك في حق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أمته، أو مع قومه، في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. فقد استدل به جماعة من أهل العلم على أن توحيد الربوبية لم يكن المشركون قاطبة مقرين به، بل بالجملة هم مقرون به، وإلا يوجد فيهم من أشرك فيه. وهذا توحيد الأسماء والصفات، بالجملة هم مقرون به، ولكن وقع الشرك في بعضه، مثل نبيهم لاسم الرحمن. لما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكتب «باسم الله الرحمن الرحيم» أبوا عليه كما في صلح الحديبية، وكتبوا «باسمك اللهم». فالشاهد من هذا: أراد المؤلف رحمه الله ليس أن يحصر فقط، فيفسر ذكره لهذين النوعين أولا، إما لأنه أراد أن يذكر ما يتعلق بالموضوع من اللبس الذي وقع في توحيد الربوبية والألوهية، فلهذا ذكر هذان القسمان. ومفهوم العدد كما قلنا، ومر معنا وتكرر، لا يفيد الحصر. وثانيا: كذلك يمكن أن يفسر بأن توحيد الأسماء والصفات يدخل في التوحيد الخبري الذي منه التوحيد الربوبية. طيب، فعلمنا بهذا أولا: أن ذكره لهذين القسمين ليس حصرا. وثانيا: ذكره كذلك لهذين القسمين للتنبيه على اللبس الذي وقع عند مشركي زمانه، وهو كذلك لزماننا هذا، إذ لم يفهموا الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. ولم يعرفوا أن ما طلب به العباد إنما هو توحيد الألوهية، وهو المقصود الأعظم، وأن ما كان عليه أهل الشرك ودعوا إلى تركه، ليس هو فيما يتعلق بتوحيد الربوبية، ولكن فيما يتعلق بتوحيد الألوهية، إذ أكثرهم يقر بتوحيد الربوبية، كما سيأتي إن شاء الله تدليل عليه في هذا الفصل أو هذا الأصل، والأصل الذي بعده. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومثله الأدلة على ذلك فسأتي إن شاء الله». قال: «والقسم الثاني توحيد العباد، ومعناه إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات، الآن بيانها، فهو فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركة، ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى، يعني حين نهاهم ربنا جل وعلا عن الشرك، فهذا يفهم من أنهم أثبتوا شيئا لله، وجعلوا له المشاركة لغيره معه». ويريد بذلك أن يلفت الانتباه إلى أن الذي طلب به المشركون في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليس هو توحيد الربوبية. التوحيد الربوبية كان أكثرهم يقر به، كان أكثرهم يقر به، كما سيأتي في الآيات الكثيرة التي تدل على هذا المعنى. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَهُمْ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ﴾. لكن الشرك الذي وقع عندهم في صرف العبادة لغير الله جل وعلا، صرف العبادة لغير الله، من صلاة، من نذر، من ذبح، من دعاء، ونحوه. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَلَضُ الشَّرِيكِ يُشْعِرُ بِالإِقْرَارِ بِاللَّهِ تَعَالَى﴾. فالرسل عليهم السلام بعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إلى الثاني. تقرير الأول يعني تأكيده، وكذلك الاستدلال به على توحيد الألوهية. أي أنهم كانوا يقررون به، فيذكر لهم على وجه التقرير، على وجه التقرير، أي إذا كنتم تقررون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، فوجب عليكم أن تعبدوه وحده لا شريك له، لأنه ما دام هو المنفرد بهذه الصفات، فإذا هو المنفرد بالعبادة. مثل قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فهو استدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية باللازم. قال: «ودعاء المشركين إلى الثاني، وهو توحيد الألوهية». قال: «مثل قولهم في حال المشركين: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم». إذن هذا تقرير بتوحيد الربوبية ليستدل به على توحيد الألوهية. قال: «وهل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو». قال: «ونهيهم عن شرك العبادة، يعني جاء لتقرير الربوبية والدعوة إلى الألوهية». قال: «قال: وإذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، قال: أي قائلين لأممهم: أن اعبدوا الله. فأفاد بقوله: «في كل أمة» أن جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم، إذ هذا مستقر عند الأمة». قال: «وأنه رب السماوات والأرض، فإنهم مقرون بهذا. ولهذا لم ترد الآيات فيه في الغالب إلا بصيغة استفهام التقرير». وقوله: «في الغالب» يفيد أنه في القليل النادر ورد ما يفيد إنكار بعض الأمم لذلك، ولكن هذا قليل. قال: «لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم ورب السماوات والأرض، فإنهم مقرون بهذا. ولكن ولهذا لم ترد الآيات فيه بالغالب إلا بصيغة استفهام التقرير، نحو: هل من خالق غير الله؟ وهكذا: أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟ أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض؟ هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟ أروني ماذا خلقوا من الأرض؟ أم لهم شرك في السماوات؟». استفهام تقرير لهم، لأنهم به مقرون. يعني هذه الآيات جميعا فيها الاستفهام التقريري، أي تقرير بأنهم يقرون بهذا، وذلك يدل على توحيد الله في ربوبيته. قال: «بهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان، ولم يعبدوها، ولم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى؛ لأجل أنهم أشركوهم في خلق السماوات والأرض، وفي خلق أنفسهم، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما قالوا». فهم يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر. قال: «وإنما جعلوا هذه الآلهة الكثيرة التي عبدوها من دون الله، زعموا أنها تشفع عند الله جل وعلا». وقليل من المشركين من يعتقد أن هذا المعبود هو الذي يخلق ويرزق ويدبر، وهذا قليل. وإلا فأكثرهم يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، ولكن يعتقدون أن هؤلاء شفعاء عند الله. قال: قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركا، ونزه نفسه عنهم، لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل يغنون عنهم من الله شيئا؟ فهنا ثلاثة مسائل: المسألة الأولى: ما أراد أن ينبه عليه رحمه الله تعالى من أن شرك المشركين كان في الألوهية، وأنهم ما كانوا يعتقدون الربوبية فيما يعبدونها من دون الله، حجرا أو شجرا أو قبرا أو ملكا أو نبيا أو غير ذلك. بل يعتقدون أنهم إنما شفعاء عند الله، يقربونهم إلى الله الزلفى، كما في هذه الآيات التي أشار إليها. والمثل الثاني في أن حقيقة شركهم كان شرك واسطة، جعلوا واسطة بينهم وبين الله. والله جل وعلا لم يجعل بينه وبين خلقه واسطة في عبادته، ولكن جعل بينه وبين خلقه واسطة في تبليغ دينه ورسالته، وفرق بين الواسطتين. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة عظيمة في هذا المعنى، على صغر حجمها: الواسطة بين الحق والخلق، وهي تدور حول هذا الأمر الذي وقع فيه المشركون في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن قبله، وهكذا هو عند المشركين بعد ذلك، حتى في زماننا هذا. والمسألة الثالثة: هي مسألة الشفاعة، وأن الشفاعة لا تكون إلا بشروطها. وقد مر معنا شروط الشفاعة، وأنها ثلاثة: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له، والإذن بالشفاعة. فإذا ليس أمر الشفاعة شيء يطلب إلا من الله جل وعلا. فالله جل وعلا هو الذي أذن بها، وهو الذي يرضى عن أهلها. ومن ذلك أن الشفاعة لها شروط، ومن شروطها ومن أعظم شروطها التوحيد. فالشفاعة إنما هي للموحدين، وليس للمشركين. وأما أهل الشرك فإنهم مخلدون في نار جهنم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. طيب، فعلم بهذا أن الشرك لا يغفره الله، وأن صاحبه يخلد في نار جهنم، وأنه مما يبطل ويبطل به الشفاعة. طيب، بهذا نكتفي، ونقف عند هذا القدر، ونكمل في الدلالة اللاحقة، والحمد لله رب العالمين.