الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 27، الدرس السابع والعشرون:من( باب من الشرك النذر لغير الله ... اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة والنذر من ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح الشيخ للأبواب الثلاثة في كتاب التوحيد، مبينا أن صرف العبادة لغير الله شرك أكبر. النذر عبادة يجب إفراد الله بها.
النذر لغير الله لا ينعقد ولا يترتب عليه حكم، ولا كفارة فيه، ويجوز للورثة التصرف في المال المندور. مثله مثل الحلف بغير الله.
إذا هدم الشيء الشركي المندور له، يرجع النذر إلى أصله إن كان له مالك، وإلا حول إلى نذر صحيح. الوقف كالنذر في الحكم.
يتم ختام الدرس مع تأجيل الإجابة على الأسئلة إلى الدرس القادم. تعبير عن العلم الإلهي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: باب من الشرك النذر لغير الله، وباب من الشرك الاستعاذة بغير الله، وباب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. هذه ثلاثة أبواب شرحها رحمه الله في موضع واحد، لكن نقرأ شرح كل باب لوحده. قال رحمه الله: متى فهمت الضابط السابق في حد الشرك الأكبر، وهو أن صرف شيئًا من العبادة لغير الله فهو مشرك، فهمت هذه الأبواب الثلاثة التي أتى المصنف بينها، يعني باب النذر وباب الاستعاذة، ولم نأخذه، وسيأتي إن شاء الله، وباب الاستغاثة. لكن سنأخذ تعليقه على النذر خاصة. قال: فإن النذر عبادة، مدح الله الموفين به، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بنذر الطاعة. وكل أمر مدحه الشارع أو أثنى على من قام به أو أمر به فهو عبادة، فإن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. والنذر من ذلك، وسبق معنا الكلام على هذا المعنى بما يغني عن الإعادة. وانتبه لقوله رحمه الله تعالى: متى فهمت الضابط السابق في حد الشرك الأكبر، وهو أن من صرف شيئًا من العبادة لغير الله فهو مشرك، فهمت هذه الأبواب الثلاثة. يشير إلى أن الشرك نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر هو صرف شيء من العبادة لغير الله. فإذا كان كذلك، فيكفي أن نثبت أن هذه الثلاثة التي ذكرت في الأبواب الثلاثة هي من العبادة. فإذا ثبت أنها من العبادة، فصرفها لغير الله من الشرك. وقد علمنا مما سبق أن هذا الصرف منه ما يوجب الشرك الأكبر، ومنه ما يوجب الشرك الأصغر. فإن كان على وجه يكون فيه جعل ما لله لغير الله، فهذا هو الشرك الأكبر. وأما إن كانت تعلق بالوسائل أو جعل ما ليس بسبب سببًا، فهذا من الشرك الأصغر. وقد علمت في دروس سابقة حد الشرك الأصغر وتعريفه، وبه تعرف أن كل موضع من مواضع هذا الباب أو هذه الأبواب يثبت فيها شيئًا أنه عبادة، فصرف هذه العبادة لغير الله من الشرك الأكبر. وقد يكون شركًا أصغر إذا كان متعلقًا بالوسائل أو كان كذلك من باب جعل الأسباب جعل سبب ما ليس بسبب. لأن الشرك الأصغر هو كل وسيلة توصل إلى الشرك الأكبر. ومرت معنا أمثلة تبين وتوضح هذا المقام. ويضاف هنا بتنبيهين اثنين. التنبيه الأول: وهو أن النذر لغير الله إذا كان لا يجوز، وهو بين الشرك الأكبر والأصغر، فعقده لا يترتب عليه حكم من جهة الوفاء بالمنذور. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الناذر لغير الله بمثابة الحالف بغير الله. فمن حلف بغير الله لم تنعقد هذه اليمين، ولا تلزم فيها كفارة. فكذلك من نذر لغير الله لم ينعقد هذا النذر، ولا يلزم فيه كفارة. ولا يناف هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين»، لأنه فيما تقدم أن الذي يكفر عنه هو النذر الصحيح الذي ينعقد، سواء كان هذا النذر مما يأذن الله به أو كان مما يكرهه. مثال الذي يأذن النذر في الطاعة، هذا أذن به، لكنه لا يحبه؛ لأنه نهى عن النذر. أي نبي عليه الصلاة والسلام، ومنه ما يتأكد به الكراهة مثل النذر المشروط. ومع ذلك فكل النذرين يجب الوفاء بهما. وإذا لم يوف بالنذر، فعليه كفارة يمين. كفارة النذر كفارة يمين، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهل منه نذر المعصية؟ مر معنا أن فيه خلافًا. فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا كفارة فيه لصحة ما ورد أو لتصحيح ما ورد من أحاديث. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس فيه كفارة لضعف الروايات في ذلك، وثانيًا لأنه معصية، فلا يكون في المعصية كفارة. وأما نذر الشرك، فهو لا ينعقد. نذر الشرك لا ينعقد. فإذا كان لا ينعقد، فليس فيه كفارة. ونستفيد من هذا مسائل. المسألة الأولى: ما سمعت من أنه لا كفارة في النذر الذي وقع على وجه الشرك. والمسألة الثانية: أنه لا يترتب على هذا النذر خروج هذا من الملك. يعني مثلًا نذر الأب بمزرعة من المزارع أنها للقبة الفلانية من القباب التي تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. ومع الله، فهذا النذر نذر شرك، ولم ينعقد. ومعنى ليس على الورثة بأس إذا مات الأب أن يأخذ الأرض وأن يقسموها قسم التركة. لأن هذا النذر نذر لم ينعقد. بخلاف لو أنه نذر نذرًا مشروعًا، فإنه لا يجوز لهم أن يأخذوه ولا أن يغيروه ولا يبدلوه؛ لأن الله عز وجل نهى عن ذلك. فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه. أما إذا كان نذرًا كهذا، فإنه لا بأس بقسمة هذا المندور للورثة. ومثله مثلًا لو وجد نذر لا يعلم من نذر لشيء من هذه المواضع الشركية، فيسر الله بإمام سنة، فهدم هذه المواضع الشركية، سواء هدمت حسًا أو هدمت معنى. فأين تذهب هذه النذور؟ الجواب: إن كان لها مالك رجعت للمالك، وإن كان ليس لها مالك حولت إلى نذور صحيحة مشروعة. كأن تحول إلى بيوت الله -المساجد- أو دور العلم والتحفيظ أو غير ذلك من أبواب الخير المباح المشروع الجائز. مثلًا مسجد من المساجد فيه قبر، وحول هذا القبر مزارع أوقفت نذرًا على هذا القبر. فيسر الله بصاحب سنة، فأخرج هذا القبر وهدم ذاك التابوت، سواء كان بتأييد ولي الأمر أو بإقرار ولي الأمر وعدم معارضته. المهم تيسر هذا بيد هذا السني الموحد، فماذا يصنع بهذا المنذور؟ الجواب: يحوله إلى أهله إن كان له أهل. مثلًا هذه الأرض معروفة لفلان ابن فلان، هل له ورثة؟ نعم له ورثة، يقال لورثته: هذه الأرض لأبيكم، وهذا نذر وقع على وجه الشرك وهو لا ينعقد، فهذه الأرض خذوها وقسموها بينكم. فإن قالوا: لا نحن ما نريدها، أو أرض ما يعرف لها مالك، فإنه تحول إلى نذر صحيح ووقف صحيح. فيقال مثلًا: هذه الأرض تجعل لمسجد كذا وكذا؛ لأنه يحتاج إلى وقف للنفق عليه، والنفق على من يقوم عليه، أو كذلك في مدارس وتحفيظ وغير ذلك. والمسألة الثانية أو الفائدة الثانية مما يتعلق بهذا الباب: أن هذا الباب -باب النذر- يرتبط به كثيرًا الوقف. والوقف عبادة من العبادات الأخرى، فإن النذر يلتحق به ويذكر معه كثيرًا الوقف. فكذلك يقال في الأوقاف ما يقال في النذور. يقال في الأوقاف ما يقال في النذور، فإن من أوقف شيئًا لشيء من المواضع الشركية أو ما هو شرك، فهو شرك؛ لأن الوقف ينبغي أن يكون لله سبحانه وتعالى، لا ينبغي أن يكون لغير الله. فإذا أوقف على شرك، على معنى من معاني الشرك، فهو شرك. ويقال فيه بمثل ما قيل في النذر. إلا أن الوقف -كما هو معلوم في كتب الفقه- ليس هو كالنذر الذي فيه كفارة؛ لأن النذر بمثابة اليمين. لكن الوقف يشبه النذر من جهة إخراج شيء من المال أو إيقاف شيء من المال على وجه الإلزام، يلزم نفسه بأن هذا المال لكذا وكذا. ويقال فيه بمثل ما قيل في النذر في قضية أنه لا ينعقد إذا كان في شرك. فيقال فيه بمثل ما قيل من قبل. والله تعالى أعلم. هذه أسئلة، لكن نتركها إن شاء الله لانتهاء الوقت إلى الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.