القول السديد في مقاصد التوحيد  100

القول السديد في مقاصد التوحيد 100

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 100، الدرس المائة:من( باب لا يقال:السلام على الله ... وأما المطالب الدنيوية والأمور الدنية وإن كان العبد لا يسألها إلا من ربه فإنه لا يسألها بوجهه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مسائل التوحيد ونهي النبي عن ألفاظ توهم الشرك

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قول السلام على الله لأنه هو السلام، وبين أن التحية لله تكون بالثناء عليه بأسمائه وصفاته. كما نهى عن ألفاظ توهم الشرك مثل 'ربك'.

تحقيق العبودية في الدعاء وآدابه

يناقش النهي عن الاستثناء في الدعاء، ويبين أهمية تعظيم الرغبة في الدعاء وتحقيق العبودية لله. كما يفرق بين الدعاء بالأمور النافعة وغيرها.

أحكام السؤال بالله والثناء على الآخرين وآداب الرد

يتناول أحكام السؤال بالله وتعظيمه، وآداب الرد على الدعوات، وكيفية الثناء على الآخرين، مشيرًا إلى أهمية إجابة من سأل بالله.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: باب لا يقال السلام على الله. قال في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام. فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية. الثالثة: أنها لا تصلح لله. الرابعة: العلّة في ذلك. الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره للمسائل التي تنافي التوحيد، فقال: باب لا يقال السلام على الله. وذلك لأن هذا منافٍ للأدب مع الله جل وعلا، فهو قادح يقدح في كمال التوحيد. لأن حقيقة السلام هو السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشرور والعيوب، والله جل وعلا هو سبحانه وتعالى الذي يسلم من ذلك، فهو المطلوب منه لا المطلوب له؛ لأنه السلام ومنه السلام، وهو المدعو لا المدعو له، وهو العلي الغني جل وعلا السالم من كل نقص وعيب، بل هو المسلم لعباده سبحانه وتعالى. ولذلك ورد هذا الحديث: حديث ابن مسعود الذي أورده، فإن الصحابة كانوا يقولون: السلام على الله، أي بعضهم يقولون: السلام على الله من عباده، يظنون أن ذلك من تعظيم الله، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا لا يجوز، فقال لهم: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام. لماذا؟ لأن الله هو الذي يدعى ويطلب منه السلام، فهو المطلوب منه لا المطلوب له؛ لأنه سالم في نفسه سبحانه وتعالى، مسلم لعباده، فلذلك السلام لا يكون على الله بل السلام يكون من الله، فهذا أدب من الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها العباد مع الله. وهو كذلك في كل ما كان بمعنى؛ لأن الله جل وعلا العظيم الكامل سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله جل وعلا ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. هذا الحديث تضمن عين هذه المسألة، وتضمن كذلك ما كان بمعناها مما يكون هو من أفعال الله ومما يطلب من الله، فإنه لا يجعل لله، بل الله عز وجل الغني العلي السالم من كل نقص وعيب، وهو المسلم لعباده جل وعلا، فهو السلام ومنه السلام تبارك ذو الجلال والإكرام جل وعلا. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ﴾ يتضمن ذلك معنيين: أن المعنى الأول طلب السلامة منه سبحانه وتعالى لا له، كما دل عليه ظاهر الحديث، والمعنى الثاني: ذكر الله جل وعلا به ودعاؤه به سبحانه وتعالى، فهو اسم من أسماء الله الحسنى التي يدعى بها جل وعلا. وقوله: فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام، أي أن السلام كما تقدم حقيقته: السلام والبراءة والخلاص والنجاة من الشرور والعيوب، فإذا كان كذلك فالله وحده هو الذي يملك هذا، فإذا يطلب منه ولا يطلب له. وإذا علمنا ذلك علمنا أنه يطلب منه لا يطلب من غيره، وإن كان هناك سلام من غيره فهو النسبي ناقص، وأما السلام المطلق فهو من الله سبحانه وتعالى. وقوله: الثانية: أنه تحية، أي بين العباد، أما مع الله جل وعلا فلا يصلح أن تكون تحية له، بل يطلب منه ولا يطلب له؛ لأنه سبحانه وتعالى هو السلام ومنه السلام. قال: الثالثة: أنها لا تصلح لله، كما تقدم. قال: الرابعة: العلّة في ذلك، كما تقدم. قال: الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله، وذلك كما علمنا في التشهد: ماذا نقول؟ التحيات الصلوات الطيبات المباركات لله، فهذا الثناء على الله والتحية لله. ولهذا نسمي هذه: التحيات التي تكون قبل التشهد، فتحية الله تكون بالثناء عليه بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، لا بالسلام الذي يكون بين الخلق؛ لأنه جل وعلا هو السلام ومنه السلام. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: باب لا يقال السلام على الله. قال: وقد بيّن صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ﴾، فهو تعالى السلام السالم من كل عيب ونقص وعن مماثلة أحد من خلقه، له وهو المسلم لعباده من الآفات والبليات. فالعباد لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، كما جاء بالحديث القدسي: «بل هم الفقراء إليه المحتاجون إليه في جميع أحوالهم، وهو الغني الحميد». وتضمن ذلك كما تقدم أولًا: أنه جل وعلا هو السلام ومنه السلام، فيطلب منه جل وعلا. ثانيًا: أنه لا يطلب من غيره. ثالثًا: أنه كذلك يكون معناه في كل ما هو بمعناه من خصائص الله، فما كان بمعنى ذلك فإنه ينزّه عنه الرب جل وعلا؛ لأنه يطلب منه ولا يطلب له. وهكذا كذلك فيه ما تقدم من أنه سبحانه وتعالى يثنى عليه بأسمائه وصفاته، فتحية الرب جل وعلا بالثناء عليه بأسمائه وصفاته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قولي: اللهم اغفر لي إن شئت. قال في الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكرها له». قال: «ولمسلم: وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا تعظمه شيء أعطاه» يعني إلا أعطاه. فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك. الثالثة: قوله: ليعزم المسألة. الرابعة: تعظيم الرغبة. الخامسة: التعليل لهذا الأمر. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب كذلك في سياق ذكره للأبواب التي تضمنت النهي عن المسائل التي تنافي التوحيد، إما أن تنافي كماله وإما أن تنافي أصله. ومن ذلك قول القائل: اللهم اغفر لي إن شئت، فقد جاء النهي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لأمرين. الأمر الأول: لأنه يكون في معناه شيء من النقص، وصف الرب جل وعلا بشيء من النقص، فإن معناه: كأنه يقول: ارحمني إن قدرت، ارحمني إن استطعت، والله جل وعلا لا معجز له، وهو جل وعلا على كل شيء قدير. ولهذا قال: «فإن الله لا مكرها له»، فلا يجوز هذا الظن السيء بالله جل وعلا، وهذا منافٍ للتوحيد، فإن كمال التوحيد يقتضي كمال التعظيم لله جل وعلا اعتقادًا وقولًا وعملًا، ومن ذلك: نفوذ عموم قدرته ومشيئته سبحانه وتعالى، وأنه على كل شيء قدير. والأمر الآخر: أن فيه إيحاء بفتور العبد وقلة رغبته واهتمامه بتكفير ذنوبه؛ لأنه ينبغي أن يكون حريصًا على مغفرة ذنوب نفسه، وذلك يكون بالإلحاح وبكثرة التجديد بالدعاء على نفسه. فقوله: «إن شئت» فيه هذا المعنى من فتور الرغبة وقلة الاهتمام، فلهذين الأمرين وما يدخل تحتهما من أمور جاء النهي عن هذا اللفظ في الدعاء. ثم أورد حديث أبي هريرة، وهو ظاهر الدلالة على المقصود: «لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة» لماذا؟ تعظيمًا لله، وهكذا كذلك اعترافًا بعبودية العبد لربه وأنه فقير إلى الله، فلذلك فهو يخاف من ذنوبه وهو حريص على مغفرتها، وهذا حقيقة تحقق العبودية في العبد. وفي رواية مسلم: «وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه»، وهو يتناول المعنيين جميعًا: ليعظم الرغبة، أي: بإلحاح الدعاء والاهتمام بمغفرة الذنوب وحصول المطلوب. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة العبد إذا دعا أن يلح بالدعاء؛ فإن الله لا يرد سائلًا سبحانه وتعالى. وقوله: فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء، علمنا ما معنى الاستثناء بهذا الحديث بقوله: «إن شئت»، وأنه في الدعاء لا يجوز؛ لأنه سوء أدب مع الله، ولأنه كذلك نقص في تحقيق معنى العبودية من العبد. وقوله: الثاني: بيان العلة في ذلك، كما ذكر في الحديث برواياته، وذلك لعلتين: العلة الأولى: تعظيمًا لله، والعلة الثانية: تحقيقًا لمعنى عبودية العبد لربه وخالقه. وقوله: الثالث: قوله: ليعزم المسألة، يعني بترك هذا الاستثناء، فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، بل من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»، فهو من الإلحاح بالدعاء. وكان يرفع يديه عليه الصلاة والسلام بالدعاء حتى يظهر أو يظهر بياض إبطيه عليه الصلاة والسلام، فهو إلحاح بلسان الحال وبلسان المقال. وقوله: الرابع: تعظيم الرغبة، يعني في حصول المطلوب؛ لأن في هذا الافتقار عبودية من العبد، والله جل وعلا يحب من عباده من اتصف بصفة العبودية. ولهذا وصف أنبياءه ورسله عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف، منهم نبينا عليه الصلاة والسلام في أشرف المقامات، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، وغيرها من الآيات التي تدل أن من أعظم صفات عباده التي يمتدحها الرب جل وعلا: تحقيق العبودية منهم له جل وعلا. ولهذا قال: «وليعظم الرغبة»؛ لأن في هذا تحقيق لمقام العبودية. وقول الخامس: التعليل لهذا الأمر، يعني في قوله: «فإن الله لا تعظمه شيء يعطاه»، وهذا هو المعنى الثاني؛ لأن تحقيق عبودية العبد بالإلحاح بالدعاء، والدعاء من أعظم العبادات، يدل على تعظيمه لخالقه وربه سبحانه وتعالى. والله جل وعلا هو العظيم الذي لا يعجز أن يعطي عباده جل وعلا ما شاء. قال الشارح رحمه الله: باب قولي: اللهم اغفر لي إن شئت. قال: الأمور كلها وإن كانت بمشيئة الله وإرادته، فالمطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة، والمطالب الدنيوية المعينة على الدين كسؤال العافية والرزق وتوابعه، قد أمر العبد أن يسألها من ربه طلبًا ملحًا جازمًا. وهذا الطلب عين العبودية، ومخها عين العبودية، ولا يتم ذلك إلا بالطلب الجازم الذي ليس فيه تعليق بالمشيئة؛ لأنه مأمور به، وهو خير محب لا ضرر فيه، والله تعالى لا يتعاظمه شيء. وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين سؤال بعض المطالب المعينة التي لا يتحقق مصلحتها ومنفعتها، ولا يجزم أن حصولها خير للعبد، فالعبد يسأل ربه ويعلقها على اختيار ربه له أصلح الأمرين. كالدعاء المأثور: «اللهم حيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاء خيرًا لي»، وكدعاء الاستخارة. وهذا تنبيه لطيف من المؤلف والشارح رحمه الله لبعض الأدعية التي ورد فيها التخيير والاستثناء، وأن ذلك محمول على ما فيه من معنى لا يقصد به معنى تحقق التعبد لله عز وجل، وإنما فيه عبادة أخرى وهي تمام التوكل والتفويض من العبد للرب جل وعلا وعلى الرب جل وعلا. فكأنه يقول: يا ربي توكلت عليك وفوضت أمري إليك، فاختر لي ما ترى أنه خير لي، وهذا فيما لا يعلمه من الغيب، بخلاف مغفرة الذنوب وحصول الرزق والعافية، فإنه يجزم بها. أما كونه لا يعلم: الحياة خير له أو عليه، فهذا مما يصلح فيه التخيير، بل لأن الأصل في الحياة أن فيها الخير، فإذا خشي أن لا يكون فيها ذلك، فإنه يؤمر بأن يقول هذا الدعاء. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي أن يدعو الإنسان على نفسه بالموت والهلاك، ولكن ليقل: يعني لضر أصابه ليقل: «اللهم حيني إن علمت أن الحياة خير لي، وأمتني أو توفني إذا علمت أن الوفاء خير لي». وهكذا دعاء الاستخارة، فإن المستخير متردد في أمر لا يدري: فيه الخير أم لا؟ ولهذا فإنه يدعو في دعاء الاستخارة ويحيل الأمر إلى علم الله عز وجل وحكمته، فيقول: «إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير في ديني ودنياي وعاقبة أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث كان». فالأمر يدور مع التي وجودًا وعدمًا. قال رحمه الله: فافهم هذا الفرق اللطيف البديع بين طلب الأمور النافعة المعلوم نفعها وعدم ضررها، وأن الداعي يجزم بطلبها ولا يعلقها، وهكذا وردت به الأدلة. وبين طلب الأمور التي لا يدري العبد عن عواقبها ولا الرجحان نفعها على ضررها، فالداعي يعلقها على اختيار ربه الذي أحاط بكل شيء علمًا وقدرة ورحمة ولطفًا، وهكذا كذلك وردت في هذه الأدلة. وهو سبحانه وتعالى العظيم الحكيم العليم، ففي القسم الأول: يدعى بغير استثناء، وفي القسم الثاني: يدعى بهذا المعنى الذي فيه الإحالة إلى علم الله وحكمته وقدرته سبحانه. قال رحمه الله تعالى: باب لا يقول عبدي وأمتي. قال في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقول أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقول: سيدي ومولاي، ولا يقول أحدكم: عبدي وأمتي، وليقول: فتاي وفتاتي وغلامي». فيه مسائل: الأولى: النهي عن قول عبدي وأمتي. الثانية: لا يقول العبد ربي، ولا يقول له: أطعم ربك. الثالثة: تعليم الأول: قول فتاي وفتاتي وغلامي. الرابعة: تعليم الثاني: قول سيدي ومولاي. الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب كذلك تبعًا لما سبق في التنبيه على المسائل التي تنافي التوحيد، فيطلب من العبد أن يجتنبها. ومن ذلك الألفاظ التي تنافي تحقيق التوحيد، وإن كان صاحبها لا يقصد معنى تلك الألفاظ، لكن تعظيمًا لله وتأدبًا في مقام الرب جل وعلا، فإنه يجتنبها. فإن طلب تحقيق التوحيد لا ينحصر في المعاني، بل كذلك في الألفاظ. ولما كانت هذه الألفاظ فيها من إيهام المشاركة في الربوبية، فإن الشرع نهى عنها سدًا لذريعة الشرك وتحقيقًا لمقام التوحيد. وهذا كما نرى فيما يقع منه معنى التعبد، وأما ما لا يقع منه معنى التعبد فيجوز فيه إضافة مثل هذه الألفاظ كالحيوان والجماد، فتقول: فلان رب الدار، وفلان رب الدابة؛ لماذا؟ لأنه لا التباس. فلما لم يكن هناك التباس كان هذا من المأذون المشروع. ولما كان في حق بني آدم ومن يعقل يقع الالتباس منع منه سدًا لذريعة الشرك وحماية لحمى التوحيد. وعلى هذا المعنى جاء هذا الحديث وأحاديث أخرى بمعناه. ففي هذا الحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول أحدنا: أطعم ربك، ويريد سيدك، يأمر الغلام أن يطعم سيده فيقول: ربك، فهو من الناحية اللغوية والعرفية رب له يعني مالك. ولكن لما كان فيه اشتباه نهى عنه الشرع لما فيه من معنى الاشتباه في مقام الربوبية مع الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا هو المالك الحقيقي، وملك العبد ملك نسبي ناقص. وهكذا كذلك ما كان بمعناها من عبارات مثل: وضع ربك، طهر ربك، ونحوها، ثم علم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: سيدي ومولاي. وإن كان قد جاء في رواية لمسلم أنه قال: «ولا مولاي؛ فمولاكم الله»، فحتى السيد والمولى إذا ترك فهو أفضل. وقوله: «ولا يقول أحدكم: عبدي وأمتي»، كذلك للاشتباه بين معنى العبد الذي يراد به الملك: ملك اليمين والأمة، وبين العبودية لله عز وجل. ولهذا علم فقال: «وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي». ولهذا فالأفضل والأكمل أن يجتنب المسلم كل اللفظ فيه معنى الاشتباه. قال رحمه الله تعالى: فيه مسائل: الأولى: النهي عن قول عبدي وأمتي، تقدم أن الحديث يدل النهي عليه. وقوله: الثاني: لا يقول العبد ربي، ولا يقول له: أطعم ربك، كذلك؛ لأن الحديث نهى عنه، فهذا من جهة الدليل. وأما من جهة التعليل فكما تقدم: لما فيه من معنى الاشتباه والمشاركة الموهمة لعدم إثبات الربوبية على أكمل وجوه لله عز وجل. فسدًا لذريعة الشرك وحماية لحمى التوحيد نهي عن ذلك. وإذا لم توجد هذه العلة كأن يكون مع من لا تعبد له كالحيوان والجماد فلا بأس به، كما نص العلماء على ذلك: كرب الدار ورب الدابة ونحو ذلك. وقوله: الثالث: تعليم الأول: قول فتاي وفتاتي وغلامي، المراد بالأول: أي المالك الذي هو السيد والمولى. وقوله: الرابع: تعليم الثاني: قول سيدي ومولاي، يعني العبد والأمة أن يقول كل منهما هذا اللفظ، ويجتنب لفظ الرب. وكما سبق: لو أمكن تجاوزها إلى غيرها لكان أفضل. وقوله: الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ، يعني ولو لم ينوي ما دام اللفظ فيه اشتباه وإيهام، فينبغي أن يجتنب. وكما يقال هذا في حق هذا اللفظ، فكذلك ما كان بمعناه من ألفاظ يكون فيها معنى الإيهام والاشتباه، وهذا نفيًا وإثباتًا كما مر معنا في أبواب سابقة. كما لا يجوز أن يوصف العبد بذلك، كذلك لا يجوز التعبيد لما يوهم أنه تعبيد للعبد، كما مر معنا في مثل: عبد الولي إذا أريد به أو التبس واشتبه أن يراد به الولي الذي يعبد من دون الله. قال الشارح رحمه الله: قوله: باب لا يقول عبدي وأمتي. قال: وهذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول عبدي وأمتي إلى فتاي وفتاتي تحفظًا عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور ولو على وجه بعيد. وليس حرامًا، وإنما الأدب كما لا التحفظ بالألفاظ الطيبة التي لا توهم محذورًا بوجه. وبعض أهل العلم يرى أن هذا الحديث على ظاهره وأنه يقتضي التحريم في لفظ رب خاصة. ولكن المؤلف رحمه الله قال ذلك كما قال غيره كثير من أهل العلم جمعًا بين الأدلة التي وردت فيها إقرار بعض هذه الألفاظ. وبعض أهل العلم قال: تلك الأدلة قد تحمل أنها قبل هذا النهي. وعلى كل حال لا شك أن الأحوط والأفضل والأكمل اجتناب كل لفظ يوهم هذه المشاركة التي الدليل والتعليل يدل على قضاء اجتنابها. قال: قال رحمه الله: فإن الأدب في الألفاظ دليل على كمال الإخلاص، وكذلك كمال التعظيم لله عز وجل، خصوصًا هذه الألفاظ التي هي أمس بهذا المقام: يعني مقام ربوبية الرب جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: باب لا يرد من سأل بالله. قال عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعاذ بالله فأعذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». قال: رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح. فيه مسائل: الأولى: إعادة من استعاذ بالله. الثانية: إعطاء من سأل بالله. الثالثة: إجابة الدعوة. الرابعة: المكافأة على الصنيعة. الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه. السادسة: قوله: حتى تروا أنكم قد كافأتموه. قوله رحمه الله: باب لا يرد من سأل بالله، يريد رحمه الله تعالى أن يبين معنى آخر من المعاني التي يكون فيها تعظيم الرب جل وعلا، ومما يكون به كمال التوحيد، وأن منافاته ينقص من التوحيد. ثم أورد حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، ومعنى جاء في أحاديث كثيرة، وفيه: «من استعاذ بالله فأعذوه»، وهو على إطلاقه يقتضي الاستجابة بإعادة من استعاذ بالله. وقد يكون ذلك واجبًا أو مستحبًا أو يكون على وجه الإرشاد بحسب هذا المقام الذي يكون فيه إعادة المستعاذ. وهل لا يجوز أن لا يعاد؟ الجواب: إن سأل ما لا يجوز فإنه لا يعاد، فيأثم السائل. إن سأل ما لا يجوز أن يسأله وهو يعلم أنه سيرد، أو حتى إذا كان هو غير محتاج لهذا السؤال، كما يحرم رد السائل مع القدرة تعظيمًا لله، فإذن قد يأثم السائل وقد يأثم المسؤول إذا وقعت الاستعادة ولم يحصل التحقيق لتعظيم الله عز وجل في تحقيق هذه الاستعادة أو حصل السؤال بالله ولم تكن الإجابة. والذي يأثم هو الذي وقع منه الاعتداء في هذا السؤال أو في عدم إجابة السؤال، فقد يكون من السائل وقد يكون من المسؤول. والأصل أن الإنسان يعظم الله، ومن تعظيمه لله: أنه لا يجعل لفظ الجلالة على وجه اللغو، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. والكثار من الحلف هو من صفات المشركين، ليس هو من صفات المؤمنين؛ لأن المشركين لا يعظمون الله، وأما أهل الإيمان؛ لأنهم يعظمون الله، فإنهم لا يكثرون من الحلف. ومن ذلك أنهم لا يكثرون السؤال بالله أو الاستعاذ بالله إلا من شيء عظيم. وهكذا كذلك المسؤول إذا سئل فإنه يجيب تعظيمًا لله فيما سئل بالله أو استعيد بالله. ولهذا جاء هذا الحديث: «من استعاذ بالله فأعذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه»، فالأول والثاني فيه تعظيم الرب جل وعلا بتعظيم أسمائه وصفاته. والثاني فيه إجابة الدعوة، خصوصًا الوليمة. وقوله: «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه»، فيه كذلك رد الإحسان بالإحسان. فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه، فيه أنه إذا لم يجد فلا أقل من أن يدعو له. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الرجل إذا قال لأخيه: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء»، كما جاء من حديث أبي هريرة وابن عمر وصححه العلامة الألباني في مواضع من كتبه. وجاء عن غيرهما، فهذا من الدعاء. وقوله رحمه الله: فيه مسائل: الأولى: إعادة من استعاذ بالله، أي إذا كان سؤاله بحق أو كان لا يضر المسؤول أن يجيب من سأل تعظيمًا لله، ولو كان سؤاله بغير حق. أما إذا خالف الشرع أو أوجب الضرر فلا يجب إجابته. ومن ذلك ما ثبت في البخاري وغيره من حديث عائشة ومعناه من حديث أبي أسيد، وجاء كذلك عن غيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة جونية، جاء في بعض الروايات: يقال لها أميمة بنت شراحيل. فلما أدخلت عليه قالت: أعوذ بالله منك، فقال: «قد عذت بمعاذ وألحقها بأهلها عليه الصلاة والسلام، وأمر لها بثوبين رازقيين» يعني من كتان أبيضين فيهما زرقة. والشاهد من الحديث: هذه المرأة لجهلها، وقيل: أنها ندمت بعد ذلك، وكانت قد قالت هذه العبارة كما قيل: خوفًا؛ لأنها لم تزوج قبل، فقالت هذه العبارة، فأعاذها النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الذي قالته ليس بحق، لكن تعظيمًا لله أجابها النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «قد عذت بمعاذ وألحقها بأهلها»، وإعطاء الثوبين هو متعة المطلقة. وقوله: الثاني: إعطاء من سأل بالله، كذلك إذا سأل ما لا يخالف الشرع وليس فيه ضرر، وإلا فالسائل يأثم والمسؤول لا يأثم. وأما إذا كان المسؤول لا يضره ولا يخالف الشرع إجابة سؤال السائل وهو قادر على ذلك، فليجبه تعظيمًا لله حتى ولو كان فيه مشقة ما دام لا يضره تعظيمًا لله يجيب في ذلك. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا». وسيأتي معناه إن شاء الله في الباب الذي بعده، وفيه قصة لطيفة. والحديث ذكره العلامة الألباني في الصحيحة حديث 2290. وذلك أن يزيد بن المهلب أحد الأمراء سأل أن يدلوه على رجل كل خصال الخير، يعني يهلك نفسه في باب الخير، فدل على أبي بردة بن أبي موسى. فلما أتاه طلب منه أن يوليه يعني إمارة وعمل من أعمال الإمارة، فطلب منه أن يعفو وأن ينظر غيره، فأبى إلا أن يوكله في ذلك. فقال: «ألا أخبرك بحديث سمعته عن النبي صلى الله عليه وسلم؟» قال: «وما هو؟» قال: سمعت أبي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تولى عملًا وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل بأهل، فليتبوأ مقعده من النار». وأنا أيها الأمير لست بأهل، أشهد أني لست بأهل لهذا العمل، فقال الأمير: «ما ازددت إلا ما ازددت أو قال: ما ازددت إلا أن حرجتني على نفسي ورغبتني فيك، لا أعفيك أبدًا عن هذا العمل». قيل: فتولى هذا العمل أياما ثم استأذنه أن يرجع إليه، فرجع إليه فقال: «ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم؟» قال: «وما هو؟» فذكر له الحديث: «ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا». فقال: «إني أسألك بوجه الله أن تعفيني من هذه الولاية»، فقال: «قد أجبتك». وفيه تعظيم السلف الراعي والرعية في ذلك الوقت لله سبحانه وتعالى. وقوله: الثالث: إجابة الدعوة، يعني إجابة الدعوة لما ورد في هذا الحديث على أن له تفاصيل تذكر بكتب الفقه. وقول الرابع: المكافأة على الصنيعة، يعني فيما يتعلق بالشكر، كما ورد في الحديث: إذا قال الرجل لأخيه: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء. يعني إذا لم يستطع يكافئه بالمثل، مثلا أهداك تهدي له، فإذا لم يستطع فلا أقل أن يقول: جزاك الله خيرًا، بل حتى ولو كنت أنت المحسن، فرد بالثناء الحسن. ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت ترسل بالهدية، فيقول من أرسل إليهم: غفر الله لها، فإذا بلغت فتقول: وغفر الله لهم. وإذا قيل: قالوا: جزاها الله خيرًا، قالت: وجزاهم خيرًا، وهذا من حسن أدب السلف في المكافأة حتى في الألفاظ. وقول الخامس: الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه، كما تقدم. قوله السادس: قوله: حتى تروا أنكم قد كافأتموه، يعني يبالغ في الثناء والدعاء، ولا يلزم أن يظهر ذلك للمدعو له. قال رحمه الله: باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة. قال عن جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة». رواه أبو داود. فيه مسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. الثانية: إثبات صفة الوجه. أورد رحمه الله هذا الباب تبعًا لما سبق من تعظيم الله عز وجل، وأن لا يسأل به إلا في عظيم. ومن ذلك السؤال بوجهه. وأما الحديث الذي أورده فهو حديث ضعيف لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يغني عنه ما تقدم من حديث أبي موسى رضي الله عنه وأرضاه، فهو يدل على المقصود: أي تعظيم السؤال بوجه الله. ويقال فيه بمثل ما قيل في الباب الذي قبله، وفيه كذلك إثبات كما قال: الوجه لله على ما يليق بجلال وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فقوله: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب، يعني أعظم المطالب. أما تخصيص السؤال بوجه الله بالجنة، فالحديث لم يصح به، بل صح خلافه بحديث أبي موسى. وقوله: إثبات صفة الوجه، كما تقدم. قال الشارح رحمه الله: باب لا يرد من سأل بالله، وباب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة. قال: الباب الأول: خطاب للمسؤول، وأنه إذا أدل على الإنسان أحد بحاجة وتوسل إليه بعظم الوسائل، وهو السؤال بالله أن يجيب احترامًا وتعظيمًا لحق الله. كما تقدم: ما لم يطلب حرامًا ومحظورًا شرعيا أو ما فيه ضرر، وما ليس كذلك فلو كان فيه تكلفة تعظيمًا لله يجيب، قال: وأداء لحق أخيه حيث أدلى بهذا السبب الأعظم: يعني اسم الله. قال: والباب الثاني: خطاب للسائل، وأنه ينبغي أن يحترم أسماء الله وصفاته، وأن لا يسأل شيئًا من المطالب الدنيوية بوجه الله، بل لا يسأل بوجهه إلا أهم المطالب وأعظم المقاصد، وهي الجنة بما فيها من النعيم المقيم ورضا الرب والنظر إلى وجه الكريم والتلذذ بخطابه. فهذا المطلب الأسنى وهو الذي يسأل بوجه الله. والصحيح أن الحديث لم يصح، لكن بالحديث الآخر: حديث أبي موسى، وما ورد بمعناه في هذا الباب يدل أنه لا يسأل إلا في شيء عظيم، وإذا سئل فإنه يجاب. قال: وأما المطالب الدنيوية والأمور الدنيئة، وإن كان العبد لا يسألها إلا من ربه، فإنه لا يسألها بوجهه: يعني تعظيمًا لله سبحانه وتعالى.