شرح أصول السنة للرازيين 10

شرح أصول السنة للرازيين 10

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 10، الدرس العاشر:من( والجنة حق والنار حق وهما مخلوقتان لا يفنيان أبداً والجنة ثواب لأوليائه والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله عز وجل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عقيدة أهل السنة والجماعة في الجنة والنار

يؤكد الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك على عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بالجنة والنار وأنهما مخلوقتان. الإيمان بوجود الجنة والنار ركن من أركان الإيمان.

أدلة وجود الجنة والنار من القرآن والسنة

دلت أدلة كثيرة من القرآن والسنة على وجود الجنة والنار، منها ذكر الجنة والنار في القرآن في أكثر من خمسمائة موضع وحديث الإسراء. الجنة والنار مخلوقتان ولا تفنيان.

خلود الجنة والنار وثواب وعقاب الله

الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان، ويعذب الله بالنار أهل المعصية والكفر، بينما يثيب أوليائه بالجنة. أهل التوحيد الذين يدخلون النار يعذبون بقدر معصيتهم ثم يخرجون منها.

الجنة كثواب إلهي لأوليائه

الجنة هي ثواب من الله لأوليائه كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة. هذا الثواب هو نتيجة لعلاقة بين العبد وربه.

  • 20 جمادى الآخرة 1430هـ - 13/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الرازيان، رحمهم الله تعالى: «والجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان لا يفنيان أبدًا، والجنة ثواب لأوليائه، والنار عقاب لأهل معصيته، إلا من رحم الله عز وجل». كذلك مما ذكراه رحمهم الله تعالى عن علماء الأمصار، مما هو عقيدة أهل الإسلام، أهل السنة والجماعة، وما نقل عن سلف الأمة، وما تضافرت به أدلة الكتاب والسنة: أن الجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان لا يفنيان أبدًا. وأدلة هذه الجمل كثيرة من الكتاب والسنة، وسيأتي الإشارة إلى شيء منها إن شاء الله تعالى. وقد نقل معنا هذه الجمل غير واحد من أهل كتب الاعتقاد. فقد ذكر ذلك الآجري رحمه الله في كتاب «الشريعة»، وجعل له فصلًا خاصًا. وهكذا أيضًا ذكر جملًا منه أن لالكاء رحمه الله في «أصول الاعتقاد»، وهكذا أيضًا ابن بطة في «الإبانة»، وغيرهم ممن صنفوا في الاعتقاد. وقد نص عدد من الأمة على ذلك، ومن ذلك على وجه الاختصار ما ذكر في «أصول السنة» للإمام أحمد رحمه الله تعالى، فقد قال في آخر هذه الأصول: «والجنة والنار مخلوقتان، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». ثم ذكر عددًا من الأحاديث، قال: «دخلت الجنة فرأيت قصرا»، يشير إلى قصة حديث عمر، قال: «ورأيت الكوثر، واطلعت في الجنة فرأيت أهلها كذا، واطلعت في النار فرأيت كذا ورأيت كذا». قال بعد ذلك: «فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار». وهكذا أيضًا ذكر نحوًا منه ابن خزيمة رحمه الله تعالى في كتابه «كتاب التوحيد»، فقد أشار رحمه الله إلى معنى هذه الجمل، فقال رحمه الله تعالى في ذلك: «الجنة والنار مخلوقتان، لا كما دعت الجهمية أنهما لم تخلقا بعد». ثم ذكر عددًا من الأدلة في ذلك. وهكذا ذكر أبو أحمد الحاكم في كتابه «شعار أصحاب الحديث»، قال: «والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان». ثم ذكر جملًا رحمه الله تعالى. وهكذا ذكر معنى ذلك الإمام البربهاري رحمه الله في «شرح السنة»، فقال رحمه الله تعالى: «والإيمان بأن الجنة حق، والنار حق، وأنهما مخلوقتان، الجنة في السماء السابعة وسقفها العرش». ويشير إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أعلى الجنة وأوسطه، وفوقه عرش الرحمن». قال: «والنار تحت الأرض السابعة السفلى، وهما مخلوقتان قد علم الله تعالى عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، لا تفنيان أبدًا، بقاؤهما مع بقاء الله أبد الآبدين ودهر الداهرين». وهذا كذلك يشير به إلى حديث علي في الصحيحين: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار». وقال: «إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة». ومعنى حديث بن مسعود في الصحيحين: حتى قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث علي- قال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «من كان من أهل السعادة فسيسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيسر إلى عمل أهل الشقاوة». إلى أن قال بعد ذلك: ثم تلى قول الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۞ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ۞ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۞ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. وهكذا جاء معناه في حديث عبد الله بن عمر فيما رواه الترمذي بإسناد صحيح، وذكره شيخنا رحمه الله في «الصحيح المسند». وهكذا كذلك صححه العلامة الألباني بالصحيحة في المجلد الثاني، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج لأصحابه كتابًا، وأشار إلى ما في يمينه: «أن فيه أسماء أهل الجنة بقبائلهم وأسماء آبائهم، وأسماء أهل النار بأسمائهم وأبائهم وقبائلهم» الحديث. وهذا كذلك مما يؤمن به أهل السنة والجماعة، كما دلت به أو عليه الأدلة. وهكذا أيضًا ذكر الأشعري رحمه الله في كتابه «الإبانة»، قال: «ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان». ثم ذكر كلامًا بعد ذلك. ونحو ذكر في كتابه «مقالات الإسلاميين». ونحو ذلك ذكر العسكري في «تبيين كذب المفتري»، وذكر نحو ذلك، قال: «وأن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل الإيمان يخرجون من النيران». أما الدليل على ذلك فهي كثيرة، ومن ذلك ذكر الجنة في كتاب الله عز وجل في أكثر من خمسمائة موضع، والنار ذكر الجنة والجنات في أكثر من خمسمائة موضع. وهكذا أيضًا ذكر النار قريبًا من ذلك. وفي صحيح مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة» الحديث. وهكذا أيضًا ما جاء في ذكر حديث الإسراء وعرض الجنة والنار على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر شيء من أهوالها وأخبار أهلها. وقد جاء في الصحيح كذلك معناها عن ابن عباس وغيره. وهكذا أيضًا ما جاء في حديث أبي سعيد، وهو مما فيه كذلك أن الجنة والنار مخلوقتان ولا تفنيان، وأن أهلهما يخلدون فيهما، إلا أهل التوحيد يخرجون من النار ممن استحق دخول النار. وقد جاء فيه أن الموت يذبح كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيشرئبون فيقولون: هذا الموت. ويقال لأهل النار نحو ذلك، ثم يقال: فيذبح بين الجنة والنار، فيقال لأهل الجنة: خلود ولا موت، ويقال لأهل النار: خلود ولا موت. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وهكذا مما يدل على وجودها آيات كثيرة، منها قول الله عز وجل: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وعن النار: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾. وهكذا كذلك في آيات أخرى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي النار. وقال الله عز وجل عن قوم فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الجنة والنار حق، وأنهما موجودتان مخلوقتان قد خلقهما الله عز وجل، لا كما نفى ذلك بعض الجهمية ومن تبعهم من العقلانية ممن ينفون وجود الجنة والنار. وهكذا كذلك أنهم لا يفنيان أبدًا، ولا ينافيه ما جاء في بعض الأدلة من ذكر بعض معنى الفناء، فإنما جاء في الأدلة من ذكر بعض معنى الفناء، وإنما هو فناء نار الموحدين. وعلى هذا يحمل قول الله جل وعلا: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. فإن المقصود ما شاء فيما قد علم الله عز وجل من خروج من يستحق الخروج من أهل التوحيد، فإنهم يخرجون من النار بعد تعذيبهم بما يستحقون، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: في أنهم يخرجون بشفاعة الشافعين من الملائكة والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ثم يقول الرب جل وعلا: «وبقيت شفاعة رب العالمين»، فيقبض قبضة فيخرج من النار قومًا -الحديث- كما جاء بصحيح مسلم وغيره. وهكذا قوله: «قولهما: والجنة ثواب لأوليائه، والنار عقاب لأهل معصيته». فالجنة ثواب لأوليائه، وليست هي السبب، فالله عز وجل يتفضل على عباده بما يشاء، ومن ذلك تفضله بإكرام أوليائه بهذا الثواب. فالله عز وجل يثيب أوليائه بالجنة، ويعذب أعداءه من أهل معصيته وأهل الكفر به والنفاق والشرك بالنار. وهذه النار يعذب بها من يشاء، فمن كان من أهل الخلود من المنافقين والكافرين والمشركين، فإنهم يخلدون فيها خالدين فيها أبدًا. وأما من كان من أهل التوحيد فإنه إن دخلها يعذب بقدر معصيته، ثم يخرج منها كما دلت عليه الأدلة. وقولهما: «إلا من رحم الله عز وجل»، يعني ممن لا يدخل النار أو ممن يخرج منها قبل إتمام استحقاق العذاب عليه، فهذا مما نالته رحمة الله، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. يغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ولهذا فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يجزمون لأحد بجنة ولا نار، ولكن يرجون للمحسن ويخافون على المسيء. وهكذا كذلك أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». ولا ينافيه قوله جل وعلا: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فليس أحد يدخل الجنة بعمله، لكنه يدخل الجنة بفضل الله عز وجل ورحمته، كما جاء في نص الحديث. فالأعمال سبب، وهي كذلك مقتضى ثبوت العبودية لله عز وجل، فمن أطاع الله عز وجل وعمل بالعمل الصالح، فإن الله عز وجل يتفضل عليه. وقد تقدم الكلام على معنى ذلك. وإلا فنعم الله عز وجل أعظم من أن تكون أعمال العباد الجنة مكافأة وجزاء عليها، فسابق نعم الله عز وجل هي أعظم من أعمال العباد، فكيف إذا انضاف حق عبودية الله عز وجل؟ فعلم بهذا أن الجنة هي ثواب من الله لأوليائه، كما دلت الأدلة من الكتاب ومن السنة. طيب الله ثراه، والله تعالى أعلم.