الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 27، الدرس السابع والعشرون:من( وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار ... قال شيخنا ابن المظفر وبه أقول وقال شيخنا يعني المصنف وبه نقول ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن هجر أهل البدع والأهواء واستدلال العلماء بآيات القرآن وأحاديث النبي، ويبين أهمية الاعتناء بالأدلة من الكتاب والسنة والآثار في تصنيف الكتب. يشير إلى أقوال العلماء في هجر أهل البدع وعدم مجالستهم.
يناقش المقطع أهمية الابتعاد عن كتب أهل البدع وأهل الكلام، ويستدل على ذلك بأقوال السلف والعلماء مثل الإمام أحمد. يشير إلى أن هجر أهل البدع يشمل ترك كتبهم ويذكر أمثلة على تحريق كتب أهل البدع والضلال.
يُنقل عن الإمام أحمد رحمه الله تحذيره من كتب أهل البدع مثل الأشاعرة والمعتزلة، ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية أن النظر في هذه الكتب لا يفيد إلا إبطال أقوال بعضها ببعض. يُذكر أن العديد من العلماء دخلوا في الضلال بسبب النظر في كتب أهل الأهواء.
المقطع يتضمن دعاءً بالثبات على الحق والهدى الذي كان عليه السلف، مع التمجيد لله عز وجل وتأكيد قدرته على تثبيتهم. يُظهر أهمية التمسك بالحق والاستعانة بالله للثبات عليه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى عن أبيه وأبي زرعة في هجر أهل البدع والأهواء، وأنه من أصول أهل السنة التي كانوا يتناقلونها. ومرت معنا مباحث كثيرة، إشارات إلى أهم المسائل في هذا المبحث، فأدلة الكتاب والسنة تدل على هذا الأصل. ومرت علينا أدلة من أدلة الكتاب والسنة، وهي كثيرة، ومنها ما سبق، ومنها كذلك قول الله عز وجل: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾، واستدل بهذه الآية لإمام مالك رحمه الله وغيره على هجر ومعادات أهل القدر، وهكذا نحوهم من أهل البدع. وقد صنف العلماء في هذا المبحث مصنفات، وذكروا فيها أبوابا وفصولا في هجر أهل البدع، سواء كتب العقائد أو غيرها من الكتب الأخرى. فجعل اللالكاء رحمه الله في «أصول الاعتقاد» مواضع نقل فيها عددا من الأئمة فصولا في هذا المعنى. وهكذا ابن بطة في «الإبانة الصغرى» ومواضع في الكبرى، والخلال في «السنة»، وعبد الله بن أحمد كذلك في «السنة»، وغيرهم. بل أهل الحديث صنفوا أبوابا في كتب الحديث، فهذا أبو داود رحمه الله في «سننه» بوب بابا فقال: «باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم»، وجعل بابا آخر «باب ترك السلام على أهل الأهواء». بل حتى بعض المتأخرين بوب بأبواب، فهذا المنذر رحمه الله قال في كتابه «الترغيب والترهيب»: «باب في الترهيب من حب الأشرار وأهل البدع»، لأن «المرء مع من أحب يوم القيامة»، يشير إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وذكروا في تلك الأبواب أحاديث، منها ما سبقت الإشارة إليه، ومنها ما لم تسبق الإشارة إليه، وهي كثيرة. ومن ذلك الكثير قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة: «سيكون في أمتي -أو في آخر أمتي- ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا أباؤكم، فإياكم وإياهم» الحديث. وحديث ابن عمر الذي رواه أبو داود وغيره، وهو يحسنه بعض أهل العلم، وقد صححه الألباني رحمه الله لغيره في الكلام عن المجوس: «لكل أم مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية الذين يقولون: لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». وهكذا كذلك حديث عائشة الذي أصله في صحيح مسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلى قول الله عز وجل: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ إلى أن قال: «فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه»، قال: «إذا رأيتم الذين سمى الله فاحذروهم»، كررها عليه الصلاة والسلام. وهكذا لا يزال العلماء يتناقلون في هذا الآثار الكثيرة التي تروى عن الأئمة ممن سبق وممن لحق ممن تبعهم بإحسان. وقد مرت معنا بعض تلك الآثار، ومن تلك الآثار ما روي عن ابن المبارك رحمه الله: «إياك أن تجالس صاحب بدعة»، وذكر ضرر صاحب البدعة على مجالسه. ويحيى بن كثير كان يقول: «إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ غيره». وقصة أيوب السختياني حين دخل عليهم بعض أهل البدع، ووضع الواحد منهم يديه في أذنه حتى لا يسمع من المبتدع، لا خوفا منه، ولكن حماية للمجتمع من شره وفتنته وردعا له وزجرا له، حتى قال الرجل لأيوب: «أقرأ عليك آية؟» قال: «ولا آية»، فلما ألح عليه وهو في بيته -أي أيوب- قال: «إما أن تقوم وإما أن أقوم»، يعني إما أن تقوم من مجلسي وإلا قمت وتركت لك المجلس. ولم يكونوا على ضعف في العلم، ولكن يخشون على جلسائهم أكثر ما يخشون، فالقلوب ضعيفة والشبه خطافة. وكان الخطاب رحمه الله يقول: «إن هجر أهل الأهواء والبدع دائم في كل الأوقات والأزمان ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق». وهذه الآثار وغيرها يقال فيها على حسب ما سبق من التفصيل الذي سبقت الإشارة إليه، ودلت عليه الأدلة الشرعية، وجاءت معاني ذلك في نصوص وكلام أهل العلم. ثم قال رحمه الله تعالى: «وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار، وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين، ويقولان: لا يفلح صاحب كلام أبدا». كذلك مما كان عليه إمامه، ونقله ابن أبي حاتم رحمه الله عن أبيه وعن أبي زرعة رحمهم الله تعالى جميعا، أنهما كانا ينكران وضع الكتب برأي في غير آثار. ومناسبة ذكر ذلك ها هنا أن هذه طريقة أهل الأهواء، ولو لم يكن فاعل ذلك من أهل الأهواء، فإنه يخشى عليه أن يقع في الهوى، وهو ما خالف الحق بسبب وضع الكتب بالرأي وبغير الأدلة من الكتاب والسنة والآثار المنقولة عن سلف الأمة. وهذا عام، وإن كان أكثر المروي في ذلك فيما يتعلق بالعقائد، إلا أن هذا عام حتى في الفقه. كره جماعة من أهل العلم أن يكتب الكتاب ويوضع ويكون بالرأي، ليس فيه شيء من أدلة الكتاب والسنة والمنقول عن سلف الأمة. وهذا ينبهنا بتنبيه علمي ومنهج ينبغي أن ينتبه له، ألا وهو الاعتناء بالأدلة من الكتاب والسنة والآثار المروية عن سلف الأمة في تصنيف الكتب، وأن لا تكون الكتب عبارة عن متون خالية من الأدلة. أولا؛ لأن ذلك كان في عرف بعض أئمتنا وسلفنا أنه ليس من طريقة أهل الحق، بل هو من طريقة أهل الباطل. وثانيا؛ لأنه أدعى لتحقيق الحق والتمسك به بدليله وبرهانه، وكذلك دفع ما قد يقع من خطأ. فإن التعبير بالمتون الخالية من الأدلة قد يحصل فيها توسع في الألفاظ، وهكذا كذلك انفتاح في التعبير مما يخرج المرء عن الدقة العلمية التي ينبغي أن يوافق بها الصواب والحق بما دلت عليه الأدلة من الكتاب ومن السنة. فمما يستحب لطالب العلم أن يعتني بكتب أهل العلم التي تعتني بالأدلة الشرعية من الكتاب ومن السنة والمنقول عن سلف الأمة. فإن كانت بعض الكتب فيها بعض المتون التي هي معاني الكتاب والسنة، فهذا في اصطلاح أهل العلم، وينزلونه منزلة الكتب التي تكون متضمنة للأدلة، لما فيها من معاني أدلة الكتاب والسنة. وإن كان الأفضل والأكمل لا شك الاعتناء بالكتب المعتنية بالأدلة من الكتاب والسنة والمنقول عن سلف الأمة. ثم قال رحمه الله: «وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين». ومجالسة أهل الكلام هو من هجر أهل البدع، يدخل فيما سبق، ولكن هذا من باب عطف الخاص على العام، تأكيدا عليه وتنبيها كذلك على أهميته. فإن أهل الكلام خاصة من أهل البدع، عندهم من الشبه ما كان سببا في إضلال طوائف كثيرة من الناس. فإن أهل الأهواء وأهل الكلام من أهل الأهواء على وجه الخصوص كانوا سببا في إضلال طوائف من الناس. والمراد بأهل الكلام من انشغل بعلم الكلام، سواء بتعلمه أو تعليمه أو كثرة النظر في كتب أهل الكلام أو النقل عنهم أو غير ذلك من المعاني التي يكون فيها بث كلام أهل الكلام. وهكذا كذلك النظر في كتب المتكلمين. وقد نص العلماء أن من معاني هجر أهل البدع ترك كتبهم، ترك كتب أهل البدع خوفا من الفتنة بها وترويجها بين الناس. فالابتعاد عن مواطن الضلال واجب. وقد نص العلماء على هذا في كتب العقائد الكبار والصغار، فلا تكاد تجد كتابا من كتب العقائد إلا وقد تضمن معنى هذه العبارات، لكثرة تنبيه الأئمة وسلف الأمة عن مثل هذا المعنى. بل نص بعض أهل العلم أن أصل ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» قال: «لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها». قال محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى: «قلت لأحمد: استعرت كتابا فيه أشياء رديئة -يعني من الكلام الباطل والبدع المنافية للحق والسنة- قال: أترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم». القائل الإمام أحمد قال: «نعم»، قال: «فأحرقه». وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة، فتمعر وجهه، يشير إلى القصة التي وردت عند أبي داود وغيره بإسناد حسن، حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم كتابا في يد عمر، فرآه وإذا فيه من التوراة، فقال: «أو متهوكون بها يا ابن الخطاب؟ والله لو كان موسى حيا لما وسعه إلا أن يتبعني». ثم ذكر ابن القيم رحمه الله كيف حرق عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه حين جمع الناس على مصحف واحد، وهو المسمى بالمصحف العثماني، كيف أمر بتحريق سائر أجزاء القرآن والمصاحف التي كانت في أيدي الناس، خشية الفتنة، خشية الفتنة؛ لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فكان الصحابة رضي الله عنهم يحسنون هذه الأحرف السبعة ويقرؤونها كما سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم. فأراد عثمان رضي الله عنه حين بلغه أن بعض الناس في الغزو اختلفوا في قراءة القرآن لاختلاف ما في أيديهم مما نقلوه عن بعض الصحابة -أي عن أفرادهم- حتى كاد بعضهم أن يقتتل بسبب هذا الاختلاف، فأمر عثمان رضي الله عنه جمع الناس على مصحف واحد، وهو المسمى بالمصحف العثماني، جمعهم على مصحف واحد يشمل تلك الأحرف السبعة في مصحف واحد، وأمر بعدها بإحراق كل المصاحف. لماذا أمر بإحراقها؟ أمر بإحراقها حفظا لكتاب الله، ألا يختلف فيه أحد؛ فإنه جمعه بإجماع الصحابة، لم يختلف فيه على حرف واحد، فهم حفظوه في الصدور ودونوه في الصحف، واجتمعوا كلمة واحدة أن القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو هذا الذي كتب وجمع في مصحف عثمان. فبعد ذلك أمر بإحراق كل ما سواه، حفاظا على اجتماع الأمة وعدم فتنتها وتفرقها. فأشار ابن القيم رحمه الله قال: «فإذا كان هذا صنيع عثمان مع بعض ما هو من كتاب الله، خشية الفتنة على الناس، فكيف بكتب أهل البدع والأهواء؟ فإنها من باب أولى وأشد». وقال ابن قدامة رحمه الله: «كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم». وهكذا كذلك ذكر أهل العقائد في كتبهم الشيء الكثير من ذلك، حتى تواتر عند المتأخرين منهم نقل ذلك، لما رأوه في كتب المتقدمين من النهي عن هذا المعنى. فهذا صاحب «لمعة الاعتقاد» رحمه الله المقدسي يقول: «وترك الجدال والخصومات في «الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء لكلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة». وهكذا كذلك نقل بعض أهل العلم كيف أمر بعض أهل العلم بإحراق كتب أهل البدع، لما رأوا ضررها على الناس. بل بعضهم صنف كتبا في ذلك، في بعض تلك الكتب، كما صنف بعضهم مؤلفا في نقل كلام أهل العلم في إحراق كتاب «الإحياء» للغزالي، لما تضمنه هذا الكتاب من ضلالات تفتن الناس وتضلهم. وسمعت فتوى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وفي «الدرر السنية» لأئمة الدعوة النجدية من وصايا الأئمة: «وليحذر طالب الحق من كتب أهل البدع كالأشاعرة والمعتزلة ونحوهم، فإن فيها التشكيك والإيهام ومخالفة نصوص الكتاب والسنة، وما أخرج الكثير من الناس عن الصراط المستقيم»، يعني إلا نحو ذلك، نعوذ بالله من الخذلان. ولا ينبغي أن يغتر مغتر بما قد يقوله بعض الناس: «أن العلم بالشيء خير من الجهل فيه». فإن هذه من شبه أهل الجهل وأهل قلة العلم والرسوخ. فإن إمام الكبار على رسوخهم وسعة علمهم كانوا يكرهون النظر في كتب أهل الأهواء، إلا أن يضطروا النظر فيها طردا للرد عليها وللتحذير منها. وأما أن ينظروا إليها طمعا في أخذ العلم من عندهم، فلم يكن هذا من سنة سلفنا وإمامنا رحمهم الله تعالى ورضي الله تعالى عنهم، بل كانوا يحذرون من ذلك أشد التحذير. ثم ما أكثر الخلاف والافتراق في كتب أهل الأهواء، وهي مظنة دخول الشبه وعدم الانتفاع من تلك الكتب، بل يكون فيه إضاعة الوقت، فضلا عن غيره مما قد يدخل على الإنسان. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معنى كلامه في «الفتاوى» قال: «والإنسان إذا قرأ كتب أهل البدع لا يستفيد شيئا إلا إبطال أقوال بعضهم ببعض، فيعرف أن قول هذا باطل بقول هذا؛ لأن كل واحد من هذه الفرق يبطِل القول الثاني». ثم ذكر كلاما، وخلاصته أن القارئ في تلك الكتب لا يخرج بشيء ينتفع به، اللهم إلا الوقوف على تلك الأقوال المتضاربة التي لا تزيده ذكاء ولا زكاء ولا ينتفع منها علما. بل نص بعض أهل العلم أن ضلال طوائف من أهل العلم -فضلا عن غيرهم- كان بسبب النظر في كتب أهل الأهواء. فهذا الغزالي رحمه الله تعالى كان إماما في زمانه، ودخلت عليه بدع وضلالات بسبب نظره في كتب أهل الأهواء. وكان تلميذه ابن العربي رحمه الله يقول: «شيخنا ابتلع علم الكلام فما استطاع أن يتقيأه». هو في آخر زمانه تاب ورجع إلى طريقة أهل السنة وأهل الإثبات وأهل الحق، ولكنه لم يستطع الرجوع الكامل؛ لأن أكثر عمره فاته في النظر في كتب أهل الأهواء، فلما أراد أن يرجع لم يستطع الرجوع الكامل، ففاقد الشيء لا يعطيه. وهكذا الرازي خاض من عمره فترة طويلة مع أهل الكلام، وفي آخر عمره تاب. ومن تأمل ترجمته وما نقله وعن نفسه في ذلك -كما نقله العلماء- وجد ذلك جليا أن ذلك كان بسبب نظره في كتب أهل الكلام، ضل وزاغ. وهذا الشهرستاني رحمه الله أخذ مدة طويلة في طريق العلم، وكان قد سلك مسلكا من مسالك أهل الكلام، ورجع في آخر عمره. ومن تأمل حياته وجد أن الضلال دخل عليه بسبب النظر في كتب أهل الكلام. وهذا الجويني، وابن رشد الحفيد، وابن سينا، والفارابي، وجماعة ممن يشق حصرهم، من قرأ في تراجمهم وما نقله العلماء عنهم وما نقل من كلامهم، تجد أنهم قد دخلت عليهم تلك الضلالات والأهواء بسبب نظرهم في كتب أهل الأهواء. بل حتى بعض الأئمة كأبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، على إمامته وجلالته، تنقل في طبقات في حياته، يمر من بدعة إلى أخرى، بسبب مجالسته لأهل الأهواء، وكذلك إيراده في كتب أهل الأهواء. فقد كان فترة على طريقة ابن كلاب، ثم رجع، صار على طريقته وطريقة شيخه، ثم رجع إلى طريقة أهل السنة والجماعة، وما عليه أئمة. ومع ذلك -كما ذكر أهل العلم والمحققون منهم- أنه لم يستطع الرجوع الكامل على طريقة السلف، ففي بعض كتبه -حتى بعد رجوعه- بعض المباحث التي ليست هي من مذهب أهل السنة والجماعة. وهذه من بقايا تأثره وقراءته في كتب أهل الأهواء. فإذا كان أمثال هؤلاء الأئمة الذين كانوا على غاية في العلم والاجتهاد في طلب الحق، دخل عليهم الضلال بسبب النظر في كتب أهل الأهواء، فكيف بمن دونهم ممن هو أقل منهم؟ ولهذا ينبغي ألا يستهين طالب العلم في النظر في كتب أهل الأهواء ومجالستهم، فلا يتساهل في اقتناء كتب أهل الأهواء؛ فإنها تضره وتضر بذريته. ولا يتساهل كذلك في القراءة فيها، ولا كذلك بالدراسة على أيدي حامليها، فضلا عن من اشتهر ببدعة. فإن القلوب ضعيفة والشبه خطافة، والشبه خطافة. فالواجب الحذر من أهل الكلام ومن بدعهم، فلا يدل الإنسان رب شبه تدخل عليه، ربما ليس من كلام، ولكن من حسن خلق. فرب إنسان يغتر بخلق إنسان وتمسكنه، وإن كان في كلامه ما كان من الأهواء، يكون عنده عمى في النظر في الحجج والبراهين، ويغتر بتلك العواطف والمظاهر. والمظاهر من يضرب لنا مثالا في رجل اغتر به بسبب هذا، ها مر معنا قريبا من عمر بن عبيد، اغتر به بعض الأمراء بسبب إظهاره الزهد وغير ذلك. فينبغي الحذر من طريقة أهل الأهواء. وقوله رحمه الله: «ويقولان: لا يفلح صاحب كلام أبدا»، يعني وإن كان في أول أمره على سلامة، فإنه لا يسلم، يدخل عليه الشر. فما من إنسان ينظر في كتب أهل الأهواء إلا ويدخل عليه الشر من حيث لا يشعر، من حيث لا يشعر. ثم قال رحمه الله: «قال أبو محمد وبه أقول أنا، يعني على هذا المعتقد. وقال أبو علي بن حبيش المقرئ وبه أقول. قال شيخنا ابن المظفر وبه أقول. وقال شيخنا -يعني المصنف- وبه نقول». وكل هؤلاء رواة هذه العقيدة، وكذلك نحن جميعا به نقول. نسأل الله عز وجل أن يثبتنا على الحق والهدى الذي كان عليها إمامنا وسلفنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.