الإيمان الأوسط  6

الإيمان الأوسط 6

الدرس في الإيمان الأوسط 6، الدرس السادس:( فقد قال تعالى:لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ... والأزارقة أتباع نافع بن الأزرق والنجدات أصحاب نجدة الحروري ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تفاوت درجات الإيمان والإسلام

يشرح التفاوت بين درجات الإيمان والإسلام، حيث يبين أن هناك فرقا بين الإسلام والإيمان. الإيمان قد ينفى عن بعض المسلمين بسبب المعاصي دون أن يعني كفرهم.

ظهور الخوارج وبداية الفتنة في الإسلام

يتناول ظهور الخوارج كأول فرقة تخرج في الإسلام وتسبب خلافات عقائدية، حيث خرجوا على علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وكفروا بعض الصحابة.

تحذير النبي من الخوارج وصفاتهم

يشرح أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي تتحدث عن الخوارج وصفاتهم، مثل كثرة تلاوتهم للقرآن دون فهم أو عمل، وتحذير النبي منهم ومن قتالهم.

تكرار النبي لقول قطع شر القرون

كرر النبي صلى الله عليه وسلم قوله إن كلما خرج قرن من الناس الذين يسببون الشر قطع الله شرهم، مما يظهر تيسير الله في إزالة الشر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال تعالى: «لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم»، وهذا الحرف «لما» ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد. فيقول لمن ينتظر غائبا «لما»، ويقول «قد جاء» لما يجئ بعد. والمعنى أن الإيمان مظنة الانتظار عند هؤلاء الأعراب إلى حسن إسلامهم، فهو ليس ببعيد، فهم ليسوا بكفار. وتقدم هذا. قال: «فلما قالوا آمنا قيل لم تؤمنوا بعد، بل الإيمان مرجو منتظر منهم»، يعني إذا حسن إسلامهم صاروا من المؤمنين. قال: ثم قال: «وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا»، أي لا ينقصكم من أعمالكم المثبتة شيئا في هذه الحال، فإنه لو أرادوا طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم لم يكن في ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم، إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا مقرين به. فإذا قيل لهم: «المطاع يثاب»، والمراد به المؤمن الذي يعرف أنه مؤمن، لم يكن فيه فائدة جديدة. ومعنى أن إسلامهم يزيد بطاعاتهم، فيرتقون من مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان، كما قال جل وعلا في الآيات، ومعناها كثير في كتاب الله عز وجل. «ولما يدخل الإيمان في قلوبكم، وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا، إن الله غفور رحيم». وفي قوله: «إن الله غفور رحيم» كذلك بيان أن هناك من الذنوب أو من التقصير ما كان سببا في نقصان الإيمان وعدم الوصول إليه، فهم مسلمون وإن لم يكونوا من المؤمنين. فإذا ليسوا بكفار، وهذا هو المقصود. قال رحمه الله أيضا: فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم «لما يدخل في قلوبهم»، وقيل لهم: «إن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا». فلو لم يكونوا في هذه الحال مثابين على طاعة الله ورسوله، لكان خلاف مدلول الخطاب. فبين ذلك أنه وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء منهم، فقال تعالى: «إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون». وهذا نعت محقق الإيمان. قال: «لا نعت من معهم إثقال ذرة من إيمان»، كما في قوله تعالى: «إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا». وقوله تعالى: «إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معهم على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين استأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله». ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن»، وأمثال ذلك. أي: فهم بهذا أن المراد «وهو مؤمن» على كمال إيمانه، أي الكمال الواجب، وهو مؤمن أي على صادق أو على الصدق من إيمانه، وعلى الحق من إيمانه. فلا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن. ومن أهل العلم من قال: لا يقال ناقص الإيمان، بل يقال مسلم، ولا يقال مؤمن. وهذا ليس فيه منافاة لما تقدم. فقول من قال من أهل العلم: إنه لا يقال ناقص الإيمان، لأنه مناف للحديث، فالحديث فيه «وهو مؤمن»، أي لا يوصف بوصف الإيمان كما روي معناه عن الثوري، وكذلك أحمد. لا ينافي ما تقدم، ولكن معناه أن الإيمان شيء زائد عن الإسلام، ولذلك ينزع عنه بمعصيته. ينزع عنه بمعصيته، ولا يعني أنه يكون كافرا. فإن قال قائل: كيف يكون ذلك ونحن لا ننزع منه أصل الإيمان؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مشيرا إلى معنى ذلك في بعض كتبه: إنه يفسر كالعقل بالنسبة للنائم أو السكران. وأشار إلى أمثلة وأوجه ثلاثة توضح وتجلي وتقرب المعنى. فماذا تصف النائم وهو نائم؟ هل عقله موجود أو غير موجود؟ وهو نائم عقله ليس موجود، لكن هل معناه أنه مجنون؟ الجواب: ليس بمجنون. بل وجود العقل وجود يحجبه شيء، ما هو هذا الشيء؟ هو النوم. وكذلك وجود الإيمان مع العاصي يحجبه شيء، وهو ماذا؟ وهو المعصية التي هو فيها. فلا يزني الزاني حين يزني. تأمل هذا. حين يزني. وفسر بأنه لغلبة شهوته تطغى حتى يفتقد معاني الإيمان، فيكون بذلك ليس بمؤمن، وليس معناه كافر، ولكن معناه مسلم. فهو مسلم ليس بمؤمن. وفرق بين الإسلام والإيمان على ما تقدم. إذا اجتمع افترق، وإذا افترق اجتمع. قال رحمه الله تعالى: وبذلك يتبين أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب هو هذا الإيمان الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار، بل قد يكون مع أحدهم مثقال ذرة من إيمان. يعني فلو بقيت معه ذرة من إيمان، فهو ليس بكافر. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي معنا إن شاء الله في أحاديث الشفاعة: أنه يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، أي من النار بعد أن يعذبهم الله ويطهرهم من ذنوبهم، فيخرجون من النار. إذن هم ليسوا بكفار، من عنده ذرة من إيمان فهو ليس بكافر، ولو كان عنده ما عنده من الذنوب والمعاصي، ما دامت ليست هذه الذنوب توجب الردة والنقض لإيمانه وإسلامه، لأن بعض الذنوب تستوجب الردة ونقض الإيمان والإسلام. قال رحمه الله: ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد صاحبه في النار. وهذا واضح تبين بما أوضحه رحمه الله، وسيأتي معنا براهين أخرى كثيرة. قالوا: بتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أن في المسلمين قسما ليس هو منافقا محضا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: «إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون»، ولا من الذين قيل فيهم: «أولئك هم المؤمنون حقا». فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل لهم طاعات ومعاص، وحسنات وسيئات، ومعهم من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار. وهذا القسم قد يسميه بعض الناس الفاسق الملي. فعلم بهذا أن هناك أناسا وسط بين المؤمنين الخلص وبين الكافرين والمشركين والمنافقين الخلص، وهم المؤمنون الذين خدشوا إيمانهم بالكبائر وما كان بمعناها، فهم ناقصوا الإيمان. وإن شئت فقل كما قال الله: «هم مسلمون»، «ولم يدخل الإيمان في قلوبهم». «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم». قال رحمه الله: وهذا القسم قد يسميه بعض الناس الفاسق الملي. وقوله «الفاسق الملي» قد يسميه بعض الناس لأنها تسمية محدثة، أول ما أحدثت حين وقعت فتنة الخوارج، وتبعهم على ذلك المعتزلة. فكان الكلام في هذه المسألة. قال: وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه. تنازعوا في الاسم، وتنازعوا في الحكم. لأن المعروف المعلوم من أدلة الكتاب والسنة أن من وصف بالإسلام وكان فاسقا فهو من أهل الإسلام. ولكن الشيء الجديد هو ما جاء من جهة الخوارج والمعتزلة، وإن شئت فقل الوعيدية. فهم هؤلاء وهؤلاء الذين غلبوا أدلة الوعيد على أدلة الوعد. فهؤلاء حكموا على مثل من هذا وصفه بالكفر أو بالتوقف فيه، مع نزع مسمى الإيمان. على خلاف مشهور معروف بين الخوارج والمعتزلة. قال: والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين. لأنه وقع بخروج الخوارج. فإنه كان أول خلاف في أول الإسلام، لم يعرف خلاف قبله في أمور العقائد. فكانت أول مسألة اختلف فيها المسلمون في مسائل العقائد. قال: فنقول: لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وسار علي بن أبي طالب إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرق يوم الجمل، ثم يوم صفين ما هو مشهور. يعني كما ذكر بكتب التاريخ والسير ونحو ذلك. قال: خرجت الخوارج المارقون على الطائفتين جميعا. يعني خرجوا على علي بن أبي طالب، وعلى من كان في جهة عثمان رضي الله عنه، أي يريد الانتصار لدم عثمان، أي معاوية رضي الله عنه ومن معه من الصحابة. بل الخوارج كما سيأتي كفروا حتى عثمان رضي الله عنه أرضاه لم يسلم من تكفيرهم. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بهم وذكر حكمهم. قال الإمام أحمد رحمه الله: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه. ومعنى عشرة أوجه: يعني فيما جاءت به الروايات. وأكثر هذه الأوجه جاءت من حديث أبي سعيد وعلي رضي الله عنهما. قال: وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لأحمد. وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله حديث الخوارج في باب خاص، بوّب له في صحيح مسلم بقوله: «باب ذكر الخوارج وصفاتهم». وافتتحه بحديث جابر بن عبد الله في قصة الرجل الذي قال ما قال بالجعرانة منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من حنين حين قسم الغنائم، وذكر من ذلك حديث أبي سعيد بطرقه الكثيرة. وأكثر هذه الأوجه العشرة جاءت بحديث أبي سعيد وحديث علي رضي الله عنه، وذكر حديث براء وأبي ذر وسهل بن حنيف وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: وروى البخاري منها عدة أوجه، وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه أخر. ومن أصح حديثهم حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري في الصحيحين. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، فوالله لئن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه. وإن حدثتكم بما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام». وهذه مظنة الخطأ، كونهم حدثاء أسنان، أي أسنانهم صغيرة، ليس فيهم شيوخ وكبار، عندهم من العلم والخبرة والمعرفة ما يقلل الخطأ والطيش. وهذه صفة تغلب على الخوارج في كل زمان ومكان. فإن الغالب عليهم أن يكونوا من حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام، أهل طيش. قال: «يقولون من خير قول البرية»، يعني يقولون ما ظاهره حق، ولكنه يوجه بتوجيه باطل. قال: «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». يعني أن إيمانهم لا يتعدى أن يكون قولا، وأن يكون في أجسادهم، وأما أعمالهم وأقوالهم فهي على خلاف ذلك. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، أي أنهم يخرجون خروجا سريعا. يدخل من باب ويخرج من باب كالرمية، أي الصيد إذا رمي بسهم من قرب قوي حاد، فإنه يدخل ويخرج، ولا يدرى أنه دخل وخرج. ولا يزال الصيد يجري حتى إذا جرى مسافة سقط، فعلم عند ذلك أن هذا الصيد قد أصيب بسهم. وكذلك الخوارج يدخلون ويخرجون في هذا الدين، من باب ويخرجون من باب آخر، ولا يدر بهم إلا بعد فترة أنهم على ذلك الباطل، فيغررون ببعض الناس. قال: «فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة». وقول علي: «لا إن أخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن أكذب عليه»، معناه أن ما قاله حق وصدق، وهو من أنزه الناس أن يكذب على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في آدم مقروض. يعني شيء يسير من الذهب في جلد. ومعنى مقروض الآدم: الجلد، والمقروض أي المدبوض بالقرض. والقرض شجر معروف إلى يومنا هذا يدبغ به الجلد ويستعمل كذلك شجره في علاج القرحة. قال: بذهيبة في آدم مقروض لم تحصل من ترابها. فقال: فقسمها بين أربعة نفر. فقال رجل من أصحابه: كنا حق بهذا من هؤلاء؟ قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «لا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء». قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار. وهي بهذه الصفات يكون فيها دقة الراوي وتثبيت هذا المحفوظ. وكذلك هذه كما ذكر العلماء كانت صفة أهل نجد، فهو كان من أهل نجد. فقال: «يا رسول الله اتق الله». قال: «ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟» قال: ثم ولّى الرجل. فقال خالد بن الوليد: «يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟» فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي». قال خالد: «وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم». قال: ثم نظر إليه وهو مقفي. فقال: «إنه يخرج من ضئضئه هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». قال: «أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». اللفظ لمسلم. وهذا الحديث كذلك فيه معنى ما سبق من تحديث النبي عليه الصلاة والسلام بالخوارج وخروجهم، وكذلك شرهم على ما قد يغتر بهم بعض الناس من القرآن الذي يتلونه، وهو لا يجاوز حناجرهم، يعني لا يتعداه. فهم لا يعملون به حقيقة. بل جاء في بعض الروايات أنهم حتى تلاوته لا يحسنونه. فليس المقصود هو تلاوة اللسان، ولكن المقصود تلاوة يكون بها نفع القلب والجوارح، وهذا غير موجود عند الخوارج. قال: ولمسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس، «ما هم؟» «التحليق». ثم قال: «شر الخلق أو من شر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق». قال أبو سعيد: «أنتم قتلتموهم يا أهل العراق». وفي لفظ: «الله يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق». والمعنى أن قتال الخوارج قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به. وثانيا: أن في هذا الحديث إشارة إلى أن أقرب الطائفتين للحق هو علي رضي الله عنه، لأنه الذي قاتل الخوارج. وهذا قوله: «أنتم قتلتموهم يا أهل العراق»، على وجه الاستفهام. فإن كان الجواب لا، فعلم أن عليا رضي الله عنه كان أولى الطائفتين بالحق بنص هذا الحديث. وقاله كثير من أهل الفقه والحديث. ومع ذلك فمذهب أهل السنة والجماعة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فلا يذكرون جميعا رضي الله عنهم أرضاهم إلا بالجميل والثناء الحسن. وقوله: «سيماهم التحليق»، هذا من دلائل نبوته وعلامات صدق رسالته، أي أنهم يكثرون الحلق، يكثرون الحلق. ولا يعني ذلك كراهية كثرة الحلق إذا وجد سببه. فإذا وجد سببه كمرض أو وجد سببه كثرة حج أو عمرة، فليس هذا مذموما. وإنما المذموم ملازمة التحليق مع عدم وجود سبب مأذون به شرعا، حتى لا يحصل اللبس في هذا الباب. قال: وهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحسن بن علي: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين». فبين أن كل الطائفتين كانت مؤمنة، يعني طائفة علي رضي الله عنه وطائفة معاوية رضي الله تعالى عنهم جميعا. فعلم بهذا ضلال الخوارج، إذ كفروا الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وقد جاء النص عن النبي عليه الصلاة والسلام أنهم سيختلفون، وأن الخلاف لا يخرجهم عن الإيمان، بل هم بين الأجر والأجرين. غفر الله لهم جميعا. قال رحمه الله: وأن الصلح بين الطائفتين كما فعله الحسن كان أحب إلى الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم من اقتتالهما. لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحسن سيدا، «إن ابني هذا سيد»، أي أثنى عليه، وبين سبب سيادته، وهو كونه سيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين. ووقع ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: وأن اقتتالهما، وإن لم يكن مأمورا به، فعلي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. يعني لا في القتال، ولكن في الحق في المسألة. إذ أن عليا رضي الله عنه لترك قتل عثمان ليس تفريطا، وإنما حكمة وإمهالا، لأجل أن المقام يقتضي تهدئة أوضاع أحوال المسلمين، بما هو أعظم من ذلك، بما هو أعظم من ذلك. ثم كما قال بعض أهل العلم: قد انفلتت الأمور، ولم يكن بيده رضي الله عنه أن يتدارك ذلك. فهو معذور. والإعذار في هذا كان ينبغي أن يكون من الأطراف الأخرى. فالحاصل من جهة أقرب إلى الحق. فبهذا المعنى وما كان بمعناه. وأما باعتبار القتال، فالذي يحبه الله وأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحق هو ماذا؟ هو الصلح الذي فعله الحسن رضي الله عنه بعد موت أبيه. رضي الله تعالى عن جميع الصحابة. قال رحمه الله: أن قتال الخوارج مما أمر به صلى الله عليه وسلم. ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة ولئمة. وهؤلاء الخوارج لهم أسماء، يقال لهم الحرورية، لأنهم خرجوا بمكان يقال له الحرورة، وهو موضع قريب من الكوفة، قيل على مسافة نصف فرسخ، يعني قرابة عشر كيلومترات بمقاديرنا الحالية. وقيل هو في موضع يقال له القرية. وأين. ويقال لهم أهل النهروان، لأن عليا قاتلهم هناك، يعني في موضع النهروان. ويقال لهم كذلك المحكمية، لأنهم دعوا إلى التحكيم. دعوا إلى التحكيم. وهم أول فرق الخوارج. والخوارج فرق كثيرة، أوصلهم بعض أهل العلم لأكثر من عشرين فرقة. قالوا: من أصنافهم الإباضية، أتباع عبد الله بن إباض، وهو الفزاري. ظهر في عهد مروان بن محمد، آخر ملوك بن أمية. وليسوا بأوائل الخوارج، ولكن ذكرهم لشهرتهم. وعلى ضلالهم. فهم أخف الخوارج شرا، أخف الخوارج شرا، وأقربهم إلى أهل السنة، كما قال ابن حزم رحمه الله وغيره من أهل العلم. قال: والأزارق أتباع نافع بن الأزرق، ويقال أبو نافع راشد بن الأزرق. والأزارق من أشد الخوارج على أهل السنة، فهم يستحلون دم المخالف، فيرون المخالف لهم حلال الدم، وجائز القتل. قال: والنجدات أصحاب نجدة الحروري، وهو ابن عامر النخعي. وهؤلاء في القتل أشد من الأزارقة، فهم يوجبون قتل المخالف. وكلهم أهل ضلال. وفرقهم كثيرة، كما سمعنا. أوصلهم بعضهم أكثر من عشرين فرقة. ولا يزالون يخرجون ويخرجون، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر عند ابن ماجة بإسناد صحيح. ومعنى من حديث عبد الله بن عمر: «ينشأ نشأ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع». قال: كلما خرج قرن قطع. كررها النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين مرة. قال: «حتى يخرج في عراضهم الدجال». ومعنى أن الخوارج لا يزالون على هذه الأمة بلاء ومحل فتنة وشر إلى أن يطلع ويخرج الدجال في آخر الزمان. وكرر النبي صلى الله عليه وسلم: «أنهم كلما خرج قرن قطع»، يعني يسر الله بمن يقطع شرهم. نقف إلى هنا ونكمل إن شاء الله في وقت لاحق، والله أعلم.