زيارة القبور بين المشروع والممنوع 3

زيارة القبور بين المشروع والممنوع 3

الدرس في زيارة القبور بين المشروع والممنوع 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من الشرك عند القبور وبدعها

يتناول التحذير من الشرك الذي يقع عند القبور مثل دعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم، وتحريم بناء المساجد والقباب على القبور والصلاة عندها. يشدد على أهمية توضيح دين الله للناس وتحذيرهم من الشرك والبدع.

دعوة الرسل إلى التوحيد وتحريم الشرك

يتناول تحريم الشرك والذبح لغير الله ودعوة الرسل إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له. كما يبين أن المشركين سيتبرأ منهم من عبدوهم يوم القيامة.

أحكام متعلقة بالصلاة والأذكار

يناقش حكم إعادة الصلاة إذا جهل المسلم حكمها وفات وقتها، وحكم الجهر بالأذكار بعد الصلاة. يبين أن إعادة الصلاة غير واجبة إذا فات وقتها، وأن الجهر بالأذكار مختلف فيه.

التفريغ النصي الكامل

يسروا إخوانكم في دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح رسالة "زيارة القبور بين المشروع والممنوع" شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ما يقع عند القبور من أنواع الشرك. قال: السؤال: انتشرت في بعض المجتمعات الإسلامية مخالفات متعددة، منها ما يقع عند بعض القبور، ومنها ما يتصل بالحلف والإيمان والنذور، وقد تختلف أحكام هذه المخالفات، بينما يكون منها من قبيل الشرك المخرج من الملة، وما يكون دون ذلك. فحبذا لو تفضل سماحتكم ببسط القول وبيان أحكام تلك المسائل لهم، ونصيحة أخرى لعامة المسلمين ترهيبًا لهم من التساهل بأمر تلك المخالفات والتهاون بشأنها. قال رحمه الله تعالى: الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهدى. الفتوى لسماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى. قال: أما بعد، فإن كثيرًا من الناس تلتبس عليهم الأمور المشروعة بالأمور الشركية والمبتدعة حول القبور، أي الممنوعة. كما أن كثيرًا منهم قد يقعوا في الشرك الأكبر بسبب الجهل والتقليد الأعمى. وقد مرت معنا عدد من الصور والأقوال والأفعال التي هي من جنس هذا الشرك الأكبر. فالواجب على أهل العلم في كل مكان أن يوضحوا للناس دينهم، وأن يبينوا لهم حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، كما يجب على أهل العلم أن يوضحوا للناس وسائل الشرك وأنواع البدع الواقعة بينهم حتى يحذروها. لقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وهذه الآيات عظيمة، ففيها من الوعيد الشديد والعذاب الأكيد لمن بلغه شيء من العلم وعلم من حال الناس حاجة هؤلاء إلى هذا العلم فكتم هذا العلم. ومن ذلك هذه البدع والخرافات والشركيات والوثنيات التي ابتليت بها بعض المجتمعات بسبب الجهل ودعاة السوء. ثم يتساهل بعض من عرف الحق في إيصال هذا العلم وتحذير الناس من مثل هذا الضلال وهذه الشركيات والوثنيات والخرافات والبدع والخزعبلات. بل الواجب على كل من بلغه شيء من العلم أن يبلغ وأن يحذر بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس يصطدم بالناس، ولكن لابد من البلاغ ولابد من القيام بالواجب. وليس من شرطه أن يسمع الناس لك ويستجيبون، لكن يكفي أن تقدم النصيحة كما قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" رواه مسلم في صحيحه. والمعنى: لا تبخل على الناس في أن تدلهم على الخير، وأعظم من هذا أن تحذرهم من الشر والضير. قال: وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" رواه مسلم. هذا الحديث العظيم حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، فيه أن الذي يدعو إلى الخير يكون له من الأجر ليس فقط أجره هو، بل أجر كل من عمل هذا الخير. والعكس الذي يدعو إلى الضلال يكون له بمثل أجري من أضل بوزري من أضل، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا. وهناك أمر آخر وهو أن من سكت عن التحذير من الضلال ويمكنه هذا التحذير فإنه يلحقه كذلك الإثم بقدر من ضل من الناس، كما تقدم في الآيات ومثله في الأحاديث، وسيأتي بعضها إن شاء الله. قالوا في الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". فعلامة إرادة الله بعبد من عباده الخير أن يفقهه في الدين. قالوا: الآيات والأحاديث بالدعوة إلى نشر العلم وترغيب الناس في ذلك، والتحذير من الإعراض وكتمان العلم كثيرة. يعني الواجب من بلغه شيء من العلماء أن يبلغه. ومن ذلك مسائل التوحيد والعقيدة، لأنها من أهم وأعظم المسائل التي لا يجوز السكوت عنها. قال رحمه الله: أما ما يقع عند القبور من أنواع الشرك والبدع في بلدان كثيرة، فهو أمر معلوم، وجدير بالعناية والبيان والتحذير منه. فمن ذلك دعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم، وطلب شفاء المرضى والنصر على الأعداء ونحو ذلك. وهذا كله من الشرك الأكبر الذي كان عليه أهل الجاهلية. قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. والمعنى: والخطاب في آية مكية، أي لقوم كفار ومشركين، يأمرهم الله عز وجل أن يتوجهوا للرب المعبود بحق وصدق، لأنه المتفرد بالخلق. فما دام أنه لا خالق إلا هو، فلا يجوز أن تصرف العبادة لغيره. وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فما دام أن الله الخالق وحده، فالواجب أن يعبد وحده. فهذا من الاستدلال بتوحيد الربوبية، أي كونه منفردًا سبحانه بأفعاله من الخلق والتدبير والرزق وغيره، فيجب أن يفرد في توحيد ألوهيته، أي بعبادته وحده. فإفراده في العبادة وهي أفعال خلقه من لوازم ما يجب أن يكون لحق الخالق الذي اتصف بصفات الربوبية الكاملة. أما من عبده الناس من دون الله فهم مخلوقين من المخلوقين الضعفاء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فكيف ينفعوا غيرهم؟ قال رحمه الله: وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. وهذا القضاء قضاء شرعي. وأما في الكون عبد الناس غير الله، عبد الناس غير الله، وسيعاقبهم الله على هذا الشرك. قال رحمه الله: والمعنى: أمر وأوصى وقضى إذا كان شرعيًا كان بمعنى أمر وأوصى. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الآية. والآيات في هذا المعنى كثيرة. والحنيف هو الذي يتوجه لعبادة الله عز وجل وحده، ويميل عن عبادة غيره، مثل: لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله. فأنت تنفي الألوهية عما سوى الله، وتثبتها لله عز وجل وحده. قال رحمه الله: والعبادة التي خلق الثقلان لأجلها، وأمروا بها هي توحيد سبحانه وتخصيصه بجميع الطاعات التي أمر بها، من صلاة وصوم وزكاة وحج وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة. كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. والنسك هو العبادة، ومنها الذبح، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. أي: صل له وحده، وانحر له وحده. فكما لا يصلى إلا لله، فكذلك لا يجوز أن يذبح إلا لله، لأن هذه كلها من العبادات التي لا يجوز أن تصرف إلا لله. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من ذبح لغير الله" رواه مسلم في الصحيحة من حديث أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه. وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وسبب هذا اللعن أنه فعل الشرك والكفر، لأن من ذبح لغير الله أشرك. ومن أشرك فقد خرج من الإسلام والعياذ بالله، ووقع في الكفر. وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ فسرت المساجد مواضع السجود، وفسرت المساجد المكان التي صلى فيها. وكل هذا مقصود في الآية. فالمساجد أعضاء السجود لله، لأنه الذي خلقها، فلا يجوز أن يسجد بها لغير الله، بل لا يسجد بها إلا لله وحده. ولا يجوز أن يدعى بها غير الله، بل لا يدعى بها إلا الله وحده. وهكذا أماكن الصلاة والسجود ينبغي أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى. من وضع القبر في المسجد أو أتى بالمسجد فوق القبر، هل جعل المساجد خالصة لله؟ الجواب: لا، بل أشرك مع الله غيره. ولذلك تجد من يذهب إلى هذه المساجد التي فيها القبور يتعلق قلبه بهذه القبور بالدعاء والمسألة، وكذلك السؤال والاستغاثة، بل وربما سجد لها والعياذ بالله. وكل هذا من الشرك والكفر الذي حرمه الله. قال رحمه الله: وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ هذا تعليل، ليس هناك إله عبد من غير الله له برهان، بل كل ما عبد من غير الله لا برهان له به، فكله من الشرك والكفر الذي لا يجوز أن يقع من مسلم. قال رحمه الله: وانظر كيف وصف فاعل هذا بالكفر في قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. فاعل ذلك كافر، أي من يدعو غير الله. فبالله وتالله والله ماذا سيجيب هؤلاء إذا سألهم الله: لما تركتم سؤالي وتوجهتم بسؤال غيري؟ أليس هذا عين الشرك والكفر الذي حرمه الله؟ قال: وقال عز وجل في سورة فاطر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. يعني ما يملكون هذا الشيء اليسير في نواة التمر، فكيف يؤتى إليهم ويسألون ويرجى منهم ويطلب منهم الشفاء والعافية والولد وغير ذلك؟ قال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. فسمى الله عز وجل دعاء غير الله شركًا. ويوم القيامة يكفرون بشرككم، هذا الذي يدعو الحجر سيتبرأ الحجر يوم القيامة، هذا الذي يدعو القبة ستتبرأ القبة، هذا الذي يدعو القبر سيتبرأ القبر يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: فأوضح سبحانه في هذه الآيات أن الصلاة لغيره والذبح لغيره ودعاء الأموات والأصنام والأشجار والأحجار كل ذلك من الشرك بالله والكفر به. وأن جميع المدعويين من دونه من أنبياء أو ملائكة أو أولياء أو جن أو أصنام أو غيرهم لا يملكون لداعيهم نفعًا ولا ضرًا. إذا كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم ولا فخر: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾. فكيف يمكن أن يدعى لأحد بأنه يملك النفع والضر؟ قال رحمه الله تعالى: لا يملكون لداعيهم نفعًا ولا ضرًا. وأن دعوتهم من دونه سبحانه شرك وكفر كما تقدم، سماه الله شركًا وكفرًا في آيات كثيرة. قال: كما أوضح سبحانه أنهم لا يسمعون دعاء داعيهم، ولو سمعوا لم يستجيبوا له. كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾. فالميت لا يسمع. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، هذا في أحاديث كثيرة، الميت يسمع في موضع واحد عند دفنه وذهاب الناس عنه فقط، في هذا الموضع يسمع، أو في مواضع استثناها الله عز وجل كما فعل مع نبيه عليه الصلاة والسلام حين خاطب المشركين. والأصل أن الأموات لا يسمعون بأدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله: فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس الحذر من ذلك والتحذير منه وبيان بطلانه. وأنه يخالف ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له. كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فمفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام بالتوحيد والأمر بعدم الشرك، فيجب الاعتناء بهذا الباب والحذر من الوقوع في ما ينافيه. قال رحمه الله: وقد مكث صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة يدعو فيها إلى الله سبحانه ويحذر الناس من الشرك به ويوضح لهم معنى لا إله إلا الله. فاستجاب له الأقلون، واستكبر عن طاعته واتباعه الأكثرون. ثم هاجر إلى المدينة عليه الصلاة والسلام، فنشر الدعوة إلى الله سبحانه هناك بين المهاجرين والأنصار، وجاهد في سبيل الله، وكتب إلى الملوك والرؤساء، وأوضح لهم دعوته وما جاء به من الهدى. وصبر وصابر في ذلك هو وأصحابه رضي الله عنهم حتى ظهر دين الله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر التوحيد، وزال الشرك من مكة والمدينة ومن سائر الجزيرة على يده صلى الله عليه وسلم وعلى يد أصحابه من بعده. ثم قام أصحابه بالدععة إلى الله سبحانه والجهاد في سبيله في المشارق والمغارب حتى نصرهم الله على أعدائه، ومكن لهم في الأرض، وظهر دين الله على سائر الأديان. كما وعد بذلك سبحانه في كتابه العظيم، حيث قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وكل هذا دليل ظاهر على أهمية الاعتناء بتعليم العقيدة وتحذير الناس من الشرك. فنبينا صلى الله عليه وسلم قضى ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد والعقيدة ويحذر من الشرك في مكة. وكمل عشر سنين في المدينة حتى انتشر الدين ودخل الناس بدين الله أفواجًا. وكان هذا قبل موته ببضعة أشهر نزل قول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. جاء عن عائشة وغيرها أن الآيات في هذه السورة إذان من الله بأنه أكمل الرسالة وأدى الأمانة وأنه قرب رحيله عليه الصلاة والسلام. فكان يتأولها ويكثر من التسبيح كما أمره الله في سجوده وركوعه. قال رحمه الله: ومن البدع ووسائل الشرك ما يفعل عند القبور من الصلاة عندها والقراءة عندها وبناء المساجد والقباب عليها. وهذا كله بدعة ومنكر ومن وسائل الشرك الأكبر. وكما تقدم معنا كل ما يفضي ويوصل إلى الشرك الأكبر فهو من الشرك. ماذا الأصغر؟ قال: ولهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" متفق على صحته من حديث عائشة رضي الله عنها. وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك". فأوضح صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين وما جاء في معناهما أن اليهود والنصارى كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد. فحذر أمته من التشبه بهم باتخاذها مساجد والصلاة عندها والعكوف عندها والقراءة عندها. لأن هذا كله من وسائل الشرك ومن ذلك البناء عليها واتخاذ القباب والستور عليها. وكل ذلك من وسائل الشرك والغلو في أهلها كما قد وقع ذلك من اليهود والنصارى ومن جهال هذه الأمة حتى عبدوا أصحاب القبور وذبحوا لهم واستغاثوا بهم ونذروا لهم وطلبوا منهم شفاء المرضى والنصر على الأعداء. كما يعلم ذلك من عرف ما يفعل عند القبر الحسين والبدوي والشيخ عبد القادر الجيلاني وابن عربي وغيرهم من أنواع الشرك الأكبر. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا توجه الناس بالعبادة لهذه القبور وهؤلاء المدفونين صار الشرك الأكبر لأن العبادات لا تصرف إلا لله عز وجل وحده. قال: وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها والكتابة عليها. وما ذاك إلا لأن تجصيصها أي أن يجعل لها النور بأي شكل من الأشكال سواء بالتلوين أو الزخرفة أو الكتابة أو غير ذلك. قال: والبناء عليها من وسائل الشرك الأكبر بأهلها لأنها تفضي إلى الشرك الأكبر حين يأتي العام المسكين فيرى القبر قد زين بأحسن زينة بني وزخرف وزين وكتب عليه وأسرج وبخر وجعلت عليه الستور وطاف حوله الطائفون وفعل حوله أنواع ما يفعل هؤلاء من الشركيات والوثنيات والذكر والتعظيم. سيدخل في قلبه أن هذا القبر ماذا ينفع ويضر؟ ما اجتمع الناس حوله وفعلوا هذا إلا أن صاحب هذا القبر ينفع ويضر. فإذا وجد الناس يسألون ويدعون ويستغفرون ويذبحون ويستغيثون ويطلبون شفاء المرضى ورد الغائب وغير ذلك فإنه سيفعل مثلهم فيكون هذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله. قال: فالواجب على جميع المسلمين حكومات وشعوبًا الحذر من هذا الشرك ومن هذه البدع. وسؤال أهل العلم المعروفين بالعقيدة الصحيحة والسير على منهج السلف على منهج سلف الأمة عما أشكل عليه من أمور دينهم حتى يعبد الله على بصيرة. عملًا بقول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة". وقوله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". فالواجب سؤال أهل العلم والتفقه في الدين وكذلك الحرص على عدم الوقوع في مثل هذه الشركيات والوثنيات. قال: ومعلوم أن العبادة لم يخلقوا عبثًا وإنما خلقوا لحكمة عظيمة وغاية شريفة وهي عبادة الله وحده دون كل من سواه. كما قال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ولا سبيل إلى معرفة هذه العبادة إلا بتدبر الكتاب العظيم والسنة المطهرة ومعرفة ما أمر الله به ورسوله من أنواع العبادة. وسؤال أهل العلم عما أشكل في ذلك. وبذلك تعرف عبادة الله سبحانه وتعالى التي خلق العباد من أجلها وتؤدى على الوجه الذي شرعه الله. وهذا هو السبيل الوحيد لمرضاة الله سبحانه والفوز بكرامته والنجاة من غضبه وعقابه. وفق الله المسلمين لكل ما فيه رضاه، ومنحهم الفقه في دينه، وولى عليهم خيارهم، وأصلح قادتهم، ووفق علماء المسلمين لأداء ما يجب عليهم من الدعوة والتعليم والنصح والتوجيه. إنه جواد كريم. ومن أنواع ذلك هذا نتركه إن شاء الله في درس لاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذه مجموعة من الأسئلة يجاب على ما تيسر منها. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. يقول: من صلى خلف الإمام وهو يقنت في صلاة الفجر، فهل يلزم متابعة الإمام في القنوت؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح من أقوال أهل العلم أن الإمام يتابع في موافق السنة. وأما ما ليس له أصل في السنة ولم يثبت فلا يتابع عليه مثل قنوت الفجر. أما قنوت النوازل له أصل، فإذا اختلف أهل العلم في قنوت النوازل فصليت خلف إمام يقنت ورأى بعض العلماء أنه لا يقنت في هذا الوقت، فالصحيح في مثل هذه الحال تتابعه. لأن هذا الموضع له أصل، قنوت النوازل له أصل، بخلاف قنوت الفجر، تخصيص الفجر بالقنوت ليس له أصل. الحديث الذي ورد حديث ضعيف في إسناده، من يضعف لأجله وهو عيسى بن أبي عيسى عيسى بن مهان. يقول: المجامع في نهار رمضان متعمدًا، هل على زوجته كفارة؟ الصحيح من أقوال أهل العلم إذا طاوعته ووافقته فهي تشاركه في الإثم والكفارة. وأما إذا كانت رافضة ولكنه أكرهها فالإثم عليه والكفارة عليه فقط. يقول: ما هو الصحيح في الخلع، هل يعتبر طلاقًا أو فسخًا؟ الصحيح أنه نوع من الفسخ، ولهذا كانت عدة على القول الصحيح فيما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ليس مثل عدة الطلاق، بل حيضة واحدة فقط. حيضة واحدة فقط، إلا إذا اقترن بطلاق. الفرق بين الزوجين على ثلاث صور: الصور الأولى أن تكون من الرجل بالطلاق، وأن تكون من المرأة بالخلع، وأن تكون من الحاكم بالفسخ. فإن كانت من الرجل فالعدة تكون ثلاث حيض، إلا أن تكون حاملًا أو مرضعًا. بالنسبة للمرأة الخلع ويكون عدتها حيضة واحدة. فإن كانت لا تحيض فشهر، إلا أن تكون حاملًا أو مرضعًا. يقول: هل يجوز للرجل إذا دخل المقبرة مع الجنازة أن يذهب إلى قبر أمه أو أبيه أو زوجته أو أخيه ويدعو لقريبه؟ نعم يجوز، يدعو له نعم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي". فأذن له بالزيارة لأنها ماتت على الشرك والكفر، ولم يأذن له بالاستغفار سبحانه وتعالى. يقول: رجل لجهله جامع أهله عدة مرات ولم ينزل ولم يغتسل وصلى صلوات كثيرة، فماذا عليه الآن؟ ما دام كان يجهل هذا الحكم، وقد ذهب وقت الصلوات، عليه الاستغفار والتوبة. والصلوات لا تعاد لأن وقتها قد ذهب. والدليل ما جاء في الصحيحين في حديث المسيء في صلاته، فلما جاء وصلى صلاة ليس فيها طمأنينة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجع فصلي فإنك لم تصلي" الحديث. فأمره بإعادة الصلاة الحاضرة فقط، ولم يأمره بإعادة كل الصلوات التي مضت. يقول: هل من السنة الجهر بالأذكار عقب الصلاة؟ اختلف أهل العلم في هذا، فمن أهل العلم من قال يجهر بها، ومن أهل العلم من قال لا يجهر بها. والسبب اختلاف الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. فجاء في حديث ابن عباس في البخاري وغيره أنهم كانوا يعرفون انتهاء أو انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير. وفي رواية بالذكر. وجاء في بعض الروايات ليس فيه الجهر. جمع بينها بعض أهل العلم، هذا هو الصحيح أنه الأصل لا يرفع، لا يرفع بالذكر حتى لا يشوش المصلون على غيرهم. لا يشوش الذاكرون على غيرهم من المصلين الذين لم يكملوا الصلاة، وغير ذلك. إلا في حالتين: الحالة الأولى أن يكون للتعليم، مثل الإمام يعلم الناس كيف يذكرون الله ويذكرهم، فلا بأس. ويروى هذا عن إمام الشافعي رحمه الله وغيره. والثاني أن تكون بعض الكلمات تخرج من غير قصد، يعني ترتفع بعض الكلمات وبعض الأذكار. وهذا يسأل عن الأفضل في أذكار الصباح والمساء؟ الأفضل قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، كما أخبر الله عز وجل، وكما كان عليه حال النبي صلى الله عليه وسلم. طيب نكتب بهذا القدر إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.