الدرس في القواعد والأصول الجامعة 24، الدرس الرابع والعشرين : فيه من قوله ( القاعدة الثامنة:الأحكام الأصولية والفرعية لا تتم إلا بأمرين ... ومن تتبع ذلك وجده مطرداً غير منتقض ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح القاعدة الثامنة التي تنص على أن الأحكام الشرعية لا تتحقق إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع. يوضح أهمية هذه القاعدة في فهم النصوص الشرعية.
يشرح المقطع أن الأعمال الصالحة لها شروط وموانع، وأن الوعيد بالعذاب لا يتحقق إلا بتوفر شروط وانتفاء موانع. الإيمان الصحيح يحول دون الخلود في النار.
العبادات والمعاملات لها شروط وموانع، فلا تصح إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع، مثل الصلاة والصيام والحج والمعاملات المالية والنكاح والميراث.
خلاصة القاعدة تشير إلى إمكانية اجتماع خصال الإيمان وخصال الكفر في الشخص الواحد، وهذا هو الرأي الأصح والأصوب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاعدة الثامنة بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الثامنة: الأحكام الوصولية والفروعية لا تتم إلا بأمرين: وجود الشروط وانتفاء الموانع. وصوابه «وجود الشروط وانتفاء الموانع» بالهمز. قال رحمه الله تعالى: وهذا أصل كبير مضطرد الأحكام، يرجع إليه في الأصول أو يرجع إليه في الأصول والفروع. ومراده بالأصول والفروع على ما سبق الإشارة إليه: إما المسائل الكبار والمسائل الصغار، وإما العقائد وما دونها من المعاملات والعبادات. ويكون هذا من التعبير بالشيء الذي تعورف عليه، مع التنبيه على خطأ هذا التقسيم في مواضع أخرى. قال: فمن فوائده -مع ما سبق- أن الأفضل ترك هذا التعبير على هذا التفسير. قال: فمن فوائده أن كثيرا من نصوص الوعد بالجنة أو تحريم النار أو نحو ذلك قد ورد في بعض النصوص ترتيبه على أعمال لا تكفي وحدها، بل لابد من انضمام الإيمان وأعمال أخرى لها. وكذلك في نصوص كثيرة ترتيب دخول النار أو الخلود فيها على أعمال لا تستقل بهذا الحكم، بل لابد فيها من وجود شروطها وانتفاء موانعها. وبهذا الأصل يندفع إيرادات تورد على أمثال هذه النصوص. ومراده رحمه الله: أولا يريد أن يبين أن هذه الأحكام التي يحكم بها في الشرع، سواء في شيء اعتقادي أو في شيء عملي من العبادات أو المعاملات، أو كذلك في قضية كبيرة أو قضية صغيرة، كل ذلك لا يتم إلا بأمرين: وجود الشروط وانتفاء الموانع. فدخول الجنة له شروط، من شروطه الإيمان، من شروطه الإيمان والإخلاص، فلا يدخل الجنة كافر، ولا يدخل الجنة منافق. فإذا ما جاء في بعض الآيات من ذكر دخول الجنة لبعض الأعمال الحسنة، مشروط بشروطه. فمثلا من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، ليس كل من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، بل من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه هو الذي يدخل الجنة. وإلا ففرعون قال لا إله إلا الله، ماذا قال عند أن مات؟ ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾، ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾، ما نفعته لا إله إلا الله. مع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، لكن بشرط ما لم تطلع الشمس من مغربها أو يغرغر، فهذا قال عند الغرغرة فما نفعته لا إله إلا الله. وهكذا آيات كثيرة وأحاديث أكثر فيها ذكر دخول الجنة وتحريم النار لمن عمل بعض الأعمال، ومع ذلك لها شروط لابد أن تتوفر وموانع لابد أن تنتفي. مثلا: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ إلى أن قال: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾، معلوم أولئك لهم ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾. فهل كل من إذا فعل فاحشة وذكر الله واستغفره كان له هذا الجزاء؟ لا، هذا الجزاء للمؤمن المخلص، أما من وقع في الشرك ثم فعل واستغفر، فإنه لو فعل ما فعل ما نفعه ذلك، ولم يدخل الجنة إلا موحد، أما المشرك لا حظ له في مثل هذا الثواب، لأن الأعمال لها شروط لابد أن تتوفر وموانع لابد أن تنتفي. لا تمس النار عينان دمعتا -يعني- لله عز وجل، أو سهرتا في الله عز وجل، هل كل عين دمعت لا تمسها النار؟ لا، لابد من أن تتوفر الشروط وتنتفي الموانع، فالمشرك لا حظ له في مثل هذا الحديث لوجود مانع وهو الشرك. وهكذا في كل ما كان بمعنى ذلك، وهكذا ضده في دخول النار والخلود فيها، فلابد من الشروط وانتفاء الموانع. ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه﴾، هذا فيه أن قتل المؤمن يخلد النار، هل معنى ذلك أنه لا يدخل الجنة؟ الجواب: لا، ما دام مؤمن لابد أن يدخل الجنة، فإذا ماذا يفسر الخلود هنا؟ يفسر الخلود على أحد تفاسير أهل العلم أنه طول المكث بالنار، طول المكث بالنار، ولهذا لم يؤكد بالتأبيد، بخلاف الكفار: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها أبدا﴾، ليس فيه «أبدا» بخلاف الكفار، الكفار فيه «أبدا»، أما ما كان من الأعمال التي قد يفعلها المسلمون فليس فيها «أبدا»، فيدل أن الخلود ها هنا ليس التأبيد، وإنما الخلود طول المكث، الخلود طول المكث. وهكذا كل عمل كان فيه مثل هذا الوعيد، فهو لا يثبت إلا بوجود شروط وانتفاء موانعه. قال: والجواب الصحيح فيها أن يقال: ما ذكر بالنصوص الصحيحة من الوعد والوعيد حق، فذلك العمل موجب له، ولكن لا بد من وجود الشروط كلها وانتفاء الموانع. فإن الكتاب والسنة قد دلت دلالة قاطعة على أن من معه إيمان صحيح لا يخلد في النار، بل يعذب فيها بقدر معصيته، بل إنه قد لا يدخل النار لأنه تحت المشيئة: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. قال: كما دل الكتاب والسنة أن المشرك محرم عليه دخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. قالوا: أجمع على ذلك السلف. وقد يجتمع بالشخص الواحد إيمان وكفر، لكن لا يجتمعان وهما إيمان وكفر أكبر، لابد أن ينتقض الإيمان بالكفر، وإنما الكفر دون كفر هذا الذي يجتمع مع الإيمان، أما الكفر الأكبر فإنه ينقض الإيمان، الكفر الأكبر ينقض الإيمان كما قال الله عز وجل: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾. الكفر الأكبر ينقض الإيمان ويبطله، وأما الكفر الأصغر والكفر دون كفر فإنه لا يبطل الإيمان ولكن ينقصه. قال: وقد يجتمع بالإنسان خير وشر، فإذا اجتمعا فهو مؤمن ناقص الإيمان. قال: وموجبات الثواب وموجبات العقاب، وذلك موافق للنصوص ومطابق لحكمة الله ورحمته وعدله. قال: ومن فروع هذا الأصل: الصلاة لا تصح حتى توجد شروطها وأركانها وواجباتها وتنتفي موانعها، وهي مبطلاتها التي ترجع إلى الإخلال بشيء مما يلزم فيها أو فعل منهي عنه فيها بخصوصها. فمن شروط الصلاة الطهارة، فإذا صلى المصلي من غير طهارة بطلت صلاته، لا تصح إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع. من الموانع للصلاة عدم وجود ستر العورة عمدا، إذا كان هذا غير عذر، فلا يجوز للمصلي أن يصلي وهو كاشف لعورته، بل يجب عليه أن يستر عورته، وإذا تعمد ذلك بطلت صلاته. قال: وكذلك الصيام لا بد في صحته من وجود كل ما يلزم فيه ومن انتفاء الموانع، فلا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع. ومن الموانع أن يكون قد أفطر، فمن أفطر في أول النهار لا يستطيع أن يصوم لأنه عنده مانع، فهو مفطر، كيف يصوم؟ لو أن رجلا أراد أن يصوم صيام تطوع فأصبح ولم يأكل شيئا فعزم الصيام من نصف النهار، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز لفعل النبي عليه الصلاة والسلام وقوله. وأما إذا أفطر في أول النهار فإنه لا يجوز له أن يصوم لوجود المانع وهو دخول الطعام. قال: وكذلك الحج والعمرة -يعني- كذلك لا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع. ومن ذلك المعاملات كالبيع والشراء والإيجارة وجميع المعاوضات والتبرعات لا تصح وتنفذ إلا بإجتماع شروطها وانتفاء موانعها، وهي مفسداتها. فمثلا من الشروط الرضاء، لا يصح بيع ولا شراء ولا إيجارة ولا معاوضة ولا تبرع إلا بالرضاء. وكذلك بملك، فهذه من الشروط. وانتفاء الموانع كذلك، فمن الموانع تخلف بعض الشروط، لا يبيع ما لا يملك، وهبت ما لا يملك، وإيجارة ما لا يملك. قال: وكذلك المواريث والنكاح وغيرها، أي لابد من توفر الشروط وانتفاء الموانع. فمن موانع المواريث القتل والرق والكفر. ومن موانع النكاح أو من شروط النكاح الرضاء ووجود الولي وتعيين الزوجين، وكذلك إعلان النكاح، فهذه شروط، وإذا انتفى أحدها فقد وقع المانع، فلا يصح إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع. قال: وشروط هذه الأشياء ومفسداتها مفصلة في كتب الفقه -يعني- ذكرت مفصلة في كتب الفقه، ففي كتب الفقه تذكر شروط هذه العبادات والمعاملات. قال: ولهذا إذا فسدت العبادة أو المعاملة أو غيرها من العقود والفسوخ -العقود مثل عقد النكاح، عقد البيع، هذا يسمى عقد، والفسخ هو إلغاء ذلكم العقد، إلغاء ذلكم العقد مثل الطلاق، الطلاق من الفسوخ، والخلع من الفسوخ وهكذا- قال: فلا بد من أحد أمرين: إما خلل بشيء من دعائمها وشروطها -الدعائم مثل أركان والواجبات والشروط- وإما بوجود مانع ينافيها ويفسدها. ومن تتبع ذلك وجده مضطردا غير منتقد -يعني- أن الأحكام تدور مع شروطها وموانعها، فلا بد أن تتوفر الشروط وتنتفي الموانع. هذا خلاصة هذه القاعدة. وقد يجتمع بالشخص الواحد خصال الإيمان وخصال الكفر، وهذا أصح وأصوب.