القواعد والأصول الجامعة 73

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 73، الدرس الثالث والسبعون : من : ( وكذلك لو صلى وعليه عمامة ... فالفعل محرم والعقد صحيح وللآخر الخيار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أثر التحريم على صحة العبادة

يتحدث عن القاعدة الثامنة والثلاثين من قواعد الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وهي أن التحريم إذا عاد إلى نفس العبادة فسدت، وإذا عاد إلى أمر خارج لم تفسد. يشرح أمثلة على ذلك مثل الصلاة بعمامة حرير للرجل أو خاتم ذهب.

أثر المحرمات على العبادات والمعاملات

يتناول أثر ارتكاب المحرمات على صحة العبادات والمعاملات، حيث يوضح أن ارتكاب المحرمات لا يبطل الصوم ولكن يحرم الأجر، بينما يبطل المعاملات إذا تعلق النهي بذاتها أو شرطها. يشير إلى أمثلة من المعاملات الفاسدة.

حكم تلقي الجلب والتدليس والنجش

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب والتدليس والنجش في البيوع، وهذه الأفعال محرمة لكنها لا تبطل العقد، بل للمشتري الخيار بين إمضاء العقد مع أخذ التعويض أو إلغائه. الدليل على ذلك أحاديث نبوية.

أحكام النجش في البيع وتأثيره

إذا وقع النجش في البيع وتبين أن سعر السلعة زيد عليه، فالمشتري له حق الخيار في أخذ الفارق أو إلغاء البيع. يحق للمشتري استرداد الفارق بين السعر الحقيقي والسعر المتفق عليه نتيجة النجش.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، كما زلنا في القاعدة الثامنة والثلاثين من القواعد التي ذكرها الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، والقاعدة: إذا عادت تحريمون لنفس العبادة وإلى شرطها فسدت، وإذا عاد إلى أمر خارج لم تفسد. وكان آخر ما وقفنا عليه ما مثل به رحمه الله في الأمر الخارج عن العبادة، وقلنا فيما سبق أن هذه القاعدة اختلف في لفظ أولًا، ثم اختلف في فهم ما ذكره المؤلف رحمه الله ثانيًا، وأن الصواب أن ما مثل به المؤلف رحمه الله الصحيح أنه هو مما هو خارج عن العبادة، وهو ما مثل به من الوضوء بالماء المغصوب. وقلنا أن الإثم يثبت لثبوت الحرمة، والطهارة لا تبطل على الصحيح لعدم وجود دليل صحيح صريح يبطلها. قال رحمه الله تعالى: وكذلك لو صلى وعليه عمامة حرير وهو رجل، أو خاتم ذهب، حرم عليه الفعل والصلاة صحيحة؛ لأنه عاد إلى أمر خارج. وهذا أظن أنه مر علينا كذلك، وعلمنا السبب في التفريق بين العمامة والإزار؛ لأنهم يرون أن العمامة لا يستر ما هو عورة ستره فيما يرون، ويرون أن الإزار يستر ما هو عورة. ولهذا قال: رجل لو كانت امرأة فستر شعرها عورة، فيكون بهذا مبطل. والصحيح أنه أولًا كما قلنا ستر العورة واجب من الواجبات، وليس عورة لحديث «عمر بن سلمة». فإنه لم يمر بعادة الصلاة، وكذلك إذا قلنا واجب فلا يعني ذلك التساهل بتركه، بل من تعمد تركه بطلت صلاته؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وإن لم يتعمد لم تبطل، وهذا الفرق بين الواجب والعورة، وبه يكون الجمع بين الأحاديث الواردة بهذا المعنى. وأما كونه إذا لبس عمامة حرير وهو رجل فلا تبطل الصلاة، وإذا كانت امرأة تبطل الصلاة، فالصحيح أنها لا تبطل في الحالين؛ لأن الحرمة أو التحريم وقع لأمر خارج عن الصلاة، ولو كانت امرأة فيلحقها الإثم ولا تبطل الصلاة لعدم دليل صحيح صريح يدل على ذلك. فإن قيل: ما هو المثال الصحيح في الشيء الذي هو ليس بخارج عن العبادة، وبالشيء الذي هو خارج عن العبادة؟ أما الخارج عن العبادة، فما ذكره المؤلف رحمه الله كخاتم الذهب وعمامة الحرير للرجل، بل وكذلك على الصحيح وللمرأة. وأما بالنسبة للنهي أو التحريم المتعلق إلى نفس العبادة، مثل النهي عن الصلاة إلى القبور، فإنه نهي متعلق بنفس العبادة. وهكذا كذلك بالنسبة للمعاملات، النهي عن بيع الخمر والميتة والأصنام كما في الصحيحين حديث «جابر بن عبد الله»، وسيأتي إن شاء الله في باب المعاملات أمثلة. قال رحمه الله: «والصائم إذا تناول شيئًا من المفترات فسد؛ يعني فسد صومه». قال: «فإن فعل شيئًا من المحرمات في حق الصائم وغيره كالغيبة والنميمة والفعل المحرم، صح صومه مع الإثم». الصائم إذا تناول شيئًا من المفترات فسد صومه؛ أكل الطعام أو جامع الزوجة أو أنزل المني عمدًا، فهو في الأول والثاني يبطل باتفاق، وفي الثالث على الصحيح كذلك يبطل صومه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم بحديث «أبي هريرة»: «أن الله جل وعلا يقول: يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». والإنزال من الشهوة. فإن فعل شيئًا من المحرمات في حق الصائم وغيره، قال: «كالغيبة والنميمة»، فهذا أمر خارج عن الصيام، فالصحيح أنه لا يبطل؛ لا تبطل العبادة خلافًا للظاهرية؛ فإنهم بعض الظاهرية يزعمون أن هذه المحرمات تبطل العبادة، ويستدلون بأحاديث هي في الحقيقة ليست صريحة في هذا المعنى: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». وهذه الأحاديث ليست معناها أن العبادة لا تصح، ولكن معناها أن أجر العبادة لا يحصل. قال: «والفعل المحرم كذلك إذا فعل شيء محرم مثل النظر الحرام، نظر نظرة حرام، أو كذلك استمع للغناء أو غير ذلك». قال: «صح صومه مع الإثم»، وهذا هو الصحيح، الصوم صحيح مع الإثم. ويحرم الهجر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال بحديث «أبي هريرة»: «رمضان إلى رمضان، ماذا كفارة لما بينهما؟ بشرط ما هو الشرط؟ إذا اجتنبت الكبائر، فإذا لم تجتنب الكبائر لا تحصل الثمرة من تكفير الذنوب والخطايا، وهذا من شؤم الكبائر». قال: مثال المعاملات إذا باع مالًا يملك أو بغير رضا معتبر، أو بيع ربا أو غرر ونحو ذلك، فسد البيع؛ لأنه متعلق بذاته وشرطه. كذلك بباب المعاملات، وهو الذي سماه في أول كتاب المعاوضة: إذا كان النهي متعلق بذات المعاملة أو شرطها، فإن المعاملة تبطل. ومثل له رحمه الله ببيع مال يملك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع مال يملك، فالنهي تعلق بعين المعاملة. نهى عن بيع مال يملك، جاء من حديث «حكيم بن حزام»، وصححه جماعة من أهل العلم، والشيخ العلامة الألباني رحمه الله، وهو بالسنن. فإذا باع مالًا يملك، فإنه تعلق النهي بذات المعاملة فتبطل، لا يصح البيع. فكيف يكون إذا رجل باع شيء ليس له؟ إذا باع شيء ليس له نأتي إلى هذه السلعة ونأخذها: يا فلان هذه السلعة ليست لك، ترجع لمالكها، ثم ماذا؟ ثم هذا الرجل يرجع بماله ممن غرر به، فإن وجد ماله وإلا فبينه وبينه القضاء. قال: «أو بغير رضا معتبر كذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنما البيع عن تراض». إنما البيع عن تراض، وقد جاء عن عدد من الصحابة، فقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما البيع عن تراض» دل على أن التراض شرط من شروط البيع. قال: «أو بيع ربا كذلك، بيع ربا إذا كان البيع فيه ربا فهو لا يجوز؛ فمن شرط البيع أن لا يكون فيه محرم في المعاملة والعين، فهذا لا يجوز؛ فالنهي متعلق بذات المعاملة». أو غرر كذلك، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، حديث «أبي هريرة» في مسلم، فنهى عن بيع الغرر. قال: «ونحو ذلك فسد البيع، ونحو ذلك مما تعلق بذات المعاملة أو شرطها». وهذا منه كما مر معنا، نهى عن بيع الخمر والميتة والأصنام، فإنه متعلق بذات المبيع. قال: «وإن تلقى الجلب، تلقي الجلب يعني تلقي من يأتي بالحيوان من أهل البادية، يتلقاهم أهل الحضر». وإن تلقى الجلب أو دلس، والتدليس نوع من الغش والخداع في البيع، أو باع بنجش -عندكم بالسين ولا بالشين، بالشين طيب- الذي عنده مثل الذي عندي بالسين، يصوب صوابه بالشين. أو باع بنجش، والنجش هو الزيادة في السلعة بغير نية الشراء، الزيادة في السلعة بغير نية الشراء، أو معيبًا يعلمه، كذلك يبيع شيء فيه عيب وهو يعلم هذا العيب، فهذا نوع كذلك من الغش وغش فيه المشتري؛ لأنه إذا كان لا يعلمه فإنه ليس من الغش، فصاحبه بالخيار. قال: «فالفعل محرم والعقد صحيح، وللآخر الخيار؛ يعني الذي وقع عليه الضرر». وللآخر الخيار، وهو الذي وقع عليه الضرر. وما هو الدليل على هذا التفصيل؟ الدليل أن النهي لم يتعلق بذات المعاملة وإنما لخارج عنها. ويدل عليه أحاديث منها ما جاء في البخاري من حديث «أبي هريرة»: «لا تلقوا الركبان، نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن تلقي الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر». فهذا الحديث يشعر أن هذه المعاملات المذكورة وهي خمس معاملات في البيوع، صاحبها بالخيار. وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «لا تلقوا الجلب»، وفي رواية: «لا تلقوا الركبان». قال: «فمن تلقى فاشترى، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار»، رواه مسلم عن أبي هريرة. فهذا يدل أن هذا المعنى المذكور في حديث أبي هريرة في رواية البخاري صحيح؛ أن هذه المعاملات الخمس هي مما يكون فيها الخيار. لماذا يكون فيها الخيار؟ لأن النهي ليس متعلق بذات العبادة. فنظر أهل العلم إلى المعنى الجامع لهذه المعاملات، فوجدوا أن النهي لما كان غير متعلق بذات المعاملة فإنه لا يقتضي الفساد، وإنما يقتضي الإثم. فالفعل محرم، وأما صحة العقد فصاحبه بالخيار، إن شاء أمضى العقد وأخذ الأرش، وإن شاء ألغى العقد. ومعنى الأرش: الفارق الذي به حصل عليه الضرر. فإن كان مثلًا هذا المبيع قيمته سليمًا بعشرة آلاف، ومع هذا الغش لا يكون إلا سبعة آلاف، كم الفارق؟ ثلاثة آلاف، إذن يقول: أنا ما دام قد غشني فلان، أنا أمضي البيع لكن أريد الفارق. هذه السلعة ليست قيمتها عشرة آلاف، أنا أريد الفارق، الفارق ثلاثة آلاف يرد لي ثلاثة آلاف وأنا أمضي البيع، أو يأخذ سلعته وأخذ مالي، له الحق في ذلك. فالمشتري بالخيار، وهكذا كذلك في تلقي الركبان، إذا أتى إلى السوق فوجد أنه قد غش وغرر عليه إذ تلقى قبل أن يصل إلى السوق، فهو بالخيار إن شاء أمضى البيع وأخذ الفارق، أو سامح، أو يرد هذا البيع، يجوز له ذلك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار». وهكذا كذلك إذا حصل النجش وتبين أن هذه السلعة زيد في سعرها على غير حقيقتها، فتبين له ذلك، فيقول: أنا أريد الفارق، سعرها الحقيقي أنقص مما أعطيتموني إياه بفارق مثلًا ثلاثة آلاف أو نحو ذلك، فإذا كان كذلك فيأخذ الفارق وهو بالخيار. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه السلام.