القواعد والأصول الجامعة 76

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 76، الدرس السادس والسبعون : من : ( القاعدة الأربعون ... وأمثلة هذا الأصل كثيرة جداً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في قاعدة الاستطاعة

تناول الشيخ قاعدة الاستطاعة الفقهية واستشهد بالآيات والأحاديث الداعمة لها، موضحاً تطبيقها على أمور العبادات.

تفاصيل أحكام المقدور عليه في العبادات

يشرح المقطع أربعة أنواع من المقدور عليه وما يجب فعله في كل حالة، مستنداً إلى الأدلة الشرعية والآيات القرآنية.

تصنيف الواجبات عند العجز ومسألة التوبة

يناقش تصنيف الواجبات إلى أربعة أنواع عند العجز عن أدائها كاملة، ويتطرق إلى شروط التوبة ووجوبها عند العجز عن معاودة المعصية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رحمة الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهينا من القاعدة التاسعة، قال رحمه الله تعالى: القاعدة الأربعون: يجب فعل المأمور به كله، فإن قدر على بعضه وعجز عن باقيه، فعل ما قدر عليه. هذه هي القاعدة، كذلك هي من القواعد الفقهية، وهي تدخل تحت بعض القواعد الكلية، فهي تدخل في قواعد القدرة، وتسمى هذه القاعدة الفرعية بقاعدة الاستطاعة. ودليلها ما ذكره رحمه الله تعالى، قال: قال الله تعالى: ﴿فتقوا الله ما استطعتم﴾، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فيصلي من قدر على بعض أركان الصلاة وشروطها وعجز عن باقيها، فيفعل ما يقدر عليه منها، ويسقط عنه ما يعجز عنه. وأمثلة هذا الأصل كثيرة جدا. فهذه القاعدة كما رأينا، ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ دليلها هو نص القاعدة، وهو كذلك فيه مثال لما ذكر رحمه الله تعالى. فمن قدر على بعض الأركان فعلها، إنسان ما يستطيع يقوم، يستطيع أن يصلي قاعدة، صلى قاعدة كما في حديث عمران بن حسين: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». وهذا لو عجز عن بعض الشروط وقدر على بعض، فإنه يفعل المقدور عليه. فلو أن إنسان ما استطاع أن يغتسل، فإنه يتيمم. أو رجل مثلا ما استطاع أن يصلي كل صلاة في وقتها، مع أن دخول الوقت شرط، جاز له أن يصلي كل صلاتين، يجمع بينهما. وهكذا يقال بسائر الشروط، من عجز عن بعض الشروط سقطت عنه، وانتقل إلى غيرها، إن كان له بدل فإلى البدل، وإن لم يكن له بدل سقطت عنه. وسأتي تفصيله. وهكذا كذلك قال رحمه الله: «يفعل ما يقدر عليه منها، ويسقط عنه ما يعجز عنه». وهذا بالأمثلة التي سمعناها لا إشكال فيه. لكن تأتي أمثلة يقع عند الإنسان فيها إشكال، وهو مثلا ما إذا كان الرجل عنده ماء لا يستطيع أن يتوضأ به كامل الوضوء، فهل نقول من باب قول الله عز وجل: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؟ إذن عليه أن يتوضأ ما تيسر، والباقي يتيمم عنه. وهذا قول قال به بعض أهل العلم. الصواب ليس كذلك. ولهذا بعض أهل العلم قسم المقدور إلى أربعة أقسام. عندنا الآن مقدور، وغير مقدور عليه. غير المقدور عليه يسقط، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، ما جعل عليكم في الدين من حرج. فغير المقدور يسقط. فإن كان له بدل فإلى البدل، وإن لم يكن له بدل سقط. مثال الذي له بدل كالتيمم مع عدم الماء، فإنه ينتقل إلى البدل. ومثال الذي ليس له بدل ككفارة القتل الخطأ. ما هي كفارة القتل الخطأ؟ كفارة القتل الخطأ: إطعام ستين مسكينا، أو صيام شهرين متتابعين، مع الدية. فإذا لم يستطع صيام الشهرين المتتابعين، تسقط عنه، ما في بدل. من لم يستطع صيام الشهرين المتتابعين سقط عنه. وأما المقدور عليه، فقسمه بعض أهل العلم إلى أربعة أقسام. القسم الأول: ما يجب قطعا. كفعل البعض، مثلا إنسان عنده ماء قليل، وعليه نجاسة، والماء لا يكفي لإزالة النجاسة وللوضوء، فماذا يفعل؟ هل يزيل النجاسة ويتيمم، أو أنه يتوضأ ويترك النجاسة؟ الجواب: لا شك أنه يزيل النجاسة، لأمرين: الأمر الأول أن إزالة النجاسة من التروك، والتروك مقدمة على الأوامر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». فالنهي يجب اجتنابه بالمرة، وأما الأمر فإنه يؤتى منه المستطاع. فلهذا يقدم إزالة النجاسة على اكتساب الطهارة، لأن هذا من التروك، والتروك ما قيدت بالاستطاعة، ما قيدت بالاستطاعة، بل أمر النبي عليه الصلاة والسلام باجتنابه. والأمر الثاني أن الطهارة لها بدل، وأما إزالة النجاسة ليس لها بدل. الطهارة لها بدل، ما هو بدلها؟ التيمم. الوضوء بدله التيمم، لكن إزالة النجاسة ما لها بدل، لابد من إزالة النجاسة. فإذا علم أن النجاسة هذه لا تزول إلا بالماء، فوجب عليه قطعا أن يزيل النجاسة، ويتيمم بدلا عن الطهارة. هذا مثال من أمثلة ما يجب قطعا من أنواع المقدور عليه. فيجب في مثل هذه الحالة تقديم إزالة النجاسة على اكتساب الطهارة. ومثال الثاني: ما يجب على الأصح. مثاله الذي يمثل به: إذا كان رجل عنده أعضاء صحيحة وأعضاء جريحة، يستطيع أن يغسل الصحيح، ولا يستطيع أن يغسل الجريح. هل ينتقل إلى التيمم أو لا ينتقل؟ فيه خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه يغسل الصحيح ويترك الجريح، إذا كان هذا الجريح ليس عضواً كاملا. وأما إذا كان عضواً كاملا، لا يكون به استيفاء الوضوء على الوجه الشرعي، فإنه ينتقل إلى التيمم. ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». فإذا كان الوضوء سينقص منه عدم غسل بعض اليد، أو عدم غسل بعض الرأس، أو بعض الرجل، أو بعض الوجه، فهنا نقول: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. أنت تستطيع تغسل هذه الأعضاء كلها إلا هذا الموضع يترك. لكن إنسان ما يستطيع يغسل سائر الرجلين أو اليدين جميعا، أو الرأس جميعا مع الوجه، فهنا لا نقول له اغسل ما تيسر واترك ما لا يتيسر، لأن الوضوء سيكون على غير الكيفية الشرعية. فإذا كانت الحالة كهذه ينتقل إلى التيمم على القول الصحيح. وهذا دل على هذا التفصيل الأدلة. فإذن ما يجب على الأصح مثل هذه. الحالة الثالث: ما لا يجب قطعا. وهو إذا كان لا يستطيع فعل الشيء المأمور به، والشيء لا يتجزأ، فإنه لا يجزئه، ولا يجوز له على الصحيح أن يفعل ذلك الشيء مبعضا. مثاله: رجل وجبت عليه كفارة اليمين، ما استطاع أن يطعم عشرة مساكين، ولا أن يكسو عشرة مساكين، ولا أن يعتق رقبة، لكن استطاع أن يطعم بعض هؤلاء العشرة المساكين. فهل نقول له يجب عليك أن تطعم هؤلاء البعض وتكمل بصيام ثلاثة أيام؟ الجواب: لا. الصحيح أنه ما دام لا يستطيع، فإنه ينتقل من هذا التبعيض الذي لا يستطيع تكميله إلى البدل الذي جعل بهذه العبادة أو هذه الكفارة. لا يستطيع أن يطعم عشرة مساكين، إذن ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام. ما دام لا يستطيع طعام عشرة، ولا كسوة عشرة، ولا اعتاق رقبة، فينتقل إلى صيام ثلاثة أيام. وأما الرابع: وهو ما لا يجب على الأصح من أنواع المقدور عليه. ومثاله: وعبر عنه بعضهم، وسنذكر تقسيما آخر أحسن من هذا. عبر عنه بعضهم: ما كان وسيلة إلى المقصود بالواجب. مثال ذلك: رجل أخرس لا يستطيع قراءة الفاتحة، فهل نقول له: أنت لا تستطيع قراءة الفاتحة، لكنك تستطيع أن تحرك اللسان، إذن يجب عليك أن تحرك لسانك؟ الجواب: لا. لا دليل على هذا، وهذا من التمطع. والله جل وعلا يقول: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. وهذا صحيح لأنه مقدور عليه، أي تحريك اللسان، لكنه لم يؤمر به شرعا. لم يؤمر به شرعا. أولا وثانيا: ليس هذا مما يكون به فائدة، بل هذا من العبث، كما قال ابن القيم رحمه الله. والشريعة منزهة عن العبث. ومثل هذا الأصمع الذي ليس له شعر، هل يمر الموس على شعره إذا أراد أن يتحلل؟ الجواب: قال بعض العلماء: نعم. والصحيح أنه لا يمر الموس على شعره، ما عنده ولا شعر واحدة. فهل نقول أنه يمر الموس على شعره على رأسه، ما دام أنه ليس عليه شعر؟ الصحيح أنه لا يلزمه ذلك. وهذا الذي رجحه ابن القيم رحمه الله تعالى، وبين أن هذا من العبث، والشريعة منزهة عن العبث. وقسم بعضهم المقدور بتقسيم آخر، وهو ما ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتاب القواعد. النوع الأول: أن يكون وسيلة إلى المقصود، وليس مقصودا بنفسه، كتحريك اللسان في القراءة، وهكذا. كذلك كما قلنا: إمرار الموس على رأس من ليس له شعر. فالصحيح أنه لا يجب. الصحيح أنه لا يجب. وهذا كما قال رحمه الله: لأنه إذا سقط الأصل سقط التبع. إذا سقط الأصل سقط التبع. النوع الثاني: ما يجب تبعا لغيره. وهو ينقسم إلى قسمين. مثل له أولا: ما كان وجوبه احتياطا، مثل غسل رأس المرفق. رجل قطعت يده، لم يبق من يده إلا رأس المرفق. فهل يجب عليه أن يغسل هذا؟ من باب قول الله عز وجل: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وعملا بالقاعدة: «ما يجب تبعا لغيره». فالاحتياط فيه أنه يجب. وهذا مثال يغسل رأس المرفق. لماذا؟ لأن الله عز وجل قال: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾. النوع الثاني من هذا القسم المقدور عليه: ما يجب تبعا لغيره، ما كان وجوبه ليس احتياطا، ولكن تكميلا للعبادة. ومثل له برمي الجمار والمبيت بمنى. لا يجب على من فاته الحج. إذا فات الإنسان الحج، وصار ما أدرك إلا بعض الحج، فإنه لا يجب، ولا يلزم بذلك. لا يلزم بذلك. سواء عجز عن الإكمال، فيسقط. أو كذلك عليه قضاء، فكذلك إذا لم يستطع يسقط. ودليله: ترخيص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه الواجبات. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص للرعاة في عدم المبيت بمنى، وهكذا السقاة، وهكذا في الرمي، رخص لهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم واحد. ودل على أن هذا النوع من الوجوب هو تكميل للعبادة. وما كان من الواجب تكميلا للعبادة، فإنه إذا سقط لا يلزم بأدائه قضاء، ولا لاحقا. لا يقال لمن فاته ذلك: عليك أن تقضي. لا. لأنه يستطيع أن يفعل ذلك بعد الحج، يستطيع أن يفعل ذلك بعد فوات الأيام، لكن الشرع جعل له وقت محدد، وجعل من فاته بعضر لا شيء عليه في ذلك. النوع الثالث من أنواع المقدور عليه: ما كان جزء من العبادة، وليس بعبادة في نفسه. فهذا ذكر رحمه الله: لا يلزم به. كمن لا يستطيع الصيام كل اليوم، ويستطيع إلى الظهر. فهذا لا يصح. لماذا؟ لأن العبادة لا تتم إلا بالصيام كاملا. ما تصح العبادة إلا بالصيام كاملا. وهذا كما مثلنا فيما سبق من أنواع المقدور عليه: ما لا يجب قطعا. ما لا يجب قطعا. فنستطيع أن نعبر عنه بعبارة، ونقول: في النوع الثالث: هو ما لا يمكن تجزئته، لاشتراط الشرع الإتيان به كاملا، مثل الكفارة، مثل الصيام، وغيرها. الرابع: وهو الأخير. قال: ما هو جزء من العبادة، وهو عبادة في نفسه، كالقيام في الصلاة، والقراءة، ونحوه. ولو تبعض بعض الفاتحة، قبل منه. مثاله: لو كان الإنسان يستطيع أن يقرأ بعض الفاتحة. رجل حفظ بعض الفاتحة، ما حفظ كل الفاتحة، حفظ بعض الفاتحة. فهل نقول له: اقرأ بعض الفاتحة؟ الجواب: نعم. نقول له: اقرأ بعض الفاتحة. ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. فهذا من التبعيض الذي يجوز. وهو الذي مثلنا به في النوع الثاني من أنواع المقدور عليه: ما يجب على الأصح. لكن هنا يأتي سؤال أورده بعض الفقهاء: هل يجب عليه تكميل الباقي بالتسبيح؟ هل يجب عليه تكميل الباقي بالتسبيح أم لا يجب؟ اختلف أهل العلم بذلك. والصحيح أن تكرار المقدور عليه أفضل من التسبيح. يعني لو سأل سائل: أنا أحفظ ثلاث آيات من الفاتحة، ما أحفظ الفاتحة كاملا. هل أقرأ الثلاث آيات ثم أكمل بتسبيح؟ أم الأفضل أن أكرر هذه الثلاث آيات ما يعادل الفاتحة، ثم أركع؟ الجواب: الثاني أولى. الثاني أولى. لأنه أقرب إلى الواجب المطلوب منه. والتسبيح إنما هو بدل. فإذا استطاع لبعض الأصل، كرر بعض الأصل، وأجزأه ذلك. لعموم ما ورد في هذا الباب. فخلصنا من هذه القاعدة أن قول رحمه الله تعالى: «يجب فعل المأمور به كله، فإن قدر على بعضه وعجز عن باقيه، فعل ما قدر عليه». فيه تفصيل على هذه الأوجه الأربعة التي سمعناها. وبقي وجها خامسا لم يذكره رجب رحمه الله، لكن ذكره بعض أهل العلم. أشار إليه العز بن عبد السلام في قواعده. وهو أنه لا يسقط المقدور عليه بالمعجوز عنه. لا يسقط المقدور عليه بالمعجوز عنه. ومثاله: توبة الأعمى والمجبوب. يقول: لو أن أعمى كان له ذنب من النظر إلى الحرام، ومجبوب كان له ذنب وهو الزنا، فإنه بعد ما صار أعمى، هل تجب عليه التوبة؟ وهو غير مستطيع لهذه المعصية، هل يستطيع ينظر؟ لأنه أعمى ما يستطيع ينظر. فمن ماذا يتوب؟ وهكذا قال بعض أهل العلم. وهكذا المجبوب، كيف يزني وهو مجبوب؟ فمن ماذا يحتاج أن يتوب؟ وهذا ليس بصحيح. بل كما قال وأشار العز بن عبد السلام رحمه الله: لا يسقط المقدور عليه بالمعجوز عنه. هو يعجز عن المعصية الآن، لكن يستطيع أن يتوب من شيء سبق، وهو الندم. فإن الندم على ما سبق من بعض شروط التوبة. وشروط التوبة: كم؟ أربعة. نعم: الإقلاع، وعدم العزم، والندم. وإن كان هناك حق رد هذا الحق. هذه أربعة شروط. فالعزم: هو لا يستطيع أن يفعل ذلك أصلا، فيسقط عنه. وهكذا الإقلاع: هو لا يستطيع، فيسقط عنه. بقي الندم، هذا مما يجب في التوبة. فإذا لا يسقط عنه التوبة بأحد شروطها، وهو الندم. طيب. وإلى هنا والله تعالى أعلم.