الدرس في كتاب الطهارة 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الماء طاهر ومطهر ما دام لم يتغير، ويبقى كذلك حتى مع مخالطة مواد طاهرة أخرى إذا احتفظ باسمه. الماء لا ينجس إلا بتغير ريحه أو طعمه أو لونه.
الماء يبقى طهورا إذا لم يتغير اسمه، ويناقش آراء أهل العلم في ذلك واستدلالاتهم من الكتاب والسنة. كما يتناول مسألة الماء القليل والكثير وتأثره بالنجاسات.
يبقى الماء طاهرا مطهرا إذا لم تتغير خواصه، ويستثنى حالتان: تغير بسبب المجاورة لا المخالطة، أو إذا كان الماء جاريا. هذا الحكم يشمل الماء القليل والكثير.
وجود النجاسة تحت السجادة لا يضر إذا كانت معزولة عن المصلّي، وهذا يدل على جواز الصلاة على السجادة الملوثة من الأسفل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، في الباب الماضي سؤال أو ذكر مسألتين من مسائل أحكام المياه التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الطهارة، فما هي المسألة الأولى؟ هيا، سأل أن الماء طاهر ومطهر، والدليل من الكتاب: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿فَهُوَ﴾. راجع في المسألة. طيب، راجعت يا بمعنى السؤال الذي سأله أخونا سالم، قال: من ذكر الخلاف في كون الماء طاهر ومطهر؟ لأنه في الشرح أشار إلى أن المسألة فيها إجماع، وقلنا أن المسألة ليس فيها إجماع، بل قال: ولذلك أهل الرأي حنفية، وأشار إلى ذلك الكرطبي في تفسير الآية، وكذلك الزمخشري. طيب، ومن السنة: «اللهم أرْسِلْ عَلَيَّ مَطَرًا» في حديث أبي هريرة بالاستفتاح «اللهم أرْسِلْ عَلَيَّ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»، فجعل على أن الماء والثلج والبرد من الطاهرات المطهرات. ما هي المسألة الثانية من مسائل هذا الباب؟ خذ يا أحمد، المسألة الثانية التي مرت معها المسألة الأولى كون الماء طاهر مطهر، المسألة الثانية: أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير ريحه أو طعمه أو لونه، وهو قوله: «لا يخرج عن الوصفين»، ما هو المراد بالوصفين؟ طاهر مطهر، طاهر مطهر. طيب، قال رحمه الله تعالى: «وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة»، وهذه المسألة الثالثة، ومراده: وعن الثاني، الآن قال: «لا يخرج عن الوصفين إلا ما غير ريحه»، يعني عن كونه طاهر ومطهر، عن كونه طاهر ومطهر، وعن الثاني أي عن كونه مطهر ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة. وهذه المسألة الثالثة، وهي: متى يكون الماء طاهرا غير مطهر؟ هنا نأتي إلى مسألة مهمة، وهي: هل يوجد ماء طاهر غير مطهر؟ الجواب: لا، لا يوجد ماء طاهر غير مطهر، بل الصحيح في أقسام المياه أن المياه إنما تنقسم إلى اسمين: مياه طاهرة فهي مطهرة، ومياه غير طاهرة في نفسها فهي غير مطهرة لغيرها. فإذا علمنا ذلك، وبأدلة الكتاب والسنة، وكذلك قول سلف الأمة، يعلم أن المياه إنما تنقسم إلى هذين القسمين: إما طاهر فهو مطهر، وإما غير طاهر فهو غير مطهر، يعني إما طاهر وأما نجس فقط، ما عندنا ماء لكنه غير مطهر، طاهر فقط غير مطهر، هذا لا يوجد لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام سلف الأمة. تنبيه هنا يحصل أحيانا لبعض الماء مخالطة لبعض الطاهرات، فهل هذا يبقى على اسمه؟ الجواب: وخلاصة ذلك أن الماء إذا خالطه شيء من الطاهرات، فما دام يسمى ماء فإنه لا يزال طاهرا مطهرا. وإذا خرج عن اسم الماء فإنه يكون طاهرا في نفسه غير مطهر، لماذا؟ لأنه ليس بماء، مثل الشاي قبل استلاط ورق الشاي بالماء، يسمى هذا ماء، ويسمى هذا ورق شاي، فإذا اختلط لم يسمى ماء، وإنما يسمى شاي. وهكذا الحليب قبل اختلاط بودرة الحليب بالماء، يسمى هذا ماء، وهذا طاهر مطهر، ويسمى هذه البودرة لوحدها حليب، فإذا خلط سمي حليب، فهو طاهر لنفسه لكن غير مطهر. إذا لا يوجد لشيء اسمه ماء وهو طاهر لنفسه غير مطهر لغيره إلا إذا نزع منه اسم الماء، فنقول: هذا عصير، وهذا شاي، وهذا حليب، وهذا ماء ورد، وهذا زعفران، وهذا خل، ونحو ذلك، فهذا طاهر بنفسه لكنه غير مطهر ليس لأنه ماء، لكن لأنه نزع منه اسم الماء. فما نزع منه اسم الماء فهو طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، هذه هي المسألة الثالثة. وما ذكره العلماء من الطاهر الذي يخالط الماء أنه أقسام، أو كأنه أقسام. الأول: ما خالطه شيء لا ينفك عنه الماء غالبا، هذا لا يخرج عن اسم الماء، كالتراب والملح المائي يعني بماء البحر، في الغالب لا ينفك عنه اسم الماء، يوجد كثيرا مع الماء، هذا عند أهل العلم جميعا يسمى طاهر مطهر. والثاني: ما يخالطه شيء مما لا يخالط فيه، وإنما ينعزل عنه، كالدهن والعود وما كان بمعناه، وهذا كذلك قول أكثر أهل العلم أنه طاهر مطهر، ومن خالف ليس معه دليل لا من كتاب ولا من سنة. وأما الثالث: فهو ما لا يمكن التحرز منه، مثل الطحلب والتبن في السيول، ماء السيول والحشيش ونحو ذلك، فهذا كذلك يسمى ماء. والرابع: ما يذهب عنه اسم الماء، مثل الأمثلة التي سبقت، كالحليب والخل والشاي والعصير والحبر والصبر ونحو ذلك مما ينزع عنه اسم الماء، فهذا في الحقيقة ليس بماء. وهذا هو الذي كان سببا في إشكال في الإشكال في هذه المسألة، والصواب هو ما سبق، فكل ما بقي عليه اسم الماء فهو على أصله. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب الاختيارات هذا التقسيم، بأن هذا هو قول عامة أهل العلم أي المحققين منهم، وأنهم لا يعرفون الماء إلا طاهر ونجس، ولا يعرفون لشيء يسمى طاهر غير مطهر إلا ما نزع عنه اسم الماء كالخل وما كان بمعناه. ونقل أن هذا هو قول الإمام أحمد رحمه الله، وبه قال ابن أبي ليلى والأوزاعي والأصم وابن شعبان: أن يتطهر بكل ما يسمى ماء، بكل ما يسمى ماء ولو تغير بالطاهر، ما دام أن اسم الماء موجود فإنه لا ينزع. وقد استدل العلماء على ذلك بأدلة، من ذلك ما صح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اغتسل من قصعة فيها أثر عجين، والحديث عند النسائي وغيره بإسناد حسن، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء. وهذا يدل على أن مخالفة الطاهر للماء إذا لم تنزع عنه اسم الماء فإنه يبقى على أصله طاهر مطهر. وأشار المؤلف رحمه الله في الشرح إلى شيء من ذلك، وأنه ما دام يسمى ماء فهو طهور، وذكر واستأنس بالإجماع الذي قبله، ومعنى هذا الإجماع كما قلنا قد نقله شيخ الإسلام رحمه الله. وزد على ذلك أنه كذلك قد قل الدليل عليه، ولا يعرف في نصوص الكتاب ولا في السنة ولا في كلام سلف الأمة هذا التقسيم الثلاثي، بل هو تقسيم ثنائي: إما ماء طاهر، وإما ماء نجس، والماء الطاهر هو مطهر، والماء النجس ليس بمطهر. ولا يوجد شيء يسمى ماء وهو طاهر وليس بمطهر إلا ما نزع عنه اسم الماء، قال رحمه الله تعالى: «ولا فرق بين قليل وكثير»، وهذه المسألة الرابعة. قال: «وما فوق قلتين وما دونهما»، المسألة الرابعة من مسائل أحكام المياه أن أهل العلم اختلفوا في ماء قليل وماء كثير، وأنه إذا كان الماء قليل فإنه مهما وضع فيه من النجس فلا يضر. واستدلوا بحديث القلتين الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله في الشرح، وهو حديث ضعيف، وقد أشار الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى ونقل عن غيره ضعف هذا الحديث من عدة أوجه، وذكر ابن القيم في تهذيب السنن ضعف هذا الحديث من أكثر من خمسة عشر وجها، فيراجع في تهذيب السنن. وقد ضعفه ابن عبد البر والبزار وجماعة، وصحح دار قطني رحمه الله وقف هذا الحديث، وهو أن الماء إذا كان قلتين لم يحمل الخبث. لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام -الحديث عبد الله بن عمر- عن الماء يكون في الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، والحديث هو عند الحاكم والبيهقي، عند الحاكم والبيهقي، وضعف هذا الحديث. وخلاصة المسألة أننا نرجع إلى المسألة الثانية: أن الماء قليلا كان أو كثيرا إذا تغيرت أحد صفاته الثلاث فإنه نجس، الماء كان قليلا أو كثيرا إذا تغيرت أحد صفاته الثلاث فهو نجس. أولا لما دل عليه الأدلة كما قلنا غير الصريحة والصريحة التي قام الإجماع عليها كما سبق في المسألة الثانية. فإذا وجد ماء قليل ووقعت فيه نجاسة يسيرة لم تغير طعمه ولا ريحه ولا لونه، فالماء طاهر وهو في نفس الوقت مطهر. فلو عندك مثلا وعاء صغير وسقطت فيه قطرة نجاسة ولم يظهر أثر هذه النجاسة لا في لون الماء ولا في طعمه ولا في ريحه، فإن الماء طاهر مطهر ولا يضر. وإذا كذلك ماء كثير ووضعت فيه نجاسة كثيرة ولم تغير هذه النجاسة الماء لا في لونه ولا في طعمه ولا في ريحه، فإنه ماء طاهر مطهر لا يضره ذلك. فإن قال قائل: فهل لا نستفيد شيئا من الماء القليل الكثير؟ الجواب: لا، أو نقول: بلى نستفيد، الفائدة أن الماء القليل مظنة سرعة التغير، والماء الكثير مظنة بطء التغير، مظنة بطء التغير. فما استدل به بعض أهل العلم مما فيه هذا المعنى، وهو التفريق بين القليل الكثير، فنقول: أقصى ما يدل عليه هو ماذا؟ هو أن القليل مظنة التغير، والكثير مظنة عدم التغير، والعبرة بالتغير. فإذا حصل التغير فإن الماء هذا يسمى نجسا، فهو لا يجوز التطهر به. أو لا يسمى إلا أن العلماء استثنوا في هذا الموضع مسألتين اثنتين: المسألة الأولى ما حصل التغير بسبب المجاورة، فإنه لا يضر، فرق بين المخالطة والمجاورة. فإذا حصل التغير بسبب المخالطة فهو نجس، خالط النجس فغير ريحه أو لونه أو طعمه فهو نجس لا يجوز التطهر به. لكن إذا حصل التغير بسبب المجاورة لا بسبب المخالطة، فهنا الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يضر الماء، مثاله: ماء في وعاء وجد بجانب هذا الوعاء ميتة، فأثرت هذه المجاورة على هذا الماء فصار ريح الماء فيه شيء من أثر هذه الميتة في الريح أو ربما في الطعم، لكن الميتة ما خالطت هذا الماء. فهنا نبقى على الأصل أن الماء طاهر ولو حصل هذا التغير، لكنه لما حصل بالمجاورة وليس بالمخالطة فإنه لا يضر. واستدل العلماء على ذلك بدليل عام، وهو الإجماع المتقدم، وشيء خاص فيما يتعلق بهذا الموضع، وهو ما أشار إليه البخاري رحمه الله تعالى في تبويبه الذي سبقت الإشارة إليه. وأما المسألة الثانية المستثنى فهي ما إذا كان هذا التغيير في الماء الجاري، إذا كان هذا التغيير في الماء الجاري فلا يضر، فإن الماء الجاري لا يحمل الخبث. والدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، البحر لو تغير ووجدت فيه رائحة نجاسة لا يضر، لأن النص مقدم على المفهوم. قال النبي عليه الصلاة والسلام في جواب لما سئل عن ماء البحر، قال: «هو الطهور ماؤه، والحل ميتته»، نكتفي بهذا. وقبل أن ننتهي يقول: هذا سؤال من الشبكة: كيف نصلي بالبيت الذي به أطفال وقد يقع منهم البول في أي مكان حتى لا يعرف أي مكان صلوا بوله؟ هل نخصص مكانا للصلاة ونصلي على سجادة نحوه أم ماذا نفعل؟ السنة أنك تخصص مكانا للصلاة، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخصصون مكانا للصلاة، فيقال كما في حديث أم سليم، وكذلك في حديث أنس بن مالك أنه دعا النبي عليه الصلاة والسلام ليصلي له في بيته مكانا يتقده يصلي به. وهذه السنة لأجل أن الأطفال صحيح أحيانا ما تستطيع تضبطهم، لكن اضبطهم ولو بمكان واحد، فيجعل هذا المكان للصلاة. فإذا لم يتيسر لك أو غلب على ظنك أنهم بالوا بهذا المكان، فافرش السجادة أو خرقة أو شيء فتصلي. ودليل ذلك حديث أنس في الصحيحين: أن رجلاً بال في المسجد في طائفة المسجد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بذنوب من ماء فصُب على ذلك الموضع الذي فيه البول، والبول سيندلق إلى الطبقة الثانية من الأرض. وهذا يدل على أنه لا يضر وجود النجاسة إذا كان في أسفل، ووجود بينك وبين النجاسة عازل، وعلى هذا إذا فرشت إن شاء الله السجادة وما كان بمعناها فلا يضرك إن شاء الله. إلى هنا الحمد لله رب العالمين.