الدرس في كتاب الصلاة 26، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم قضاء الصلوات الفائتة، ويفرق بين من ترك الصلاة عمدا ومن فعل ذلك لعذر. يرى أن من ترك الصلاة عمدا لا يقضيها حسب القول الأقرب إلى الصواب.
يتناول حكم ترك الصلاة عمدا أو لعذر، حيث يرى أن ترك الصلاة عمدا كفر ولا قضاء لمن تركه، بينما إذا كان لعذر فهو أداء وليس قضاء. يشرح آراء أهل العلم ويستدل بالأحاديث النبوية.
يناقش الأصل عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها حتى في الجهاد، لكن يعذر بتأخيرها إذا بلغ الناس مبلغا لا يفقهون ما يقولون والقلوب مشغولة. يجوز تأخير صلاة العيد إلى اليوم التالي إذا لم يعلم الناس بكونه عيدا إلا بعد خروج وقتها.
يشير إلى خطورة ترك صلاة العصر عمدا، ويذكر أن هناك أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن. يؤكد أن ترك الصلاة عمدا هو أشد وأخطر من تركها سهوا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «باب القضاء للفوائث». قال: «إن كانت ترك عمدا لا لعذر فدين الله حق، وإن يقضى، وإن كان لعذر فليس بقضاء بل أداء في وقت زوال العذر، إلا صلاة العيد». فجعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في الكلام على قضاء الفوائث من الصلوات، فقال رحمه الله تعالى: «ومعنى باب قضاء الفوائث من الصلوات، أو باب القضاء للفوائث، أي هذا مدخل لمعرفة حكم القضاء للصلاة الفائثة». فالضمير يعود إلى الصلوات الفائثة التي فاتت صاحبها. فابتدأ المؤلف رحمه الله بقوله: «إن كانت ترك عمدا لا لعذر فدين الله حقا يقضى». ومعنى قوله رحمه الله تعالى «عمدا» أي أنه تعمد ذلك، وخرج بالعمد غير العمد من الخطأ والنسيان، وكذلك الإكراه. الخطأ والنسيان والإكراه قد يكره الإنسان على عدم الصلاة، مثل ما وضع لبعض إخواننا في أيام الحزن، ابتلوا ببعض الاشتراكيين الشيوعيين الذين لا يريدون أحدا يصلي، فربما أتى لبعضهم في وقت صلاة المغرب بالعمل الذي لا يجعله يصلي حتى تفوت صلاة المغرب، ويأتيه صلاة الفجر بالعمل الذي لا يمكنه معه الصلاة حتى تفوته صلاة الفجر، وإلى أباء ربما ربط وضرب أو فعل به أشياء أخرى. ومثل هذا معذور لو فات وقتها، صلاها متى ما استطاع أن يصلي. وهكذا كذلك إن كان هذا العذر نسيانا، من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها إذا ذكرها، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ومر معنا في حديث أنس وغيره، وهو بالصحيح كذلك. من هذا الذي هو خرج بقوله «عمدا» الخطأ إذا ترك الصلاة خطأ، ظن نفسه صلى. يحصل أحيانا الإنسان يظن نفسه أنه صلى، مثلاً وقف من عادته إذا نزل هذا المطعم ينزل ويتغدى ويصلي ظهرا وعصرا ويمشي، يحصل لبعض الناس ينزل ويخطأ، يظن نفسه أنه صلى، فيحصل له وهم. والخطأ معنى قريب من النسيان، فالمهم أنه متى ما ذكر صلى، ومتى ما تبين له خطأ صلى، أو يظن أنه جمع بين الظهر والعصر أخطأ، فيراجعه بعض من معه: «لا ما جمعنا بين الظهر والعصر إلا جمعنا»، حتى يتذكر فيعلم أنه أخطأ فيصلي كما ذكر. وهكذا كذلك قوله «لا لعذر» خرج ما إذا كان لعذر كما سيأتيه. قال: «فدين الله حقا يقضى»، يعني معناه إن ترك عمدا فدين الله حقا يقضى، استدل بعموم الحديث. وهذا القول قول ضعيف، وإن كان قال به جمهور أهل العلم، ولهذا فهو في الشرح رحمه الله كأنه تراجع عما ذكره في المتن، فألمح في شرحه رحمه الله إلى أن هذا القول قال به الجمهور، واستدل بهذا العموم في الحديث، حديث خدحمية. ومع ذلك ذهب رحمه الله أو مال رحمه الله إلى أن قول الآخرين ممن ذهب إلى عدم القضاء أقرب إلى الصواب. وهو كما قال رحمه الله تعالى في شرحه لا في متنه: «أن الصواب من ترك الصلاة عمدا فلا قضاء عليه»، ويؤيد ذلك مؤيدات كثيرة عامة، وكذلك ما هو بمعنى من القياس الصحيح. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أن من أخر يوما عمدا لم يقضه وإن صام الدهر». فالصلاة من باب أولى، من تركه عمدا لم يقضه وإن صام الدهر. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن القول الصحيح أن ترك الصلاة عمدا كفر، ترك الصلاة عمدا كفر. فإذا كان كذلك فهو أصلا ليس عنده إسلام حتى يؤمر بقضاء، لأنه ليس بمسلم ما دام ترك الصلاة، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركه فقد كفر». ولقوله عليه الصلاة والسلام كذلك: «بين الرجل والشرك والكفر ترف الصلاة». وهو مسلم طيب، فخلصنا بهذا بأنه لا وجود لقضاء لمن ترك الصلاة عمدا. ثم قال رحمه الله تعالى: «وإن كان لعذر فليس بقضاء بل أداء». وهذا صحيح. انتهينا بالأول أنه لا وجود للقضاء، وخلصنا بالتالي وهي المسألة الثانية: «وإن كان لعذر فليس بقضاء بل أداء في وقت زوال العذر». مثال العذر لمن ترك عمدا، انظر العذر لمن ترك عمدا، وهي المسألة الثانية أنها أداء وليست بقضاء، وهذا هو الصحيح. مثاله أن يكون ذلك لأجل اشتداد القتال، مثل ما وقع للنبي عليه الصلاة والسلام في يوم الخندق، اشتد عليهم الأمر حتى أنهم ما صلوا العصر إلا بعد المغرب، شغلون عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله ما صليتها»، لما جاءه عمر، الحديث في الصحيحين، وجاء عدد من الصحابة. فهذا الحديث يدل على جواز تأخير الصلاة لعذر عمدا إذا انشغل المسلمون بمدافعة العدو. وهكذا كذلك حديث: «لا يصلي أحدكم العصر إلا في بني قريظة». صل بعضهم العصر بعد المغرب، انفعالا لأمر النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا تأتي مسألة أخرى، وهي هل هذه الأحاديث منسوخة بآية وأحاديث صلاة الخوف؟ فإن جمهور أهل العلم بل الجمهور ذهبوا إلى أن هذه الأحاديث منسوخة بما ورد في آية الخوف، وكذلك في الأحاديث الواردة في صفة صلاة الخوف. والصحيح أنها ليست بمنسوخة، وهذا هو الذي ذهب إليه الإمام البخاري رحمه الله، وجماعة من المحققين من أهل العلم. وقد ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية وسبب نزولها، وأشار إلى ما بوّب به البخاري رحمه الله في صحيحه. وقد مر معنا في كتاب الصلاة قول البخاري رحمه الله: «باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو»، أي كيف تكون الصلاة عند مناهضة الحصون وملاقاة العدو. ثم ذكر آثار الأوزاعي رحمه الله تعالى. والشاهد فيه أنه أي الأوزاعي رحمه الله يرى أن الناس إذا انشغلوا بمدافعة العدو حتى لم يمكنهم الصلاة بالإيماء، فإنهم يؤخرون الصلاة إذا لم يمكن الصلاة حتى بالإيماء، يعني يحركون برؤوسهم ويتكلمون بألسنتهم وهم يقاتلون ما استطاعوا ذلك، فإنهم يؤخرون الصلاة. لأن المقصود أن الإنسان يفتح الصلاة، كيف سيصلي أربع ركعات يقرأ ويركع ويسجد وهو وقلبه مشغول ويداه مشغولتان وعيناه مشغولتان وكل حواسه مشغولة، خصوصا عند الخوف، عند الخوف ربما الإنسان ما يدرك الأربع من الثلاث من الثنتين، فليس كذلك. ولهذا كان قول البخاري رحمه الله وتفصيله هذا هو الصواب، أي الصواب أن ما ورد ليس بمنسوخ، بل الصحيح أنه باقي على حكمه. أولا لعدم ورود دليل على النسخ، وثانيا لأنه يمكن الجمع بينه بهذا الجمع، والأصل كما مر معنا في قاعدة أهل الأصول: «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما». إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. كيف نعمل الدليلين؟ نعمل الدليلين أن الأصل لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، حتى في الجهاد في سبيل الله يصلوا على كيفيات كثيرة كما سيأتي معنا في صلاة الخوف إن شاء الله، ولو كان ذلك رجالا وركبانا ومسايفا وهم يسايفون وهم يرمون، ممكن يصلي. لكن إذا بلغ بالناس مبلغا لا يفقهون ما يقولون والقلوب مشغولة، فإنهم عند ذلك يعذرون بتأخير الصلاة. وذكر أثرا كذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أنه طرق مع أبي موسى في حصار تستر»، قال: «فانشغلنا بالحصار ولم نصلي الفجر حتى ارتفع النهار وفتح الله علينا». تعرفون في وقت اشتداد الحصار يشتد القتال جدا، فإنهم ما استطاعوا أن يصلوا الفجر، وأمرهم أبو موسى أن يؤخروا الصلاة حتى فتح الله عليهم بعد ارتفاع النهار، فبعد ارتفاع النهار صلوا الفجر حتى خرج وقت الفجر. وهذا يدل أن هذا كان محكما وليس بمنسوخ، أي ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام يوم الخندق. وهذا ذكر ابن كثير رحمه الله، وألمح لأثر مكحول في هذا الباب. وهذا القول هو القول الصحيح في هذه المسألة. إذن قوله رحمه الله: «وإن كان لعذر فليس بقضاء بل أداء»، أي من ترك الصلاة عمدا لعذر مثل المقاتلة التي سمعنا، فإنها أداء وليست بقضاء، ويجوز على القول الصحيح كذلك، وليس بمنسوخ. قال رحمه الله تعالى: «إلا صلاة العيد». طيب، قبل أن ننتقل نذكرها هنا بمسألة سبقت، وهو أنه إذا كان غير عمد مثل الإكراه والنسيان، فماذا؟ قضاء أداء، أي شيء؟ أداء. وبهذا نعرف أنه لا وجود لقضاء، الصحيح أن الصلاة كلها أداء، ليس فيها قضاء. قال رحمه الله: «إلا صلاة العيد، ففي ثانيه». استثنى رحمه الله صلاة العيد. صلاة العيد إذا لم يعلم الناس بأن اليوم عيد إلا بعد فوات وخروج وقت العيد، فهل يصلون العيد في الظهر أو يصلون العيد في العصر؟ الجواب لا، لماذا؟ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا المعنى، وأشار إلى ذلك بالشرح. فقد جاء حديث عمير بن أنس عن عمومة له: «أنه يغم عليهم الهلال فأصبحوا صياما»، يعني كملوا الثلاثين، كملوا صيام الثلاثين، قال: «فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس»، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم، ولو كان آخر النهار أمر من يفطر، لأن اليوم عيد ما دام شهد هؤلاء الناس أنهم رأوا الهلال. قال: «فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد، يصلون العيد ليس بنفس اليوم، لكن اليوم الذي بعده من الصباح». هذا لأنه ما رأوا الهلال، ورأوا غيرهم الهلال. وجاء هذا المعنى كذلك في حديث عبد الله بن عباس عند أبي داود، وله شواهد أخرى، فالحديث صحيح. ولو لم يكن إلا بمجموع طرقه، فدل ذلك على أن صلاة العيد خرجت عن القاعدة. القاعدة أن الصلاة تصلى متى ما ذكرها الإنسان ومتى ما فرغ لها صلاها، إن كان مشغولا صلاها متى ما ذهب عنه الشغل. ونريد بالشغل أي الشغل الذي أجاز الشرع به تأخير الصلاة، أما صاحب ورشة ما شاء الله عنده شغل كثير، يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ما لك؟ قال: «والله اليوم عندي زبائن»، هل يجوز له هذا؟ لا يجوز له هذا، بل تأخير الصلاة الواحدة عمدا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه كفر والعياذ بالله، لعموم ما جاء بالأحاديث الواردة في ذلك. بل الصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذكر شأن العمل بترك صلاة العصر، فكيف بغيرها من الصلوات، وعمدا فإنه أشد وأشد. طيب، نتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله بدرس اللاحق، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.