الدرس في كتاب الحج 13، فصل في بيان مناسك الحج. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ كيفية الوقوف بعرفة وأحكامه، ويبين أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم. يجب على الحاج أن يقف في عرفة حتى غروب الشمس.
ينبغي للحاج أن يحرص على الدعاء في يوم عرفة، ويجوز له الوقوف في أي مكان بعرفة. بعد غروب الشمس، يفيض الحاج إلى مزدلفة ويصلي بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا.
يجب على الحاج أن يبيت بمزدلفة ثم يصلي الفجر ويقف عند المشعر الحرام حتى طلوع الشمس، ثم ينطلق إلى منى. يستحب له أن يسرع في وادي محسر.
يستحب للشخص أن يقوم بفعل معين، وقد انتهى الدرس بسبب نفاد الوقت وسيتم استكماله في الدرس اللاحق بإذن الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: ثم يأتي عرفة، وذلك بذكره. فصل في الوقوف بعرفة وما يدفع من أحكام وأداب. قال: ثم يأتي عرفة صبح يوم عرفة ملبيا مكبرا، ويجمع العصرين فيها، ويخطب أو يخطب ثم يصيض من عرفة، ويأتي المزدلفة، ويجمع فيها بين العشائين، ويبيت بها، ثم يصلي الفجر، ويأتي المشعر فيذكر الله عنده، ويقف به إلى قبل طلوع الشمس، ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر، ثم يسلك الطريق الوسطى إلى الجمرة التي عند الشجرة، وهي جمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس إلا النساء والصبيان، فيجوز لهم قبل ذلك، ويحلق رأسه أو يقصره، فيحل له كل شيء للنساء. ومن حلق أو ذبح أو أفاض إلى البيت قبل أن يرمي فلا حرج. ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق، ويرمي في كل يوم من أيام التشريق الجمرات الثلاث لسبع حصيات، مبتديا بالجمرة الدنيا ثم الوسطى ثم الجمرة العقبة أو جمرة العقبة. قال: ويستحب لمن يحج بالناس أن يخطبهم يوم النحر، وفي وسط أيام التشريق. ويطوف الحاج طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة يوم النحر. وإذا فرغ من أعمال الحج طواف للوداع. هذه مجموعة من المسائل فيما يتعلق بأعمال الحاج من يوم التاسع إلى آخر أيام التشريق، بل إلى نهاية مناسك الحج وطواف الوداع. أما قوله: ثم يأتي عرفة صبح يوم عرفة ملبيا مكبرا، فلما صحت لذلك الحديث، كما أشار إلى بعض هذا الشرح منها ما جاء في حديث عبد الله بن عمر، ومنها ما جاء في حديث جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توجه إلى عرفة صبح يوم التاسع، ونزل في نمرة، وهو موضع في طرف عرفة في أعلى بطن وادي عرنة. ووادي عرنة واد يمر بين عرفة وبين الطريق إلى مزدلفة، وله علامات معلومة في زمننا هذا. ونمرة ليس من عرفة، وهو أعلى الوادي. وقد وضعت علامات تبين الفاصل بين حدود نمرة التي ليست من عرفة وحدود عرفة. فمن السنة أن ينزل الحاج قبل الظهر في نمرة، فإذا صلى الظهر والعصر توجه إلى عرفة كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فقد ضربت له قبة، وهي الخيمة الصغيرة اللاطئة، يعني الواطية؛ لأنها توضع على هذه الهيئة لقلة الوقت الذي يجلس تحتها. ضربت له قبة فبقي تحتها حتى جاء وقت الظهر، فصل بالناس الظهر والعصر عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله وحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وغيرهما من الصحابة. وهذا هو السنة. فإذا لم يتيسر ذلك أو كان في ذلك مشقة، فلا حرج أن ينزل مباشرة إلى عرفة كما يفعل الكثير من الحجاج اليوم، خصوصا من يرتبط بالحملات. فإن أكثر حملات الحج يكون لها مخيمات ينزل فيها حجاج تلك المخيمات، وهذه المخيمات هي في عرفة، ليست في نمرة ولا في بطن عرنة، بل هي في عرفة. فإن كان كذلك وكان في البقاء في نمرة مشقة، خصوصا مع شدة الزحام بهذا الزمان، فلا حرج أن يبقى في مخيمه في عرفة. فإذا جاء الظهر صلى الظهر والعصر. فإذا لم يكن كذلك، كأن يكون الرجل منفردا بسيارته، فيستحب أن يأتي أولا نمرة فينزل بها، ثم بعد ذلك يصلي الظهر والعصر، ويدخل في حدود عرفة. وما كان الرفق في شيء إلا زانه، ينبغي للإنسان أن يرفق بنفسه ويرفق برفقته، ولا يشق عليه. وما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء في مناسك الحج إلا ويسر عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي، خصوصا إذا كان في بعض هذه المشقة هلاك. فمثلا صلى النبي عليه الصلاة والسلام في موضع المسجد اليوم المسمى بمسجد نمرة. وهل معناه أنه يجب على كل حاج أن يصلي في هذا المسجد؟ الجواب: لا. إن تيسر للإنسان أن يصلي في المسجد فحسن، وإن لم يتيسر للإنسان أن يصلي في المسجد أو كان في الصلاة في المسجد مشقة بل ضرر، فينبغي عليه أن يدفع عن نفسه الضرر. فليس في الإسلام ضرر، لا ضرر ولا ضرار، خصوصا مع شدة الزحام في هذا الزمان. وتصوروا كم عسى أن يكون هذا المسجد حتى يتسع لكل الحجاج؟ ما يمكن أن يتسع المسجد لكل الحجاج. ولكن التزديد والمغاربة، فإن تيسر الصلاة في المسجد فحسن. إن لم يتيسر الصلاة في المسجد، فيصلي كل إنسان مع رفقته في مكانه الظهر والعصر جمعا وقصرا، ركعتين ثم يسلم، وركعتين ثم يسلم، بأذان واحد وإقامتين، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ويستمع للخطبة قبل ذلك، خطبة الإمام بعرفة. والحمد لله اليوم وسائل استماع الخطبة متيسرة، يستعين ببعض الأجهزة اليسيرة التي تنقل هذه الخطبة، سواء المذياع أو بعض الهواتف النقالة أو غير ذلك من وسائل نقل الخطبة، أو بعض السيارات التي فيها مذياع أو غير ذلك، يستمع أو بعض الأجهزة الصغيرة التي تسمى مبي ثري أو مبي فور أو نحوها. فالمهم وسائل سماع الخطبة كثيرة. يستمع للخطبة، فإذا انتهى من سماع الخطبة، وينبغي للإنسان أن يستعد إذا كان يعرف أنه وحده، يستعد بوسيلة يستمع بها الخطبة حتى ينتفع بما فيها من نصائح، وكذلك أحكام يحتاجها في حجه وفي حياته. فإذا انتهى من سماع الخطبة صلى، كما سمعنا الظهر والعصر جمعا وقصرا. وبعد الصلاة ينبغي أن يتوجه إلى عرفة، إن لم يكن في عرفة، يدخل في حدود عرفة. وما أكثر الذين يبقون في مقدمة المسجد ولا يرجعون إلى الخلف فيدخلون في حدود عرفة. فإن بقوا على ذلك إلى غروب الشمس، فليس لهم حج، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة». لابد على الإنسان أن يقف في عرفة. فإن الحج عرفة، كاد أن يكون الحج في عرفة. وهكذا ذهب النبي عليه الصلاة والسلام عند الصخرات في الجبل المسمى اليوم بجبل الرحمة، ولم يسمه النبي عليه الصلاة والسلام كذلك، ودعا الله عز وجل في مكانه. وهذا الدعاء الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام هو المقصود من الوقوف بعرفة. لكن هل الذهاب لهذا الموضع هو المقصود من الوقوف بعرفة؟ الجواب: لا. فقد قال عليه الصلاة والسلام: «وقفت هاهنا، وعرف كلها موقف». حتى لا يظن ظان أن الحج لا يتم إلا بالوقوف في ذاك المكان، كما يظن بعض الناس. بل ينبغي للإنسان أن يفعل الأرفق به وبرفقته. فإن تيسر له الوقوف هناك أو يقف في أي مكان، بل صار الوصول إلى ذاك المكان في هذا الزمان فيه مشقة عظيمة، مع تكالب الناس على ذاك المكان الضيق، وكثرة ازدحام وسائل النقل في ذاك الموضع، وكم يهلك من الناس بسبب وقوعهم في مواضع الضيق والهلكة. فينبغي أن ينتبه الإنسان لمثل هذا، فيقف في أي موضع. المقصود هو الدعاء، احرص على أن تستغل الوقت من بعد الزوال والصلاة إلى غروب الشمس في الدعاء. إذا فترت وتعب لا بأس أن تشف ولا بأس أن تشرب ماء، تشرب شيئا، وترجع للدعاء، أو تقرأ قرآن أو تذكر الله سبحانه وتعالى، ثم ترجع للدعاء. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل ما دعوت أنا والنبيين عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير». هذا أفضل الدعاء. فالدعاء ينقسم لقسمين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. فالداعي في عرفة يدعو بنوعي الدعاء: دعاء العبادة من ذكر الله، وقراءة القرآن، والتكبير، والتهليل، والتسبيح. وأفضله هذا الذكر: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير». هذا أفضل. وهكذا من دعاء المسألة يرفع يديه، ويسأل الله من عظيم فضله، من خير الدنيا وخير الآخرة، من خير الآخرة وخير الدنيا. يحرص على ذلك: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». ونحوها من الأدعية الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. يدعو لنفسه، ويدعو كذلك لوالديه، ويدعو لمن له حق عليه، وهكذا كذلك لمن أوصاه أو أحب، فيدعو الله عز وجل حتى تغرب الشمس، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام بنوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. وقوله: يوم عرفة ملبيا مكبرا في الذهاب لعرفة، يلبي ويكبر. لم ينكر الملبي على المكبر، ولا المكبر على الملبي. التلبية كما علمنا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلى آخره». كما يفعل الناس في منى، فإنهم يلبون ويستمرون في التلبية. لكن بالذهاب إلى عرفة يلبي، ولا بأس أن يكبر، خصوصا في الرجوع من عرفة. ثم قوله: ويجمع العصرين، هذا من باب التغليب، المراد الظهر والعصر، كما تقول: العمرين، والقمرين. فهو من باب التغليب، المراد الظهر والعصر فيها، ويخطب. والخطبة، الواو لا تفيد الترتيب، الخطبة قبل الصلاة أو الخطبة ثم الصلاة، الظهر والعصر، كما ثبتت السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا ينتبه لشيء، وهو أن بعض الناس في الخطبة، ومن طولها ينعس. وإذا نعس ونام انتقض وضوءه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما صح معناه: «العينان وكاء السهل»، يعني غطاء الفتحة. «فإذا نامت العينان إنفك الوقاء أو كما قال عليه الصلاة والسلام». وهذا هو القول الصحيح في التفصيل بين النوم الذي يذهب معه الحس، فإنه ينقض الوضوء، والنعاس الذي لا يذهب معه الحس، فإنه لا ينقض الوضوء. بعض الناس ربما ينعس، فلشدة الزحام وهول الموقف يتساهل، فيصلي من غير وضوء، يصلي من غير وضوء. وهذا خطأ، مسكين أتى إلى هذا المكان، ويطلب الحج، ثم في النهاية صلاة من غير وضوء، صلاة من غير وضوء. وأعظم من ذلك أنه ربما يكتفي بهذه الصلاة التي من غير وضوء. وهذا ليس بصحيح، بل عليه أن يتوضأ إن كان يستطيع الوصول إلى الماء، وهذا هو الغالب. فإن كان لا يستطيع الوصول إلى الماء ولا يجده، وهذا نادر وغير واقع، لكثرة الماء ووسائله، الحمد لله، ولو يشتري بالشراء. فإن كان كذلك، إذن يصلي بالتيمم إذا شق أو لم يجد الماء، فالتيمم. لكن لا يصلي من غير وضوء. الشاهد أنه يصلي الظهر والعصر جمعا وقصرا، كما سمعنا، بأذان وإقامتين. قال: ثم يفيض من عرفة. وإفاضة الحاج من عرفة تجب بعد غروب الشمس. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطلق، ولم يأذن لأحد بالانطلاق إلا بعد غروب الشمس. وجزى الله خيرا للجهات المسؤولة في تلك البلاد الطيبة، إذ أنهم لا يسمحون لأحد بالتجاوز إلا بعد غروب الشمس. فإذا غربت الشمس فتحت الطرق، وسمح للناس بالانطلاق. وهذا من الإعانة للكثير من الجهلة، والذين لا يعرفون أحكام الحج، على إقامة الواجب الذي شرع لهم في مناسك الحج. فالمهم إذا غربت الشمس فإنه ينطلق الحاج حتى يأتي مزدلفة، وهو مستمر على تلبيته وتكبيره. ويسن في هذا المقام أن الحاج يرفق بنفسه، وفي سيره، وبرفقته، وبمن معه، يسير في الطريق. فقد كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أمر الناس بالسكينة في ذلك الموقف، فكان يقول: «السكينة السكينة». يأمر الناس بالسكينة. وهكذا كذلك كان يشد على ناقته، فإذا وجد فجوة نص، يعني يجر زمام الخطام حتى أن رأس الناقة يصل إلى ركبته عليه الصلاة والسلام؛ لأجل أن تمشي بهدوء، ولا تشتج بالسير، حتى لا يؤذي أحدا، ولا يضر أحدا. وينبغي أن يتعقل أصحاب السيارات والحافلات، ووسائل النقل المركوبة، أن يرفقوا بأنفسهم وبغيرهم، وأن يسيروا برفق وسكينة، كما أمر وعلم النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا وجد فجوة، يعني إذا وجد فراغ في الطريق، نص. والنص هو سرعة الدخول في الشيء، سرعة الدخول في الشيء، يعني معناه يدخل في تلك الفجوة، ثم يرجع على ما هو عليه من السير بهدوء ورفق. وهكذا كذلك الماشي يعمل بهذه السنة، إذا كان يمشي على رجليه، فإنه يرفق، لا يؤذي أحدا، ليس يدكس هذا ولا يدف هذا، ولا يسقط هذا، ولكن يمشي بهدوء وسكينة. فإذا وجد فجوة في الطريق، وبين زحمة الناس، نص، دخل في هذه الفجوة، ورجع إلى الرفق الذي كان يمشي به، والسكينة. فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء، وهو قوله: ويأتي المزدلفة، ويجمع فيها بين العشائين. السنة أن يصلي الحاج المغرب والعشاء في مزدلفة، يصلي المغرب والعشاء في مزدلفة بأذان واحد، وإقامتين. وهناك علامات موجودة ظاهرة، بفضل الله عز وجل وتيسيره، توجد فيها حدود مزدلفة. فينبغي للحاج أن يحرص على الوصول إلى مزدلفة، ليصلي المغرب والعشاء فيها. فإن لم يستطع ذلك لشدة الزحام، وخشي فوات الوقت، فإن وقت العشاء إلى منتصف الليل. فإذا خشي فوات وقت العشاء، بأن قرب وقت منتصف الليل، وهو لم يصل إلى مزدلفة، إذن يصلي في الطريق، يصلي في الطريق المغرب والعشاء، إن كان في الحافلة أو في سيارته، يقف ويبحث له عن مكان مناسب، ويصلي المغرب والعشاء. فإن لم يستطع الوقوف، وكان في الحافلة، فإنه إن استطاع أن ينزل من الحافلة نزل، وإن لم يستطع خشية الضياع أو كذلك من معه من الرفقة، فإنه يصلي على الحافلة. إن استطاع أن يصلي قائما بين الكراسي والمراتب صلى قائما، إن لم يستطع صلى قاعدا. إن استطاع أن يصلي بالماء، بالطهارة، فعل. إن لم يستطع، فبالتيمم. «فاتقوا الله ما استطعتم». بل إنه لو كان في عرفة، كما قد يحصل لبعض الناس، أنه يدركه وقت العشاء، بل آخر وقت العشاء، وهو ما زال في عرفة، من شدة الزحام أحيانا بسبب خطأ في سير بعض قوات أصحاب الحافلات، أو خطأ في خطة السير لبعض الطرق، تنسد بعض الطرق، فيحصل تأخر لبعض الناس، ربما إلى قرب منتصف الليل، وهم ما زالوا في عرفة. كيف يفعلون؟ الجواب: يصلون قبل خروج الوقت؛ لأن المحافظة على وقت الصلاة أعظم من سنية ومشروعية الصلاة في مزدلفة. فيصلون المغرب والعشاء، ولو في عرفة. يصلون المغرب والعشاء، ولو في عرفة. فإذا وصل إلى مزدلفة، كما قلنا في وقت صلاة المغرب والعشاء، صلى المغرب والعشاء جمعا وقصرا، بأذان وإقامتين. والذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاءت بذلك الأحاديث: أنه صلى المغرب أولا، ثم أنزل ما معه من أمتعة، ثم صلى العشاء. وإن صلى مباشرة المغرب والعشاء فذلك. ثم بعد الصلاة يرتاح الحاج، وينام تلك الليلة، ويستعين بنومه لأعمال يوم العاشر، فإنه يوم مليء بالأعمال للحاج. ويسن أن يبيت، بل يجب أن يبيت الحاج في مزدلفة، إلا لأهل الأعذار. فأهل الأعذار رخص لهم النبي عليه الصلاة والسلام، كما أشار إلى ذلك المؤلف رحمه الله، بأن ينطلق من مزدلفة بعد منتصف الليل. قال رحمه الله: ويبيت بها، ثم يصلي الفجر. ويبيت بمزدلفة، كما قلنا، هذا هو الواجب؛ لأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي الحاج الفجر في مزدلفة. «فمن وقف في عرفة ساعة من ليل أو نهار، وصل صلاتنا هذه»، يريد صلاة الفجر، «فقد تم حجه». فإذا الوقوف بعرفة واجب. وهنا ننبه أن الواجب الوقوف بعرفة من بعد الزوال، أي بعد الصلاة الظهر والعصر، إلى غروب الشمس، هذا هو الواجب. فإذا لم يستطع، فهناك وقت للضرورة، وهو ما بعد غروب الشمس إلى طلوع فجر يوم العاشر، فإنه كله وقت للضرورة. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر: «من لم يستطع أن يدرك الوقوف بعرفة معه، أن من وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار، فقد أدرك الحج». ومعناه: لو وقف ساعة من أي ساعات الليل، فإنه يكتب له الوقوف بعرفة. وهذا كما قال العلماء: وقت اضطرار، ليس وقت اختيار. هذا وقت اضطرار، ليس وقت اختيار. ومعنى وقت الاضطرار: يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يبتدئ به. فمثلا رجل يستطيع الذهاب لعرفة، وهو في مكة أو في منى، يقول: أنا لماذا أذهب في الحر؟ أترك الناس يذهبون ويخرجون من عرفة، وبعد المغرب أتحرك بسيارتي إلى عرفة، وأقف ساعة من ليل، وأدركت عرفة، وأرجع إلى مزدلفة، وعملت بالحديث: «من وقف في عرفة ساعة من ليل أو نهار». الجواب: لا. هذا لأهل الاضطرار، كرجل جاء من سفرة بعيدة، لم يستطع إدراك الناس في وقت الحج، فرخص له أن يقف في الليل. أو رجل مريض، أو مرافق لمريض، الضرورة منعته أن يقف في عرفة في النهار، فلا نقول له: ليس لك حج، بل نقول له: اذهب إلى عرفة، ولو بعد المغرب، ولو بعد العشاء، ولو في منتصف الليل، ولو قبل الفجر بساعة، قف بعرفة ما يتيسر لك، ثم انطلق إلى مزدلفة. وهذا الوقت هو وقت الاضطرار، كما سمعنا. قال رحمه الله: ويبيت بها، ثم يصلي الفجر، ويأتي المشعر فيذكر الله عنده، ويقف به إلى قبل طلوع الشمس، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث جابر وغيره. فإنه إذا صلى الفجر، ويجب كما قلنا الصلاة في مزدلفة. وقال بعض أهل العلم: يستحب. المهم الحاج يحرص. وأهل العذر يرخص لهم أن ينطلقوا بعد منتصف الليل، بعد غروب القمر. فإذا صلى الفجر، فإنه يأتي المشعر الحرام. والمشعر الحرام جبل صغير في مؤخرة المسجد الموجود اليوم المسمى بمسجد المشعر الحرام في مزدلفة، يوجد في مؤخرة المسجد، عن يمينه جبل صغير، هو المسمى بالمشعر الحرام. وقف عنده النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله بعد صلاة الفجر، حتى أسفر جدا، يعني حتى ظهر الضوء، ولم تطلع الشمس، حتى ظهر الضوء، ولم تطلع الشمس. وهذا قوله: فيذكر الله عنده، ويقف به إلى قبل طلوع الشمس. فإذا أسفر جدا انطلق الحاج، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، إلى جهة منى. انطلق إلى جهة منى. ويسن يدعو بما تيسر من الأدعية. ومنها ما أرشد إليه ربنا جل وعلا بأن يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». لا يدعو فقط بالدنيا، ولكن يدعو بخير الآخرة وخير الدنيا. قال رحمه الله تعالى: إلى قبل طلوع الشمس، ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر. وطا محسر، يعني يدفع، معناه ينطلق من مكانه، ويمشي إلى المكان الذي يريد الوصول إليه، وهو منى. فإذا مشى من مزدلفة إلى منى، فسيعترضه في الطريق واد كبير عريض، يسمى وادي محسر. واليوم مع وسائل العمران الحديثة قد لا ينتبه السائر من مزدلفة إلى منى إلى موضع هذا الوادي. لكن إذا دقق النظر فإنه سيجد: إن كان في الشوارع التي في الكباري، أي في الجسور، أنه سيمر على جسر تحته واد عريض معترض، بعد خروجه من مزدلفة، ذاك وادي محسر. وإن كان يمشي على الطرق الأرضية، فإنه سيشعر أنه يمر في موضع فيه الجسور الأرضية التي تدل أنه في واد. ذاك وادي محسر. وله علامة في طرف الوادي: مستشفى كبير في وقتنا الحاضر، يسمى مستشفى من الوادي، مستشفى من الوادي. والمقصود بالوادي: وادي محسر. ويوجد له علامة أخرى، وهي حدود تبين بدء الدخول إلى حدود منى. وله علامة ثالثة كذلك: أن هذا الوادي في أطرافه بنيان الوديان التي فيها آثار الجسور الأرضية المعترضة المرتفعة، التي هي سوائل للماء عند فصول الأمطار. فإنك إذا رأيت ذلك كلها، علمت أنك في وادي محسر. فإذا وصلت إلى وادي محسر، يستحب أن تسرع قليلا، كما أسرع النبي عليه الصلاة والسلام. يستحب أن تسرع قليلا، كما أسرع النبي عليه الصلاة والسلام. ولماذا أسرع؟ الله أعلم. قال بعض أهل العلم: إنه موضع الذي عذب فيه أصحاب الفيل. وقيل: غير ذلك. والله أعلم؛ فإنه لم يأت شيء صحيح صريح يبين السبب. لكن فعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. فيستحب أن تفعل أنت ذلك. طيب، نكتفي بهذا لانتهاء الوقت، وزيادة. ونكمل إن شاء الله بدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.