كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية  2

كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 2

الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 2، الدرس الثاني:من( والنزاع مبني على أصل وهو أن الهلال هو اسم لما يطلع من السماء ... بل يقول له:الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسألة اختلاف الرؤية في بداية شهر رمضان وتأصيلها الشرعي

يناقش اختلاف الرؤية في بداية شهر رمضان ويستدل على أن لكل إقليم رؤيته الخاصة به. يُرجح قول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة مستندًا إلى أدلة من القرآن والسنة وقياس شرعي.

الرؤية في دخول الشهر وتبييت النية في الصيام

يُناقش أن العبرة بالمطالع وليس بالحساب الفلكي، وأن الرؤية بالعين المجردة هي الأصل. كما يتناول مسألة تبييت النية في الصيام ويرى أن عمومات الأدلة تجزئ في تبييت النية.

حكم تبييت النية لصيام رمضان وتحليل الأفكار النفسية

النية العامة لصيام رمضان تكفي ولا حاجة لتبيت النية لكل يوم. كما يُحلل تأثير الأفكار على العقل والدين، معتبرًا التفكير العبثي نقصًا في العقل والدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن رآه ليل رمضان وحده وردت شهادته لم يلزمه الصوم، لم يلزمه الصوم ولا غيره، ونقله حنبل عن أحمد في الصوم. وكما لا يعرف ولا يضحي وحده، مر معنا الكلام على هذا من أن هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم. وكثير من أهل العلم يرى أن المرأة إذا رأت الهلال وحده واستيقنت ذلك ولو ردت شهادته، فإنه يصوم وحده. وهنا رجح شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله أنه لا يلزمه الصيام. ومعنى لا يلزمه كما قلنا: أنه لا يجب عليه، فلو صام، كأنه يقول: جاز، ولكن لا يجب عليه. والعمدة في هذا الحديث، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى شيء من ذلك، فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم معنا قوله: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون»، حديث أبي هريرة عند أبي داود والترمذي وغيرهما، وهو صحيح. وكما مر معنا كذلك أن هذا تندفع به شرور كثيرة، وأن اجتماع الناس خير من تفرقهم. ولأنه كذلك قد يكون مخطئًا هو وحده، وردت شهادته، ربما كان لرد شهادته سبب، فلذلك ولغيره كان الأولى في حق مثل هذا أن يصوم مع الناس. قال رحمه الله: والنزاع مبني على أصل وهو أن الهلال هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يشتهر ولم يظهر، أو لأنه يسمى هلالًا، أو لأنه لا يسمى هلالًا إلا بالاشتهار والظهور، كما يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار. والصواب أن يوضع الاعتبار بجانب الكتاب والسنة، يعني الكتاب والسنة والقياس. هكذا نقل العبارة المرداوي رحمه الله تعالى في الإنصاف، فقد نقل نص هذه العبارة، فذكر الكتاب والسنة والاعتبار. وجعل علامة استفهام، ثم قال: فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد. ومعنى أن هذا الخلاف الواقع في هذه المسألة وما قبلها مبني على هذا المعنى، هكذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وكثير يحيل إلى هذه العبارة عن هذا الإمام وهذا التعليل. وبعضهم يرى أن الخلاف الواقع ليس لهذا المعنى فقط، بل كذلك لأدلة هي محل اختلاف. فهم في هذا المقام من هذه الأدلة حديث ابن عمر في الاعتبار برؤية الواحد، وهكذا أشياء أخرى. لكن عند تتبع هذه الأدلة التي استدل بها، سيجد الناظر والمنصف أن معنى هذه الأدلة تدور حول هذين المعنيين. وهو أن النزاع مبني على أحد هذين الفهمين. الفهم الأول هو أن الهلال هل هو مسمى لما يطلع في السماء، ومعناه أنه لو طلع ولم يشتهر ولم يظهر، فإذا صار بهذا ثبوت الشهر، ومسمى الهلال يأتي باعتبارات كثيرة. لكن فيما له تعلق بالموضوع هذان الاعتباران. وإلا قد يرد الهلال ويراد به القمر في أيامه الثلاثة الأولى فقط، وقد يقال غير ذلك. لكن المراد فيما يتعلق بهذه المسألة الخلافية هو هل الهلال اسم لما يطلع في السماء ومعناه وإن لم يشتهر وإن لم يظهر؟ فإذا كان كذلك، فمن قال به أوجب الصيام على أهل الدنيا جميعهم، ولو رآه واحد، ما دام أن الهلال مسمى لما يطلع في السماء وإن لم يشتهر ولم يظهر. فيلزم من هذا أن رؤية الواحد له تلزم جميع أهل الدنيا بصيامه، لأنه ليس هناك إلا هذا الهلال الواحد. والفهم الآخر هو هل الهلال مسمى لما يرى ويشتهر ويظهر؟ فإذا كان كذلك فيلزم أن رؤيته تكون لمن رآه، فلا يوجب الصيام إلا على أهل تلك الناحية وأهل تلك الرؤية التي اشتهرت عندهم وظهر عندهم رؤيته. وهذا الثاني هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكما قال: كما يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، يعني أدلة الكتاب والسنة والقياس الصحيح تدل على هذا الفهم أو المفهوم الثاني. وهو أن الهلال مسمى لما يشتهر ويظهر. قال الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فقوله: ﴿مِنكُم﴾ يدل على القول الثاني، لا على القول الأول، وإلا لا فائدة من هذا التبعيض. فدل ذلك على أن لكل ناحية وإقليم رؤيته الخاص به. وهكذا كذلك أدلة أخرى كثيرة. ومن السنة كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». ونحوه كذلك قصة حديث ابن عمر: «ترى الناس الهلال، فرآه ابن عمر فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام فصامه وأمر الناس بصيامه». وهكذا ما جاء في صحيح مسلم في قصة كريب حين أرسلته أم الفضل بنت الحارث إلى الشام إلى معاوية في حاجة لها، فأدركه رمضان أي أول رمضان وهو بالشام، فرأوه ليلة الجمعة. فلما رجع إلى المدينة ورجع في آخر الشهر، سأله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: متى رأيتم الهلال؟ قال: رأينا الهلال ليلة الجمعة. قال: أما نحن أو قال: لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نرى الهلال. فقال كريب لابن عباس: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ أي أهل الشام، ومعاوية الأمير. فقال ابن عباس: لا، فإن ذلك ما سمعناه أو قال: ما علمناه من النبي صلى الله عليه وسلم. فدل ذلك على أن كل إقليم له رؤية، وكل جهة لها رؤية، يعني إذا اختلفت، فالعبرة بالهلال. وإذا توافقت فلا بأس في ذلك، قد يحصل الاتفاق. وأما دلالة القياس، فكما تقدم معنا له أوجه كثيرة. ومن هذه الأوجه: كما أن للأيام كذلك أوقات للصيام والإفطار، فكذلك من باب أولى في الشهر. فإذا كان الاختلاف في الأيام مما يسوغ، فمن باب أولى أن يسوغ كذلك في الشهور. فأنت ترى مدينتين متقاربتين، يفطر هؤلاء قبل هؤلاء، ويمسك هؤلاء قبل هؤلاء، لماذا؟ لأن طلوع الفجر وغروب الشمس مختلف. فكذلك لا مانع أن يكون، بل هو الذي ينبغي، طلوع القمر وغروبه كذلك مختلف. فهذا هو قوله رحمه الله: كما يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، أي والقياس الصحيح. وقوله: فيه قولان للعلماء، أي لهذه المسألة قولان على ما تقدم، القول الأول والقول الثاني. فمن أهل العلم من يرى أن رؤية الهلال ملزمة لجميع المسلمين في الأرض، أهل الدنيا جميعًا أن يصوموا. ومن أهل العلم من يرى أن العبرة بالمطالع، وهذا هو الصحيح. ثم تحت هذين القولين فروع وتفاصيل أقوال تذكر في المطولات، ولكن هذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة. والراجح ما سمعنا: العبرة بالمطالع. وقال: وهم روايتان عن الإمام أحمد، يعني رواية بهذا ورواية بهذا. وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الذي تدل عليه الأدلة، وهو رواية عن الإمام أحمد. والإمام أحمد رحمه الله تروى عنه روايات، بعض هذه الروايات قد لا تصح، وبعض هذه الروايات قد تكون صحيحة، لكن يكون الإمام رحمه الله رجع عن قوله لظهور الدليل في ذلك. وهذا إن دل على شيء، دل على إنصافه رحمه الله، والعبرة بالدليل. وهذا يدعونا كذلك للتنبه لأمر آخر، وهو إذا كان العبرة بالمطالع والرؤية، فينبغي أن نلتفت إلى هذا المعنى، وأن ننتبه لما يتعامل به الكثير من الناس في هذا الزمان في قضية الحساب، أو كذلك ما يذكر من الرؤية بالأجهزة. الرؤية بالأجهزة الحديثة، كما ذكر أهل العلم: يستعان بها ولا يعتمد عليها. سئل شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: ما العمدة أو معنى السؤال: ما الاعتبار في الرؤية في دخول الشهر، هل الرؤية بالعين المجردة أم بالأجهزة؟ قال: بالعين المجردة. قيل له: والأجهزة الحديثة ألا نستعين بها؟ قال: لا بأس أن يستعان بها، ولكن لا يعتمد عليها، يستعان بها ولا يعتمد عليها. أما أن نجعل العمدة عليها لا، الأصل الرؤية بالعين. ومن باب أولى الحساب الفلكي، وهذا هو الذي دل عليه الدليل، وهو كذلك الذي يقتضيه القياس الصحيح. فأما الدليل، فحديث ابن عمر في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا»، وأشار بأصابع يديه ثلاث مرات: عشرًا وعشرًا، وفي الثالثة لف الإبهام تسعًا، قال: «الشهر هكذا، ثم قال: والشهر هكذا»، ثلاث مرات بالعشرة الأصابع، يعني الشهر تسع وعشرين، والشهر ثلاثين. وليس معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»، تهميشًا للتعليم وللحساب والكتابة، ولكن معناه أن هذا الباب في ديننا لا ينبغي أن يدخل فيه الحساب، أي حساب أهل الفلك، ولا ينبغي أن تدخل فيه الكتابة التي تعارض الرؤية، فالعبرة في هذا الرؤية. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بعض كتبه بحث مطول في مناقشة الفلكيين وأهل الحساب في قضية العبرة بالرؤية، وأن العبرة ليس بالحساب والفلك. وبين لهم رحمه الله أن أهل الفلك اختلفوا في ولادة القمر على القرآن على أقوال. فإذا هم لم يتفقوا، كيف يمكن أن يجعل هذا دينًا للناس حتى يصير الناس مذاهب كما هو حال أهل الفلك؟ فأهل الفلك مذاهب. وذكر لهم قضية الاقتران، وهي قضية قديمة اختلف فيها أهل الفلك في أمر ولادة القمر. وكذلك هي عند الفلكيين المتأخرين. وتعرفون ولادة القمر كما يذكر أهل الفلك: تكون بعد تعامد ثلاثة أفلاك: الشمس والقمر والأرض، فإنها تتصاف وترتص. فإذا وقع القمر في هذا الصف، فإنه لا يرى، وهو ما يسمى بالمحاق. فإذا خرج عن هذا الاقتران ولو شعرة واحدة، كان هذا وقت ولادة القمر. وهذا الوقت دقيق، الأجهزة الحديثة تعرفه اليوم بالدقيقة. ولكنه لا يرى، لا يرى بالعين، يعني بتقدير الأجهزة الحديثة، حتى بعض الأجهزة الحديثة لا تراه، لكنهم يعرفونه بالحساب، فيستطيعون معرفة ذلك بالدقيقة. لكنهم مع هذا يختلفون: متى وقت ولادته؟ هل في الدقيقة الأولى أو الثانية، أو الساعة الأولى أو الثانية، أو قبل المحاق أو بعد المحاق؟ وأشياء كثيرة. فلأجل هذا ولغيره، ألغى الشرع اعتبار الحساب في هذا الباب. كما أن الاعتماد على الرؤية هو الأيسر للناس. كم من الناس من يعيش في الجبال، وفي الصحاري، وفي البراري، وليس يمكنه أن يدرك ذلك بعلم الحساب ولا الفلك، ولا هو من استطاعته. فمن تيسير الله عز وجل أن جعل ذلك برؤية الهلال. ولهذا تجد أن الناس يتوافقون، ذاك في الصحراء، وهذا في المدينة، الكل يرى الهلال. فيقولون الذين في الصحراء: رأينا الهلال، فغدًا إن شاء الله رمضان. ويقول الذين في المدينة: رأينا الهلال، ورآه إخواننا الذين في الصحراء، فغدًا إن شاء الله رمضان. والحمد لله. لكن لو على حساب أهل الفلك، هذا يأتي لك بورقة، كما مزح بعض العلماء، قال: يأتي بورقة أو أوراق تملأ المسجد، وفي النهاية يأتي آخر عنده أوراق أكثر منها، ويخالف قول الأول. فإذن العبرة بكثرة الأوراق أو بماذا؟ كيف تستطيع أن ترجح؟ وأنت ترى اثنين كلاهما من أهل هذا العلم والاختصاص، وكل منهما قد تعب وأتى لك بأوراق كثيرة، وحسابات عديدة، وفي النهاية هم مختلفون. لكن الرؤية ليس بعدها شيء، فهو الشيء اليقين الذي يزول معه الخلاف. فلذلك ينبغي البقاء على هذا الأصل. قال رحمه الله تعالى: وإن نوى نذرًا أو نفلًا ثم بان من رمضان أجزأه إن كان جاهلًا، كمن دفع وديعة رجل إليه على طريق الشرع، ثم تبين أنها كانت حقه، فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان، بل يقول له: الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي. وهذه مسألة أخرى من مسائل الصيام، وهي قضية تبييت النية. والناس بتبييت النية على أقوال كثيرة. والصحيح فيها أن تبييت النية تجزئه عمومات الأدلة: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فإذا وجد أصل نية العمل كفى ذلك. بل بعضهم وسع في ذلك، ورأى أنه إذا حصل الصيام مع وجود أصل النية العامة، ولو لم يأت تعيين نية ذاك اليوم بعينه، فإن ذلك لا يضره. يعني مثلًا نحن في هذه الأيام في شعبان، ما منا واحد إلا وهو في نفسه أنه متى ما جاء وقت رمضان فهو صائم مع الصائمين. أليس كذلك؟ كل واحد منا ونحن في هذا اليوم البعيد من رمضان، وفي نيته أنه إذا جاء رمضان فهو صائم مع الصائمين، فالنية موجودة. فما بالك إذا كان ليلة رمضان في يوم الشك؟ أليست النية تتأكد أكثر؟ النية تتأكد أكثر، فلا حاجة لذاك التجديد الذي يذكره بعض الفقهاء من تبييت نية خاصة لنفس اليوم. وبعضهم يبالغ في هذا، ويجعل لها لفظًا، إما لفظ باللسان فيتلفظ بالنية، وإما أن يمر هذا اللفظ على القلب، وهذا أشد وأشد. بل هذا عده الكثير من العلماء، وهو الراجح: أنه من البدع والمحدثات. فالتلفظ بالنية نقص في العقل والدين، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ونقله عن جماعة، أي معناه من أهل العلم. بل معناه منقول عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. فالشاهد: الصحيح في هذا الباب أنه لا يشدد فيه ولا يضيق على الناس، فتجزئ النية العامة في هذا. ولهذا قال: وإن نوى نذرًا أو نفلًا ثم بان من رمضان، يعني اليوم الذي صامه ونوى فيه نذر أو نفل، لأنه صام يوم الشك، مع أن صيام يوم الشك منهي عنه. صيام يوم الشك منهي عنه، إلا لأحد كان يصوم صومًا، فلو قدر أن إنسان كان يصوم صومًا يصوم يوم الاثنين، وافق يوم الشك يوم الاثنين، قال: أنا صائم يوم الاثنين، إن كان رمضان فهو رمضان، وإن لم يكن رمضان فأنا صائم على عادتي، صائم على عادتي. فيقول: إذا بان رمضان، هل يجزئ أو لا يجزئ؟ اختلف العلماء في هذا. فمن أهل العلم من قال: ما دام لم يبيت النية لذاك اليوم بعينه، فلابد عليه أن يأتي بيوم آخر. وهذا ليس بالصحيح. قال رحمه الله: أجزأه إن كان جاهلًا، كمن دفع وديعة، هذا قياس. كمن دفع وديعة رجل إليه على طريق الشرع، ثم تبين أنها كانت حقه، فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان، لا يحتاج إلى إعطاء ثان. مثلًا إنسان له عندك وديعة، فأنت تريد أن تردها له، ثم تبين أن هذا حق له، وليس يعني هو أمانة لفلان، وإنما هذا حق لهذا الإنسان الذي أعطيته إياه، فهل يحتاج أن تعطيه مرة أخرى؟ يقول: لا، يكفي ما دام أن هذا له، فأنت أعطيته إياه، فانتهى ذلك، ولا يحتاج إلى إعطاء آخر. فإذا كان هذا بالحقوق المالية، فكذلك هو بالنسبة للصيام. ولا شك أن مثل هذا القياس قياس ضعيف، لأن هذا النوع من القياس مما يسميه الفقهاء بقياس الشبه. على أن الشبه في هذا ليس بمنطبق، ولو قدر أنه فيه شيء من التقارب، إلا أنه من أضعف أنواع القياس، أي قياس الشبه. ولكن أحسن من هذا أن يقال: ليس هناك ما يدل على الإلزام بما ذكره من قال بقضية تعيين التبيت. وأما حديث حفصة رضي الله عنها الذي روي مرفوعًا، رواه أحمد وأهل السنن: «من لم يجمع الصيام قبل النوم، فلا صيام له»، أو «قبل الفجر قبل الفجر فلا صيام له»، هذا الحديث على تقدير صحته، فهو يفسر بأحاديث النية العامة. وليس معناه أن يمضي الإنسان تبييت النية قبل الفجر لكل ليلة بعينها، ولا حتى أول ليلة من ليالي رمضان من ليالي رمضان. بل يكفي أن يكون في قلبه نية الصيام لشهر رمضان. ويوم غد يوم الشك مثلًا، وهو في قلبه: إن كان هو رمضان فهو صائم مع الصائمين، يجزئه ذلك، ولا يحتاج أن يعلم أنه رمضان قبل الفجر حتى يبيت له نية خاصة فيصوم مع الصائمين. بل من أدركه رمضان وهو في وسط النهار، وهو لم يأكل، أجزأه أن يصوم مع الصائمين. ومما يدل على ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بعض أصحابه في صيام يوم عاشوراء من النهار، فأمره من يصوم من النهار، وكان صيام عاشوراء واجبًا. فاستدل العلماء بهذا على أن صيام الواجب ما دامت النية له، إذا كانت النية له موجودة سابقًا، يجزئ صيامها ولو من النهار، ولا يحتاج أن يبيت لها نية خاصة، ما دامت النية العامة موجودة. بخلاف إذا كانت النية العامة غير موجودة، وهذا غير متصور بالنسبة لمن يعرف أن غدًا يوم الشك، هذا غير متصور، النية العامة موجودة. قلنا: هذا على تقدير صحة هذا الحديث. على أن الكثير من الحفاظ يرون أن هذا الحديث لم يصح مرفوعًا. فقد ذكر الإمام الترمذي رحمه الله عن شيخه الإمام البخاري أن الحديث لم يصح مرفوعًا، وأن الصحيح فيه الوقف، وأنه روي موقوفًا على ابن عمر، وهو الصواب. وهكذا نقل كذلك نحوه الدارقطني، وأبو داود، وأبو حاتم، فيما نقل عنه ابن أبي حاتم، وجماعة. فقد صح موقوفًا عن ابن عمر، وبعضهم صححه كذلك موقوفًا عن حفصة. أما مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصح. وعلى هذا لا دليل بتعيين تبييت النية لكل يوم، ولا كذلك حتى لأول يوم من رمضان. وأما النية العامة فهي التي تطلب، وهذا يكفي. وإلا يلزم من هذا إبطال صيام الكثير من الناس، إبطال صيام كثير من الناس. فإن الكثير من الناس في يوم الشك ما يدركون رمضان إلا في النهار، يعني كثير منهم ما يستطيع تتبع هل أعلنوا رمضان أو لا؟ فإذا صلى الفجر قيل له: اليوم رمضان. طيب هذا على قول هؤلاء الفقهاء لم يبيت النية، إذن ماذا يلزمه؟ يلزم أن يقضي يومًا لأنه دخل في فجري يوم رمضان، أول يوم من رمضان، وهو غير مستيقظ، ولم يبيت له نية خاصة. فعلى قولهم يلزمه القضاء، يصوم ويقضي يوم مكانه، وهذا غير صحيح. بل الصحيح أن النية العامة التي كانت معه تجزئه في ذلك. وأعظم وأعظم من ذلك كما قلنا: ما يفعله بعض الفقهاء، وصار سنة عند بعض العامة، من أمر تلقين النية والتلفظ بها، فهذا من البدع المنكرة التي لم يدل عليها دليل، لا من كتاب ولا من سنة، ولا عن أحد من سلف الأمة، ولا أحد من الأئمة. بل هو من البدع والمحدثات، ومما فيه نقص في العقل والدين. وقد بين شيخ الإسلام نقصان الدين بأنه بدعة، ونقصان العقل لأنه عبث. فمن العبث أن يحدث الإنسان بما في نفسه، فإنه لا يفعل ذلك إلا مجنون أو من قارب الجنون. ولهذا كان هو نقصان في العقل والدين. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.