كتاب العلم وفضله وما يتعلق به  9

كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 9

الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 9، الدرس التاسع:من( فصل:في عالم لم ينفعه علمه ... أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نقد المناظرات العلمية وآثارها السلبية

ينتقد المقطع الأول المناظرات العلمية التي تهدف إلى المغالبة والمباهاة، ويبين أنها تؤدي إلى أخلاق مذمومة مثل الكبر والرياء. كما يشدد على ضرورة أن يكون طلب العلم خالصًا لوجه الله.

تحذير من حب الظهور والرياء في طلب العلم

يتناول المقطع الثاني والرابع التحذير من سلوكيات سلبية مثل حب الظهور والرياء في طلب العلم، ويشدد على أهمية التواضع وعدم العجب لدى طلاب العلم. كما يحذر من الرياء والعجب باعتبارهما منافيين للصدق والإخلاص.

أسباب ظهور العجب والرياء عند العلماء وسبل تجنبها

يبحث المقطع الثالث في أسباب ظهور العجب والرياء عند العلماء، مثل عدم العمل بالعلم وعدم رسوخه، ويشير إلى أهمية التمييز بين استخدام العلم في نفع الناس أو في إظهار العجب.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الملف رحمه الله تعالى: فصل في عالم لم ينفعه علمه. قال: واعلم أن المناظرة الموضوعة لقصد المغالبة والمباهاة منبع الأخلاق المذمومة، ولا يسلم صاحبها من كبر لاحتقار المقصرين عنه، وعجب بنفسه لارتفاعه على كثير من نظرائه، ولا يسلم من الرياء؛ لأن جمهور مقصود المناظر -يعني غالب مقصود المناظر- أن يعلم الناس بغلبته، يعني أن يعلم الناس أنه قد غلب فلانًا في المسألة الفلانية، قال: وإطلاق ألسنتهم بشكره ومدحه. فهو يذهب عمره في العلوم التي تعين على المناظرة، مما لا ينفع في الآخرة، كحسن اللفظ وحفظ النوادر. وقد روي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في سياق كلامه على مباحث العلم، فقال: فصل في عالم لم ينفعه علمه. وليس هذا حصرًا لمسائل هذا الفصل، ولكن ذكر رحمه الله مثلًا في شيء قد ابتلي به الناس في زمانه رحمه الله، وهو ما يقع بين الناس من المناظرات العلمية. فقد كان هذا مشتهرًا في أزمنة متقدمة أن تعقد المجالس للمناظرات العلمية، فيقال: مثلا في يوم كذا من شهر كذا، الساعة كذا وكذا، يجتمع الشيخ فلان والشيخ فلان يتناظران في المسألة الفلانية، فيجتمع ناس كثيرون إما في مسجد أو مدرسة أو ساحة أو غير ذلك، ينظرون ما يجري بين هؤلاء. وإنما الأعمال بالنيات، أناس يجتمعون يريدون أخذ العلم، وآخرون يريدون الفخر والخيلاء، وهكذا آخرون يتعصبون ويكثرون سواد صاحبهم، وهكذا. وكان للعلماء في مثل تلك المجالس فتاوى، فمنهم من منعها مطلقًا، ومنهم من أجازها مطلقًا، ومنهم من فصل فيها. وذاك التفصيل كان بحسب أحوال الناس، فأحيانًا يكون التفصيل في التمييز فيما ينفع ويضر، وأحيانًا يكون التفصيل فيما يبتغى به وجه الله أو غيره، وغير ذلك من أنواع التفصيل. لكن من تأمل ذلك يجد أن من وقع في ذلك في الغالب لا بد له، شاء أم أبى، من الوقوع في بعض المحاذير. والمحاذير لو لم يكن إلا إعانة غيره على غير البر، وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فإذا كان كذلك فلا ينبغي الإنسان أن يعين عليه، وله فسحة أن يدعه، بخلاف إذا كان الإنسان ابتلي في ذلك أو إلى ذلك، فإنه ينبغي عليه إذا ابتلي أن يدفع هذا البلاء بقدر ما يستطيع، مع مدافعة نفسه وتصحيح النية واجتناب المساوئ. مثل رجل سني ابتلي بقوم من أهل الأهواء ألحوا عليه بالمناظرة وإلا سجنوه، كما وقع لبعض الأئمة، فإنه يفعل ذلك مكرهًا، كما قيل: أخاك لا بطل -يعني يدخل في الشيء وهو لا يحبه- لكن ليدفع الشر عن نفسه. وبه ننتقل إلى قضية مناظرة أهل البدع والأهواء. فمن قال إنها جائزة مطلقًا أخطأ، ومن قال ممنوع مطلقًا أخطأ، والصواب التفصيل. فإن كانت الغلبة لأهل السنة، فلا ينبغي أن يفتح رواج أهل البدع بمناظرتهم؛ لأن هذا يطمع به أهل البدع والأهواء. وعلى هذا يحمل إعراض من سبق من السلف عن مناظرة أهل الأهواء؛ لأنهم يعلمون أن مناظرتهم سبب لرواج بدعتهم وانتشارها. فمن السلامة والكمال عدم مناظرة أمثال هؤلاء. ومثل ذلك يفعل إذا كان الوضع والوصف مثله في كل زمان ومكان. وقد ذكر أن الخليل الأباضي صاحب عمان طلب مناظرة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، والشيخ عبد العزيز رحمه الله معلوم في علمه، وكذلك قوة حجته، ومع ذلك أبى أن يناظره، ليس ضعفًا ولا خوفًا ولا عجزًا، ولكن لذاك المقصد الذي تقدم. والشيخ للباني رحمه الله ناظر أناسًا كثيرًا من أهل الأهواء ابتلي بهم في زمانه وبلاده، وليس هذا ترويجًا لباطل أهل الباطل، ولا كذلك إعراضًا عن هذا المقصد الذي لأجله امتنع من امتنع عن المناظرة، ولكن لعلمه أن مقامه المناظرة أفضل. وهكذا تقدر الأمور بحسب مصالحها ومفاسدها في باب المناظرة وفي غيرها. وأما ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذا الفصل، فقال رحمه الله: واعلم أن المناظرة الموضوعة لقصد المغالبة والمباهاة إلى آخره، دليل على التفصيل الذي تقدم في باب المناظرات. وفيه كذلك أن هذا مضان فساد أحوال أصحابه في الغالب. فمن الناس من عنده علم لم ينتفع به، لم ينفعه الله بعلمه. ومن علامة ذلك أنه طلبه ليجاري به السفهاء ويماري به العلماء. فمن طلب العلم لأجل ذلك فهو محروم. وهذا يكثر عند ثلاثة أصناف من الناس. الصنف الأول: رجل لم يرسخ في العلم، فإن ذلك يكثر عنده حب الظهور؛ لأنه يظن أن ظهور العلماء وبروزهم في المجتمع كان بذكر نوادر المسائل وحصول أسباب الشهرة بفهمه السقيم، فهو يسعى إلى ذلك بكل وسيلة طلبًا للوصول لهذا المعنى. وهذا من جهله. ولهذا صور تذكر لأجل التحذير منه. ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا أن يكون حال صاحبه حب المناظرة، سواء بمجالس عامة أو مجالس خاصة، حتى بين طلبة العلم، تجد في الطعام يبدأ يتحرش بطلبة العلم: ما تقول يا فلان؟ ويأتي هو مستعد: ما تقول يا فلان في المسألة الفلانية؟ ويبدأ يتحرش ويستظهر العضلات في المسألة التي بحث فيها. وليس مقصوده هو بيان حكم هذه المسألة صحة أو ضعفًا، وصوابًا أو خطأ، بقدر ما قصده هو إظهار قوته العلمية عند الحاضرين والسامعين. وهذا وصف من لم ينتفع بعلمه، لأنه قصده الرياء والعجب بالنفس، وهذا معنى ذميم لا ينبغي أن يكون حامل العلم على مثله من الوصف. ومن صوره كذلك أنه ربما يعترض على الشيخ، ليس اعتراضه القصد منه السؤال، ولا كذلك إفادة الآخرين، فهذان معنيان ممدوحان. قد يسأل السائل وهو يعلم بالجواب، لكن المقصود منه التعليم، مثل من ها مثل جبريل عليه الصلاة والسلام. وهكذا أنت ربما تسأل الشيخ إذا جئت في بلد تحتاج إلى جواب هذا السؤال: يا شيخ، ما حكم من يدعو غير الله؟ الشيخ يقول: هو لا يجوز، وهذا شرك، وهذا كذا، وهذا كذا، وهذا كذا. أنت سألت ليس لأنك تجهل، ولكن لتبين للحاضرين حكم هذه المسألة. فهذا جائز، أو تسأل عن شيء بالفعل أنت لا تعلمه. لكن إذا لم يكن هذا ولا ذاك، وإنما سألت لأجل أن تظهر للسامعين والحاضرين أن هذا طالب علم قوي، أو أن هذا عنده علم أحسن من الشيخ، مثل ما يفعل بعض أولئك إذا حضروا بعض مجالس أهل العلم، أو زاروهم في بيوتهم، يريد أن يظهر الآن عند الشيخ أن هذا عنده علم. كأنه يقول: يا شيخ، اعرف قدري وانظر إلى منزلتي، يبدأ يسأل أسئلة: يا شيخ، ذكر ابن المديني في العلل كذا وكذا وكذا، فما حكم رواية فلان عن فلان؟ الشيخ إذا كان مستحضرًا لهذا الجواب أجاب، وإذا لم يجب أفاده هو. لكن يا شيخ، قال الشيخ فلان كذا، وقال فلان كذا، ويبدأ يذكر تفاصيل تدل على أنه سأل سؤالًا يعلم جوابه. فإن كان الشيخ لطيفًا أعرض عنه بلطف، وإن كان الشيخ فيه شدة، فلا تسأل عن المطارق الحسية والمعنوية على رأس هذا المتعالم. وهكذا من صوره وكيفياته كذلك أن يكتب أحدهم كتابًا أو يتكلم في كلمة ومحاضرة، ثم يبدأ يخرج في ذكر تفاصيل لا فائدة من ذكرها، أو لا حاجة عند السامعين من بسط القول فيها. كالبسط في تخريج حديث، اجتهد في بحثه، فيبدأ يقول: بحثت هذا الطريق من أربعة عشر طريقًا، ووجدت أن أحد الطرق فيها كذا وكذا، والطريق الثانية فيها كذا وكذا، ويبدأ يستفصل ويسترسل، بينما الحضور هم من العوام وأشباه العوام، ما يحتاجون لهذا الاستفصال. المقصود من ذلك في خطاب من يخاطب بما لا ينتفع به هو ماذا؟ لا شيء. إذن ما هو الشيء الذي يهدف إليه هذا المتكلم؟ الذي يهدف إليه أنه تعب وبدل جهدًا، فاعرفوا قدر المتكلم، فهو قد بذل لكم جهدًا حتى وصل إلى هذه المعلومات. وهكذا إذا كتب في كتاب، راجعه مشكور غير مأمور: في رسالة كذا وكذا، فقد بحثت الحديث من عشرة طرق، أو من كذا وكذا طريق، وإلى آخره من استظهار العضلات ونحو ذلك. وليس هذا من خلق العلماء العاملين. العامل بعلمه يعمل العمل الكثير، وهو لا يحب أن يعرفه أحد، لا يحب أن يطلع عليه ويعرفه أحد. وضد ذلك من هو مغتر بنفسه، ومعجب بقليل عمله. وإلا لو عرض ما عنده على ما عند غيره من حملة العلم لعلم أنه لا شيء. فحسبه أن يكون بحث مسألة وجهل مئات وآلاف المسائل. والمقصود من ذلك أن حامل العلم ينبغي عليه أن يربي نفسه على ما يعينه على التواضع وعدم العجب والرياء والغرور، وغير ذلك من أمراض القلب وأدوائه السيئة. وهكذا كذلك من أصناف من يقع في هذا المعنى كذلك صنف من الناس ربما برع في العلم، لكنه لم يؤت ما ينبغي أن يكون من أمر العلم، فهو أوتي علمًا ولم يؤت عملًا، حرم العمل. إما بقصد الدنيا، فإن من الناس من يسير في سير العلم، ولكنه يحرم بركة ذاك العلم، فيكون قصده الدنيا. فلذلك ربما ظهر في خلقه وفي أفعاله وأقواله من جنس ما يظهر عند الصنف الأول؛ لأنه لا يريد ما عند الله. كما مر معنا في دروس سابقة في قصة الشاذكوني، فقد كان رجلًا ذكيًا وأعجوبة في الحفظ، ومع ذلك كان محروم العمل، وكان يظهر عجائب في حفظه، يظهر العجائب في حفظه. ربما يسرق الكتاب ويحفظه عن ظهر قلب في نظرات، ويرده ويظهر أنه يحفظ ما لم يسبق إليه غيره، كما فعل مع أبي زرعة رحمه الله تعالى. فالشاهد أن عدم التوفيق للعمل بالعلم كذلك سبب آخر لظهور مثل هذه المظاهر السيئة. وهكذا كذلك صنف ثالث من أصناف هؤلاء من ربما يكون عنده علم ويحرص على العمل، لكنه يخالط بعض من لا يعمل بعلمه، فيؤثر عليه مجالستهم، فتظهر عليه فلتات مما لا ينبغي أن يتصف بها مثله. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالط». فطالب العلم ينبغي عليه أن ينتقي الأقران والأصدقاء كما ينتقي نوادر العلم، وكما ينتقي أهل الدنيا نوادر الجواهر. فإن الصاحب ساحب، وهو يدخل عليك ما لا تشعر من الفلتات والسقطات، ويستشعره غيرك، أنت ما تستشعر، لكن غيرك يستشعر ذلك. ولهذا ربما قيل: هذا ليس من فلان، ولكن من مجالسته لفلان. ومن كذلك هؤلاء صنف رابع من الناس، وهو من يلتبس عليه أمر التفصيل بين ما يصلح وما لا يصلح، وبين كذلك ما ينبغي وما لا ينبغي. ربما يسلم من هذه الصفات والخصال، وأهل الأصناف الثلاثة المتقدمة، لكنه لعدم رسوخه في العلم وخبرته فيه، ربما تصدر منه فلتات، هذه الفلتات تلحقه بهؤلاء. والسلامة من ذلك أن يحرص حامل العلم في الغالب على الخمول فيما هو من مضان العجب والرياء والتعالي والغرور؛ لأن تكون خاملًا خير من أن تكون نشطًا فيما يضر بدينك. وأن يتأسى بالعلماء ممن سبق، وممن بقى، ممن عرف بالعلم العمل، يتأسى بهم في حياته العلمية، يسلم من الشر الكثير. وقوله رحمه الله تعالى: لاحتقاره المقصرين وعجب بنفسه لارتفاعه على كثير من نظرائه، إلى آخر كلامه، هذا يبين لك أولًا وجه الخطأ في هذا الباب، وثانيًا يبين لك العلة التي ينبغي أن تجتنب. فإن من وافق في ذلك فقد وقع في أهل هذا الصنف من الناس: عالم لم ينفعه الله بعلمه. وقوله: لأن جمهور مقصود المناظر إلى آخره، إشارة منه إلى أن الغالب في من يخوض هذا الباب أنه لا يسلم من هذه المعاني السيئة. وليس معناه أن كلهم على ذلك، لكن بالغالب أنه لا يسلم من ذلك. وقوله: كحسن اللفظ وحفظ النوادر، في بيان كذلك أن من صفات، تتبع حسن اللفظ وحفظ النوادر. فإذا كان كذلك، فليعلم أن هذا المعنى يفصل بالتفصيل التالي. فما كان من لفظ حسن يتتبع ويقصد به صرف وجوه الناس إلى المتكلم، فهذا من المعنى المذموم. وعليه يحمل القول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذا من إخوان الكهان»، خصوصًا إذا كان معه إضاعة للحق وتغطية له، فإنه يزداد السوء في تتبع مثل هذا اللفظ. ومثله حفظ النوادر. وإنما الأعمال بالنيات، فإن من الناس من يحفظ نوادر القصص والأخبار والأمثال والأشعار لهذا الغرض والقصد. ومنهم من لا يريد بذلك إفادة الناس. فإن قيل: كيف نفرق وطالب العلم والداعي إلى الله الذي يحتاج إلى لفظ حسن ونوادر علمية يستعين بها في تقوية حجته، يستخدم ذلك؟ كيف يفرق بين المذموم والممدوح؟ خصوصًا وأنه ما من إنسان إلا وقد ينزغ الشيطان في قلبه إذا وفق لعمل حسن وقول حسن إلى ما يستدعي شيء من العجب في قلبه، ولو لم يكن ذلك في لسانه. فالجواب أن هذا لا يسلم منه أحد، كما قد قيل: فإن الإنسان لا يزال يدافع الشيطان في أمر الصدق والإخلاص في سائر أعماله. لكن الفرق بين ذاك وذاك أن هذا الذي أراد ما عند الله هو لا يفعل ذلك إلا في مواضع، في الغالب يقصد بها ما عند الله. فهو لا ينشئ ولا يستحدث -يعني لا يتكلف إيجاد مطلب الكلام- فيضع فيه ذاك اللفظ الحسن وتلك النوادر، ولكنه يؤدي بعض الواجب الذي أوجبه الله عز وجل عليه. ومع ذلك صحيح قد يعترضه الشيطان بشيء من تلك المعاني السيئة في قلبه، فهو يجاهد نفسه، يجاهد نفسه. ولو استطاع أنه لا يجعل حرصه على هذين المعنيين بقدر ما يكون حرصه على إفادة الناس ونفعهم لكان هذا أحسن. فإن كان النفع بالأدلة من الكتاب والسنة فهو أفضل وأسلم من أن يتتبع اللفظ الحسن وحفظ النوادر. والأمر في الحقيقة يحتاج إلى مجاهدة للنفس؛ فالنفس أمارة بالسوء. ثم ذكر الحديث، والحديث كما أشار المعلق: ضعيف، لكن معناه صحيح. فإن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، ومنهم: عالم لم ينتفع بعلمه؛ لأنه أراد بذلك أن يقال: إنه علم، أو حفظ القرآن، كما في حديث أبي هريرة. ومعناه، ومنه حديث أبي هريرة الآخر: من طلب العلم ليجاري به السفهاء، ويماري به العلماء، ويصرف وجوه الناس إليه، لم يشم رائحة الجنة، أو قال: لم يجد رائحة الجنة، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان كذلك، فيحذر حامل العلم أن يقصد بعلمه كل ما ينافي الصدق والإخلاص، وكل ما يكون فيه معنى العجب والرياء. والرياء الإشراك بالناس، والعجب الإشراك بالنفس، كما تقدم في دروس سابقة. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.