كتاب الطهارة 7

كتاب الطهارة 7

الدرس في كتاب الطهارة 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام النجاسات وآراء العلماء

يتناول آراء العلماء حول نجاسة الروث ودم الحيض مستندين إلى أحاديث نبوية وأقوال الصحابة والتابعين، مع تفصيل في نجاسة روث ما لا يؤكل لحمه واستثناء الخيل منها.

كيفية التعامل مع النجاسة على الثياب

يشرح كيفية التعامل مع النجاسة على الثياب مثل دم الحيض أو غائط الصبي، ويبين أن إزالتها تكون بالغسل أو باستخدام مواد أخرى تزيل الأثر.

أحكام الدم والخنزير ونجاسة الميتة

يتناول حكم الدم والخنزير في الإسلام، ويبين نجاسة ميتة الحيوان غير المأكول وتطهير دباغ جلد الميتة، مع تفصيل بين بقايا ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: قوله وروث، قال الدليل على نجاسة الروث ما تقدمت الإشارة إليه من قوله صلى الله عليه وسلم في الروثة: «إنها ركس»، والركس في اللغة النجس، فالروثة نجس، وهو المطلوب. وقد قدمنا كلام التيمي في تخصيص ذلك في روث الخيل والبغال والحمير، وتقدم معنا فيما مضى أن الركس: منهم من قال إنه نجس، ومنهم من قال غير ذلك: إنه القذر. ولكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرضَ أن يستنجي به، كذلك مع الرواية الأخرى عند ابن خزيمة، وعلمنا أن بعض أهل العلم صححها، وفيها قال: «إنها روثة حمار»، فاستدل جماعة من أهل العلم بهذا أن هذا دليل على نجاستها، واستئناسًا بما روي عن عدد من الصحابة، لا يعلم لهم مخالف، فبهذا عمومات أخرى استدلوا على نجاسة روث ما لا يؤكل لحمه، أو رجيع ما لا يؤكل لحمه، وهذا أعم. وبهذا استدل العلماء كذلك على التفريق على الصحيح بين روث الخيل؛ فهو طاهر، وروث البغال والحمير؛ فهو نجس. لأن الرواية قيدت في رواية ابن خزيمة بأنها روثة حمار، وإن كانت باللغة لفظها أعم فيتشمل الخيل والبغال والحمير، إلا أنها خصت بما ورد في السنة. وكذلك بعض أهل اللغة قال: أكثر ما تستخدم في الحمير والبغال، والبغل يلحق بالحمير؛ لأن الشيء المختلط يلحق بما يغلب. فإذا اختلط حاضر ومبيح قدم الحاضر على المبيح، فعندنا البغل هو ما كان مما ينتج بين الخيل والحمار، فالبغل فيه اشتراك بين الخيل الذي أصله طاهر؛ فالخيل يؤكل لحمه كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحمار لا يؤكل لحمه، وإن كان في أول الإسلام أذن به، ولكن آخر الأمر من أمر النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الحمر الأهلية، وهي هذه الحمر المعروفة. فالبغال تلحق بالحمير؛ لأنه اختلط فيها حاضر ومبيح، ويقدم الحاضر على المبيح، فيكون روث البغال ملحقًا بروث الحمير، ولا يلحق بروث الخيل، كما أن لحم البغال يلحق بلحم الحمير فيحرم، ولا يلحق بالخيل، هذا هو الصحيح في هذا، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: وطبعًا المسألة فيها خلاف، ولكن كما قلنا: نختصر ونشير إلى الراجح في اختصار. قال قوله: ودم حيض، الدليل على ذلك ما ثبت عند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث خولة بنت يسار، قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه، قال: «فإذا طهرتِ فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه»، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره؟ قال: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره». وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن مرفوعًا بلفظ: «احكِيه بضلع واغسليه بماء وسدر». قال ابن قطان: إسناده في غاية الصحة. قالوا: بالصحيحين وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض، كيف تصنع؟ قالت: «تحثه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه». فالأمر بغسل دم الحيض وحكه بضلع يفيد ثبوت نجاسته، وإن اختلف وجه تطهيره، فذلك لا يخرج عن كونه نجسًا. هذه مسألة أخرى من مسائل الباب، ومواضع النجاسات، فمن النجاسات دم الحيض، فدم الحيض نجس، والدليل على نجاسته ما جاء في هذه الأحاديث، منها حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعنهما في الصحيحين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل أثر الحيض ونضحه، وهذا يدل على نجاسته. وكذلك حديث خولة بنت يسار، وحديث أم قيس بنت محصن، حديث صحيح كما أشار ابن قطان، وذكره شيخنا مقبل رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس بالصحيحين. وهكذا كذلك الشيخ الألباني رحمه الله صححه في مواضع من كتبه. والحديث الذي قبله حديث خولة بنت يسار، كما أشار في إسناده ابن لهيعة، لكنه من رواية العبادلة، فقد اختلف في رواية ابن لهيعة، فمنهم من رده مطلقًا، ومنهم من قبله مطلقًا، ومنهم من فصل، والصحيح التفصيل. ورواية ابن لهيعة ها هنا جاءت من رواية أحد العبادلة، فهي صحيحة، ولهذا ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، يكون الحديث صحيحًا وحسنًا، ويؤيده الرواية الأخرى: حديث أم قيس بنت محصن الأسدية رضي الله عنها وأرضاها، هو الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذه المرأة أن تغسل موضع الدم ثم تصلي، وهذا يدل على أن دم الحيض نجس، وأن أثر النجاسة إذا بقي اللون مع زوال العين لا يضر، فبقاء اللون لا يضر. فأفاد أولًا، وهو المقصود من هذه الرواية: نجاسة دم الحيض، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة، منها هذه الأحاديث الثلاثة، وغيرها كذلك كثير. ودل ثانيًا كذلك على أن أثر النجاسة إذا بقي مع زوال العين، فبقي الأثر، وهذا الأثر هو اللون، فإنه لا يضر، أو كذلك الريح، ولكن ليس هذا في الماء، وإنما هذا في غير الماء، كالثوب أو الأرض أو نحو ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يضرك أثره»، أي: بعد الاجتهاد في إزالة هذا الأثر. فلون دم الحيض في الغالب إذا كان الثوب من الألوان الفاتحة كالأبيض وإخوانه من الألوان الأخرى الفاتحة، فإن أثر هذا الدم لا يمكن إزالته بالغسل، خصوصًا إذا كان الغسل باليد. وأما مع الوسائل الحديثة اليوم، فيمكن إزالته. ولكن الكلام إذا كان الغسل باليد، كحال الناس في ذلك الزمان، أو من يحتاج لذلك في هذا الزمان، فهل يكفي؟ الصحيح أنه يكفي بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يضرك أثره»، ولا يضر أثر النجاسة كذلك. الغائط أحيانًا يكون الصبي غير محفظ جيدًا، فيخرج شيء من غائطه على لباس الكبير، فيغسل، خصوصًا إذا كان الأمر مستعجلًا، إنسان خارج الصلاة، أو امرأة تريد أن تصلي، ليس عندها إلا ذلك الثوب، فتغسل أثر هذه النجاسة، تحاول تزيل عين النجاسة وأثرها، ولكن يبقى اللون، يبقى لون هذا الغائط، مثلًا إن كان بنيًا أو كان أصفر أو نحو ذلك للصبي الصغير، فيغسل، فلا يخرج، يبقى أثر هذا اللون، فهذا لا يضر بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يضرك أثره»، أي: بعد الاجتهاد في إزالته. وهذا الحديث كذلك ثالثًا: أنه, يستحب للمرأة أن يكون لها ثوب للحيض خاص، ليس هو ثوب الصلاة، وليس هو الثوب المعتاد، أن يكون لها ثوب خاص، ليس هو ثوب الصلاة، وليس هو الثوب المعتاد. فإن كانت قليلة اليد، يعني: فقيرة مسكينة، ليس عندها ملابس كثيرة، كحال الكثير من النساء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كهذه المرأة، قالت: ليس عندها إلا ثوب واحد فقط، فهو الذي تحيض فيه، وهو الذي تلبسه وتصلي فيه، فمثل هذا الحال تكون الحكم كما سمعنا: يغسل أثر الحيض، وإذا بقي شيء من أثره فلا يضر. وهكذا كذلك يفيد هذا الحديث كذلك أن النجاسات عمومًا تعامل بهذا الأصل: أنها تغسل، فإذا زال بالغسل فذاك، فإذا لم يزل أو أزيل بشيء آخر، فالحكم يدور مع التي وجودًا وعدَمًا، العبرة هو ماذا؟ زوال عين النجاسة وآثار النجاسة إذا أمكن، فإذا لم يمكن فلا بأس. والمشقة تجلب التيسير، المشقة تجلب التيسير. فالمزيلات الأخرى غير الماء: الصحيح من أقوال أهل العلم أنها إذا أزالت النجاسة فحكمها حكم الماء، على الصحيح من أقوال أهل العلم، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدَمًا. وكذلك في الرواية الثانية في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «احكِيه بضلع»، المراد بالضلع يعني: شيء قاسٍ، الظلع، أيسر ما يمكن أن يوجد في البيت، كانوا يستعملون الظلع في أشياء كثيرة، يعني: مثل العصى النظيفة في البيت، فيستعملونه في أشياء كثيرة، فمن ذلك أنهم يستعملون به في الغسيل. فقال: «احكِيه بضلع»، يعني: تحك أثر النجاسة إن أمكن بالضلع؛ لأن طرف الضلع يكون أملس يزيل الأثر ولا يشقق الثوب. وربما بعض النساء أدركوا بعض الأمهات، وقد أدركنا هذا، يعني: كانوا يغسلون الملابس بخشبة معرجة مثل الدرج، مبطوح، ألا دركت هذا شيخ أحمد؟ يعني: خشبة تضعها المرأة في الوعاء، ثم تأتي بالثوب وتفركه، وحيانًا حتى الرجال يغسلون بهذا، فيغسلون بهذا، يفركونه على هذه الخشبة حتى يزول أثر الأوساخ من الثوب. وربما بعضهم يستعمل أشياء أخرى. فإزالة أثر النجاسة بالضلع لأجل أن لا يتشقق الثوب، وفي نفس الوقت يزول أثر النجاسة، فليس المقصود الضلع، ولكن المقصود أي شيء يزيل أثر النجاسة بدون ماذا؟ بدون أن يشقق الثوب. ولذلك تجدون الغسالات الحديثة اليوم داخل الغسالة: طلوع، طلع كذلك، أليس هو ضلع؟ ضلع يدخل في وسط التياب: ثلاثة أضلع، أربعة أضلع، خمسة أضلع، ما فائدة ما فائدة ما فائدة هذه الظلوع التي داخل الغسالة؟ تضرب الثوب ليخرج أثر الأوساخ من هذا الثوب. والمعنى: الإنسان يجتهد في إزالة أثر النجاسة، إن استطاع باليد، أو استعان بشيء آخر يزيله، فإذا وجدت وسائل أخرى حديثة اليوم، عندنا بعض المطهرات والمنقيات تستطيع أن تزيل أثر هذه النجاسة، إذن كذلك نستخدم هذه المزيلات الحديثة، هذه المزيلات الحديثة لإزالة آثار هذه البقع. وقوله عليه الصلاة والسلام: «واغسليه بماء وسدر»، أما الماء فهذا واضح، وأما السدر: لأجل كذلك أن تزول رائحة الحيض. وفي هذا دليل على أن النجاسات والأشياء المستقذرة المستقذَرة تغسل بالمطيبات، أشياء طيبة، يعني: يخلط مع الغسل شيء طيب. واليوم الحمد لله تجدون بعض الأنواع الصابون فيه ماذا؟ في أنواع الطيب، في أنواع الطيب. فاستخدام الطيب في الغسيل له أصل في السنة، ما هو الدليل؟ هذا الحديث، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «واغسليه بماء وسدر»، لماذا السدر؟ السدر يعطي رائحة طيبة، السدر يعطي رائحة طيبة. كذلك يستخدم أنواع المطيبات في هذا الزمان، وليس هذا بإسراف، بل له أصل بالسنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك قوله في الرواية الأخيرة: «ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه»، ومعنى تقرصه: يعني تعصره وتشده حتى يزول الأثر. ومعنى تكرار هذه العملية إذا احتيج إلى تكرار، فلا ييئس الإنسان ولا يستعجل في إزالة أثر النجاسة، يحاول مرة، مرتين، ثلاث، حتى يزيل أثر النجاسة. وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم في سؤال المرأة: «يصيب ثوبها من دم الحيض، كيف تصنع؟» قال: «تحثه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه»، وهذا معناه أنه يكرر الغاسل، ولو تكررت الغسلات، ولو تكررت الغسلات. قال رحمه الله تعالى: وأما سائر الدماء، فالأدلة فيها مختلفة مضطربة، والوراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية. ولو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ إلى جميع ما تقدم، فإن الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ فكان ذلك مفيدًا لنجاسة الدم المسفوح والميتة، ولكنه لم يرد ما يفيد ذلك، بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب. والظاهر رجوعه إلى الأقرب، وهو لحم الخنزير، يعني: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وبعده قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، لفظة رجس: هل يعود إلى الثلاثة: الميتة والدم ولحم الخنزير؟ أو إلى آخر مذكور، وهو لحم الخنزير؟ وفي هذا خلاف مشهور في كتب التفسير والحديث والفقه. والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يعود إلى آخر مذكور، وهذا هو الأصل في اللغة: عود الضمير إلى آخر مذكور، إلا إذا وجدت قرينة صحيحة صريحة تدل أنه يعود إلى جميع المذكورات. وليس هناك لا قرينة متصلة ولا قرينة منفصلة صحيحة صريحة تدل على أن الضمير يعود إلى هذه الثلاثة، فلهذا كان الصحيح أن حكم النجاسة إن قضي، فإنه يكون للحم الخنزير خاصة. ومسألة نجاسة الدم فيها خلاف كبير بين أهل العلم، وبعض أهل العلم نقل في هذا الإجماع على نجاسة الدم. والصحيح من أطوال أهل العلم: التفصيل بين الدم من من لا يؤكل لحمه؛ فدمه نجس، ودم ما يؤكل لحمه؛ فليس بنجس. وما لا يؤكل لحمه يستثنى منه الإنسان، على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لما صحت بذلك الأحاديث المرفوعة والآثار الصحيحة الموقوفة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في طهارة دم الإنسان. فقد صحت أحاديث كثيرة عن الصحابة رضي الله عنهم مرفوعة وموقوفة في أنهم كانوا يصلون بدمائهم. وقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه شيئًا من تلك الأحاديث والآثار. وقد صح عن عدد من الصحابة من فعلهم ما يدل على ذلك، ومن ذلك قصة الرجلين الذين كانا يتناوبان بالحراسة، فأصاب الدم أحدهما ويصلي، حتى تقاطر على الآخر، ولم يمنعه ذلك من أن يقطع صلاته، بل استمر في صلاته، ولم يدرك الحارس الآخر أن صاحبه قد أصيب إلا من أثر الدم عليه، كره صاحبه أن يقطع صلاته. وهكذا كذلك صح عن عمر أنه كان يصلي بطعنته والدم يخرج منه، رضي الله عنه وأرضاه. وغير ذلك كثير. وقد رؤيت كذلك آثار من أقوال بعض الصحابة ما يؤيد ذلك. وهذا يدل على القول الصحيح: أن دم الإنسان ليس بنجس، أن دم الإنسان ليس بنجس. ولا يستثنى من دم الإنسان إلا شيء واحد، وهو دم ماذا؟ دم الحيض والنفاس، وهو دم واحد: دم الحيض والنفاس. قال رحمه الله تعالى: قوله ولحم خنزير، قال: الدليل على نجاسته ما قدمنا قريبًا من الآية الكريمة، يعني: في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. وقد اختلف في لفظ الرجس: إلى القدر، وقيل: النجس. ولهذا بعض أهل العلم لا يرى نجاسة لحم الخنزير، كما روي عن المالكية. والصحيح، وهو الأحوط: أنه يكون فيه معنى النجاسة لخبثه. وهذا تدل عليه أدلة، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء بالصحيح: «فيمن لعب بالنردشير»، قال: «وكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه»، في لحم خنزير ودمه، فدل ليس فقط على الخبث، وإنما: صحيح والله أعلم. ولهذا جمهور أهل العلم على هذا: أنه خبث حسي ومعنوي، فالمعنوي هو: أذارة هذا الخنزير، والحسي: نجاسة هذا الخنزير، نجاسة هذا الخنزير. ولأن لحم الخنزير لا يخلو أن يصاحبه ماذا؟ الدم، ودم الخنزير من أي أصناف الدماء ها؟ ما لا يؤكل لحمه، إذن دمه ماذا؟ نجس، إذن دمه نجس. ولهذا قال: «وكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه»، وهذا معناه أن لحم الخنزير ودم الخنزير نجس، وهذا يؤيد ما سبق وتقدم من أن الصحيح الذي دلت عليه عمومات الأدلة: التفريق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وما لا يؤكل لحمه، والخنزير مما لا يؤكل لحمه، ولا يمكن أن يوجد دم خنزير من غير ماذا؟ لا يمكن أن يوجد لحم خنزير من غير دم، من غير دم، هذا هو الغالب، هذا هو الغالب. ثم الخنزير خبيث في طبعه، خبيث في لحمه، خبيث في خلقه، خبيث في كل شيء فيه، فلخبث الخنزير ورجاسته المعنوية والحسية حرمه الإسلام. قال: الدليل على نجاسة ما قدمنا قريبًا من آية الكريمة. قال: وفيما عد ذلك خلاف، الأصل الطهارة، فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه. أقول: اعلم أن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها، ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد لحكم، والأصل البراءة من ذلك، ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى. وقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى السكوت عن الأمور التي سكت عنها، وأنها عفو، فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته، فليس لأحد من عباد الله أن يحكم بنجاسته بمجرد رأي فاسد أو غلط في الاستدلال، كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما حرمه الله، زاعمًا أن النجاسة والتحريم متلازمان. وما ذكره صحيح، ولكن إذا وجد دليل صحيح صريح يدل على إضافة شيء فيه حكم النجاسة، فبذلك الدليل. فظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن ما سوى هذا المذكور ليس بنجس. وسيأتي معنا إن شاء الله: أن بعض الأشياء فيها خلاف، وسينبني عليه إن شاء الله. وأما قوله: أنه لا يلزم معنى كلامه: لا يلزم من حكم التحريم حكم النجاسة، فالصحيح: ليس كل محرم نجس، ليس كل محرم نجس، بل وليس كل خبيث نجس، ليس كل خبيث نجس. فالأصنام وصفت بالرجس، وهي ليست نجسة. وهكذا كذلك بعض الأقوال والأفعال محرمة، والأعيان وليست كلها نجسة. قال: وهذا الزعم من أفضل الباطلات، فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته: مطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، هذه أنواع الدلالات. دلالة المطابقة: أن ينطبق على الشيء بأكمله، والتضمن: أن يكون فيه ضمنًا، والالتزام: أن يستلزم منه، وهذه الدلالات معروفة بكتب الأصول. قال: فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاست ذلك، يعني: لا يدل أن الخمر نجس، ولا أن كل ميتة نجس، ولا أن كل دم نجس. قال: وكأن الشارع قد علم وقوع مثل هذا الغلط لبعض أمته، فأرشدهم إلى ما يدفعه، قائلًا: «إنما حرم من الميتة أكلها». ولو كان مجرد التحريم شيء مستلزم لنجاسته، فكان قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى آخره، دليلًا على نجاسة النساء المذكورات في الآية، والمسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا، كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، الصحيح. وهذا ظاهر منه رحمه الله تعالى، وقد تقدم معنا قبل قليل في حكم الميتة: أن الصحيح التفريق بين ماذا؟ الميتة في أكلها، وكذلك فيما هو فيها. وكذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، وهذا يدل ويؤكد أن بعض ما في الميتة يمكن أن يطهر، وتطهيره بماذا؟ بدباغه، الجلد، الجلد إذا دبغ طهر. فإذا الميتة فيها معنى النجاسة لماذا؟ لأنها بهذا الحديث تدل على نجاسة هذه الميتة، فالميتة تنجس إذا كانت ميتة غير مأكول بلا خلاف، وإذا كانت ميتة مأكول، فهنا خلاف: هل ينجس بسبب كونه ميتة، أو بسبب آخر؟ وعلى كل حال فالميتة لا أحد يستخدمها ولا يحتاج إليها، لكن الجلد إذا دبغ فقط يطهر بدباغه. وبقايا ما يؤكل لحمه كما تقدم معنا على التفصيل بينه وبين ما لا يؤكل لحمه.