مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 9

مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 9

الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في حكم الصيام والحكمة من تشريع العبادات

يتناول الشيخ ابن عثيمين حكم الصيام والحكمة من تشريع العبادات، موضحًا أن الله حكيم في خلقه وشرعه. العبادات شرعت لتمحيص القبول والرضا ولتحقيق كمال العبودية لله.

فوائد الصيام وأثره على النفس

الصيام عبادة تقرب العبد إلى ربه بترك محبوباته، وهو سبب للتقوى ويعين على ضبط النفس والتحكم في الشهوات. يترتب عليه خير ديني ودنيوي للصائمين وتحسين في سلوك الإنسان.

الدعاء والختام

المقطع يتضمن دعاءً بالفقه في الدين وإصلاح الشؤون، يليه الصلاة على النبي وختام الحديث. الدعاء يشمل طلب الرحمة والمغفرة للمؤلف ولوالديه ولجميع المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليق على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "مجالس شهر رمضان": قال المجلس التاسع في حكم الصيام. الحمد لله مدبر الليالي والأيام، مصّرِّف الشهور والأعوام، الملك القدوس السلام، المتفرِّد بالعظمة والبقاء والدوام، المتنزِّه عن النقائص ومشابهة الأنام، يرى ما في داخل العروق وبواطن العظام، ويسمع خفي الصوت ولطيف الكلام، إله رحيم كثير الإنعام، ورب قدير شديد الانتقام، قدّر الأمور فأجراها على أحسن نظام، وشرع الشرائع فأحكمها أيما إحكام، بقدرته تهب الرياح وتسير الغيوم، وبحكمته ورحمته تتعاقب الليالي والأيام. أحمدُه على جليل الصفات وجميل الإنعام، وأشكرُه شكر من طلب المزيد ورام، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا تفيق به العقول ولا أوهام، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وأفضلُ الأنام، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ السابق إلى الإسلام، وعلى عمر الذي رآه الشيطانُ هاربًا إذا رآه الشيطانُ هام، وعلى عثمان الذي جهَّز بماله جيش العسرة وأقام، وعلى عليٍّ صاحب البحر الخضم والأسد الضرغام، وعلى سائر آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ على الدوام، وسلَّم تسليمًا. عباد الله، اعلموا رحمكم الله أن الله سبحانه له الحكم التام والحكمة البالغة فيما خلقه وفيما شرعه، فهو الحكيم في خلقه وفي شرعه، لم يخلُق عباده لعبًا ولم يترُكهم سُدى، ولم يشرع لهم الشرائع عبثًا، بل خلقهم لأمرٍ عظيم وهيأهم لخطبٍ جسيم، وبيَّن لهم الصراط المستقيم، وشرع لهم الشرائع يزداد بها إيمانهم وتكمل بها عبادتهم. فما من عبادةٍ شرع الله لعباده إلا لحكمةٍ بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها، وليس جهلنا بحكمةٍ من العبادات دليلاً على أنه لا حكمة لها، بل هو دليلٌ على عجزنا وقصورنا عن إدراك حكمة الله سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقد شرع الله العبادات ونظم المعاملات امتحانًا واختبارًا لعباده، ليتبين بذلك من كان عابدًا لمولاه ممن كان عابدًا لهواه. فمن تقبل هذه الشرائع وتلك النظم بصدرٍ منشرحٍ ونفسٍ مطمئنة فهو عابدٌ لمولاه، راضٍ بشريعته، مقدمٌ لطاعة ربه على هوى نفسه. ومن كان لا يقبل من العبادات ولا يتبع من النظم إلا ما ناسب رغبته ووافق مراده، فهو عابدٌ لهواه، سافكٌ لشريعة الله، معرضٌ عن طاعة ربه، جعل هواه متبوعًا لا تابعًا، ورادًا يكون شرع الله تابعًا لرغبته مع قصور علمه وقلة حكمته. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ ذِكْرَهُمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. ومن حكمة الله سبحانه أن جعل العبادات متنوعة ليتمحَّص القبول والرضا، وليتمحَّص الله الذين آمنوا. فإن من الناس من قد يرضى بنوعٍ من العبادات ويلتزم به، ويضيع نوعًا آخر ويفرط فيه. فيجعل الله من العبادات ما يتعلق بعمل البدن كالصلاة، ومنها ما يتعلق ببذل المال المحبوب إلى النفس كالزكاة، ومنها ما يتعلق بعمل البدن وبذل المال جميعًا كالحج والجهاد، ومنها ما يتعلق بكف النفس عن محبوباتها ومشتهياتها كالصيام. فإذا قام العبد بهذه العبادات المتنوعة وأكملها على الوجه المطلوب منه دون سخط أو تفريط، فتعب وعمل وبذل ما كان محبوبًا إليه، وكف عما تشتهيه نفسه طاعة لربه امتثالاً لأمره ورضًا بشرعه، كان ذلك دليلاً على كمال عبوديته وتمام قيامه ومحبته لربه وتعظيمه له، فتحقق فيه وصف العبودية لله رب العالمين. إذا تبين ذلك، فإن للصيام حِكمًا كثيرة استوجبت أن يكون فريضة من فرائض الإسلام وركنًا من أركانه. فمن حكم الصيام أن عبادة الله تعالى بالصيام يتقرب العبد فيها إلى ربه بترك محبوباته ومشتهياته من طعام وشراب ونكاح، ويظهر بذلك صدق إيمانه وكمال عبوديته لله وقوة محبته له ورجائه ما عنده. فإن الإنسان لا يترك محبوبًا له إلا لما هو أعظم عنده منه، ولما علم المؤمن أن رضى الله بالصيام بترك شهواته المجبول على محبتها، قدم رضى مولاه على هواه فتركها، أشد ما يكون شوقًا إليها، لأن لذته وراحة نفسه بترك ذلك لله عز وجل. ولذلك كان كثير من المؤمنين لو ضرب أو حبس على أن يفطر يومًا من رمضان بدون عذر لم يفطر، وهذه الحكمة من أبلغ حكم الصيام وعظمها. ومن حكم الصيام أنه سبب للتقوى، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فإن الصائم مأمور بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، رواه البخاري. وإذا كان الصائم متلبسًا بالصيام، فإنه كلما همَّ بمعصية تذكر أنه صائم فامتنع عنها. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصائم أن يقول لمن سابه وشاتمه: «إني امرؤ صائم»، تنبيهًا له على أن الصائم مأمور بالإمساك عن السب والشتم، وتذكيرًا لنفسه بأنه متلبس بالصيام فيمتنع عن المقابلة بالسب والشتم. ومن حكم الصيام أن القلب يتخلص للفكر والذكر، لأن تناول الشهوات يستوجب الغفلة، وربما يقسي القلب ويعمي عن الحق. ولذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخفيف من الطعام والشراب، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»، رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وهو حديث حسن. وهذه بعض حكم الصيام، وقد ذكر العلماء حِكمًا كثيرة. وحسب الشيخ في هذا المقام أن يذكر بعض هذه الحكم. والمقصود كما ذكر في أول هذه الكلمات: سواء علم العبد هذه الحكم بعضها أو كلها أو لم يعلمها، ليعلم أن الله عز وجل الحكيم العليم الرحيم إنما يختار لعباده ما فيه الخير لهم في الدين والدنيا. ولذلك إذا علم ما علم من الحكم أو لم يعلم، هو على يقين أن ما يختاره الله له خير مما يختاره لنفسه. وقد لا يعلم ببعض الحكم، ولكن إذا قرأ سيعلم أن الله عز وجل إنما فرض وشرع ما شرع، وهو غني عن جوعنا وعطشنا وشدنا ونصبنا، ولكن أراد بذلك الخير لعباده في الدنيا وفي الآخرة. ومن هذا الخير الديني والأخروي والخير الدنيوي الذي يحصله الإنسان في هذه الدنيا. فمن هذا الخير الديني أنه سبب لارتقاء المؤمن في سلم الإيمان ومراتبه، حتى ترتقي نفسه إلى الدرجات العالية، لأن الصيام فيه من الخصال التي تزكي النفس وتطهر الروح وتطهر الجسد وتعين على الطاعة ما لا يكون في غيره من العبادات. ولذلك نرى أن الناس عندهم من الإقبال على الإيمان والحرص على الخير والطاعة والتنافس في أبواب المبرات في هذا الشهر ما لا نجده في غيره. وهذا قليل من كثير من آثار الصوم على الصائمين. وشهر الصيام له آثار على الناس تبقى حتى بعد ذهاب شهر الصيام. ولذلك تجد الناس لا يزالون عليهم آثار الصيام، وكلما تباعد الشهر كلما تباعدت وضعفت آثار الشهر على أهله. فلذلك صار هذا الموسم والمواسم الخيرات والمبرات سببًا عظيمًا في إصلاح أحوال الناس، وهذا من حكم الله عز وجل. فنحن نرى ذلك عيانًا. قال رحمه الله تعالى: وفي صحيح مسلم أن «حذيفة الأسدي وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: نافق حذيفة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قال: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأننا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا». الحديث. وفيه: «ولكن يا أحمد، الله ساعة وساعة، ساعة وساعة، ثلاث مرات»، يعني كررها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، يذكر أن لله حكمة بأن يكون شيء من النسيان والغفلة التي لا تنافي ما عند الله سبحانه وتعالى من الخير. قال: وقال أبو سليمان -وهو كما قال-: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. ولكن الذي قال: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، كذلك أمرنا أن لا نؤثر الدنيا على الآخرة، بل ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قال رحمه الله: قال أبو سليمان الداراني: «إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورقى، وإذا شبعت وحميت غلظ القلب». لأن القلب وعاء، فإذا ملئ الوعاء فإنه انشغل بما ملئ. قال: ومن حكم الصيام أن الغني يعرف به قدر نعمة الله عليه بالغنى، حيث أنعم الله تعالى عليه بالطعام والشراب والنكاح، وقد حرمها كثير من الخلق، فيحمد الله على هذه النعمة ويشكر على هذا التيسير، ويذكر بذلك أخاه الفقير الذي ربما يبيت طاويًا جائعًا، فيجود عليه بالصدقة يكسو بها عورته ويسد بها جوعته. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. ومن حكم الصيام: استمرار ضبط النفس والسيطرة عليها والقوة على الإمساك بزمامها، حتى يتمكن من التحكم فيها ويقودها إلى ما فيه خيرها وسعادتها. فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، فإذا أطلق المرء لنفسه عنانها وقعته في المهالك، وإذا ملك أمرها وسيطر عليها تمكن من قيادتها إلى أعلى المراتب وأسمى المطالب. ومن حكم الله عز وجل كذلك أن الجسد يتعود على هذه الطاعة فيعين فرضها على نفلها، فترى الإنسان بدخوله في هذه العبادة كيف يعود نفسه وجسده على الصيام، فبأول الشهر يكون الصيام عليه ثقيلاً، فإذا مرت الأيام تعود الجسد على الصيام فصار يسيرًا. ولهذا كثير من الناس يتعود نوافل الصيام بعد شهر رمضان، تخف عليه نوافل الصيام ونوافل الطاعات يكمل بها الفرائض، كما صح من النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. فإن أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فيقال: انظروا إذا قصر منها شيء، انظروا هل لعبد من نافلة، أي فتكمل به فريضته. وكذلك الصيام وسائر الطاعات، فرائضها تجبر إذا فيها نقص بنوافلها. ومنها كذلك -كما ذكر رحمه الله- أن الإنسان يعود نفسه على ضبط نفسه وشهواتها. فمن ضبط نفسه مع كثرة الشهوات -الأكل والشرب- بل حتى بعض الناس الذي يبتلى بالأشياء المحرمة كالدخان والقات، يستطيع في شهر الصيام أن يضبط نفسه الأمارة بالسوء على ترك هذه الملذات التي أضرت بجسده وبدينه وبماله وبأسرته، وكان قدوة سيئة. فبهذا الشهر يستطيع أن يستعين على التخلص من تلك العادات السيئة. قال رحمه الله: من حكم الصيام كسر النفس والحد من كبريائها حتى تخضع للحق وتلين للخلق، فإن الشبع والري ومؤانسة النساء يحمل كل منها على الأشر والبطر والعلو والتكبر على الخلق وعن الحق. وذلك أن النفس عند احتياجها لهذه الأمور تشغل بتحصيلها، فإذا تمكنت منها رأت أنها ضفرت بمطلوبها، فيحصل الآن من القرح المذموم والبطر ما يكون سببًا لها في الآثام والمعاصي. والمعصوم من عصمه الله تعالى. ومن حكم الصيام أن مجاري الدم تضيق بسبب الجوع والعطش، وتضيق مجاري الشيطان من البدن، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما ثبت ذلك بالصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، وإن كسر شوكة الشهوة والغضب. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، متفق عليه. قال: فجعل الصوم وجاء لشهوة النكاح وكسرًا لحدتها. ومن حكم الصيام ما يترتب عليه من الفوائد الصحية التي تحصل بتقليل الطعام وإراحة جهاز الهضم لمدة معينة، وتخلص البدن من بعض الرواسب والفضلات الضارة بالجسم، وغير ذلك. فما أعظم حكم الله وأبلغها، وما أنفع شرائعه للخلق وأصلحها. اللهم فقهنا في دينك، وألهمنا معرفة أسرار شريعتك، وأصلح لنا شؤون ديننا ودنيانا، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم آمين. إلى هنا، والله تعالى أعني.