الدرس في شرح مختصر السيرة 30، الدرس الثلاثون : وفيه : ( ولما استمر النبي على سب آلهتهم ... فلا هوادة اليوم على حزب إبراهيم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تحدث الشيخ عن الهجرة الثانية إلى الحبشة بعد اشتداد البلاء على المسلمين في مكة، حيث أذن لهم النبي بالخروج مرة أخرى إلى الحبشة. كان عددهم ثلاثة وثمانين رجلاً ثم رجع بعضهم إلى المدينة بعد هجرة النبي إليها.
كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام ويزوجه أم حبيبة، فأسلم النجاشي وزوجه أم حبيبة. قريش حاولت إرجاع المسلمين من الحبشة بإهداء النجاشي مالا، فرفض بعد أن سمع كلام جعفر بن أبي طالب.
أظهر النجاشي تعاطفا مع المسلمين المهاجرين بعد أن شرح جعفر بن أبي طالب دين الإسلام وأهدافه، وقرأ عليه بعض الآيات القرآنية. هذا الموقف يدل على تأثير شرح جعفر في قلب النجاشي.
المقطع يتناول صحة حديث موت النجاشي، حيث يشير إلى أن الزيادة في الحديث ضعيفة ولكن أصل القصة صحيح ويؤيد بعضها بعضا. هذا يدل على أهمية التحقق من صحة الأحاديث النبوية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، والأمر كما قال عبد الله بن عمر -بما رواه البخاري عنه- أن الإسلام أول ما كان، وكان المسلمون قلة، فما من رجل مسلم إلا ويفتن، فإما أن يقتل وإما أن يرجع، يعني لا يتركه حتى يكون أمره على أحد شيئين. قال: فلما كثر الناس -يعني في الإسلام- تركوهما، يعني تركوا فتنتهم. ولهذا رجع مرة ثانية الذين عادوا كما سيأتي -إن شاء الله- بالهجرة مرة أخرى إلى أرض الحبشة، لما رأوا من حسن الجوار -النجاشي خاصة- وأهل الحبشة عامة. قال رحمه الله تعالى: الهجرة الثانية إلى الحبشة. قال: فلما قرأ مهاجرة الحبشة من مكة، وبلغهم أمرهم، توقفوا عن الدخول، ثم دخل كل رجل في جوار رجل من قريش. ومعنى الدخول في الجوار: يعني في حماية رجل من أهل قريش. قال: ثم اشتد عليهم البلاء والعذاب من قريش، وتسلط بهم عشائرهم، يعني آذوهم وتسلطوا عليهم. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد أولي أذى شديدا، حتى أنه كان يؤتى به في يوم شديد الحر إلى عمه أبي طالب، يريدون أن يحاكموه. وأنه آباهم سبأ لهتهم، فينجيه الله عز وجل منهم، بما يكون من فرج الله عز وجل، وما كان من صدقه عليه الصلاة والسلام، فلا يجد عمه إلا أن يقول لهم: اذهبوا، فليس لكم إلا ذلك، يعني ما تسلطوا عليكم، ولا آذاكم، ولا فعل عليكم ما فيه ظلم عليكم، أو ما يوجب اعتداءكم عليه. قال: ثم اشتد عليهم البلاء والعذاب من قريش، وتسلط بهم عشائرهم، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره. فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، فخرجوا. وكان عدة من خرج في المرة الثانية ثلاثة وثمانين رجلا، وقيل: ثمانين، وقيل: اثنين وثمانين. وهذه رواها ابن إسحاق في السيرة، وابن حجر رحمه الله أشار في الفتح إلى أنهم على ثمانين رجلاً. قال: إن كان فيهم عمار بن ياسر، ومن النساء تسعة عشر، وقيل: ثمانية عشر. وفيهم من كان رجع في الهجرة الأولى، وقيل: ممن رجع عثمان بن مضعون رضي الله عنه، وجماعة. قال: فلما سمعوا بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة، رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا، وقيل: هؤلاء هم الذين شاركوا في غزوة بدر. ومن النساء ثمان، ومات منهم رجلان بمكة، وحبس سبعة، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا، يعني قيل: ثلاثة وثلاثون، وقيل: أربعة وعشرون رجلا. وهذه مما ذكره أصحاب السيرة، وأكثرها مراسيل. قال: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يزوجه أم حبيبة. قال: فلما كان شهر ربيع سنة سبع من الهجرة، كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام، وكتب إليه أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان. وكانت مهاجرة مع زوج عبيد الله بن جحش، فتنصر هناك، ومات نصرانيا. وكتب إليه أيضا أن يبعث إليه من بقي من أصحابه. فلما قرأ الكتاب أسلم، وقال: لو قدرت أن آتيه لأتيته. وزوجه أم حبيبة، وأصدقها عنه أربعمائة دينار، وحمل بقية أصحابه في سفينتين، فقَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر قد فتحها. وهذا المعنى قد جاء معناه في الصحيح، لكن بغير هذا التفصيل. وهذا التفصيل لترتيب أهل السيرة، وإلا في زواج النبي عليه الصلاة والسلام من أم حبيبة معناه ثابت في الصحيح. قال: بعث قريش للنجاشي يطلب إرجاع المسلمين. ولما كان بعد بدر، اجتمع قريش في دار الندوة، وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي تارا، فاجمعوا مالا وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع عنكم من عنده. ومن تجد لذلك رجلين من أهل رأيكم فابعثوهما. فبعثوا عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، وقيل: أنه كما أشار في الشرح: عبد الله بن أبي ربيعة. وهذا أصح؛ لأن هذا جاءت رواية أم سلمة في هذه القصة. وأصح ما روي في ذلك هو حديث أم سلمة. وقد جاء من حديث جعفر بن أبي طالب، لكنه ضعيف؛ فيه علة: عنعنة أبي إسحاق السبيعي، وفيه مخالفات لما في حديث أم سلمة الصحيح. وجاء من حديث البراء بن عازب -كما أشار إليه في الشرح- لكنه كذلك ضعيف؛ فيه أسد بن عمرو الكوفي، ومجالد بن سعيد، وكلاهما ضعيف. فما أشار إلى ذلك الهيثمي في المجمع. وهذا جاء من حديث ابن مسعود، وهو كذلك ضعيف؛ فيه الاضطراب. وفيه حديث ابن معاوية، وهكذا كذلك فيه عنعنة بإسحاق. فأصح ما روي بذلك حديث أم سلمة، وعليه اعتمد الكثير من المحققين في رواية هذه القصة. قال: فركب البحر، فلما دخل على النجاشي سجد له وسلم عليه. وقال: قومنا لتناصحون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك من هؤلاء الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم اتبعوا رجلا كذابا خرج فينا، يزعم أنه رسول الله، ولم يتبعوا إلا السفهاء، فضيقنا عليهم، ولجأناهم إلى شعاب أرضنا، لا يخرج منهم أحد، ولا يدخل عليهم أحد، فقتلهم الجوع والعطش. فلما استدعى النجاشي جعفرا، صاح جعفر بن أبي طالب بالباب يستأذن: «حزب الله». فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه. فقال: نعم، فليدخلوا بإذن الله وبركته. فدخلوا ولم يسجدوا له. فقال: ما منعكم أن تسجدوا لي؟ قالوا: إنما نسجد لله الذي خلقك ومن لك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان. فبعث الله فينا نبيا صادقا، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله، وهي السلام تحية أهل الجنة. فعرف النجاشي أن ذلك حق، وأنه بالتوراة والإنجيل. فقال: أيكم المتكلم؟ فقال جعفر: أنا. قال: فتكلم. فقال: إنك ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام، ولا الظلم. وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي. فأمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما، فتسمع محاورتنا. وهذه القصة أوردها المؤلف رحمه الله من رواية هؤلاء الأربعة من الصحابة: أبي موسى، وجعفر، وابن مسعود، وأم سلمة. وبعضها في تلك الروايات الضعيفة، وأصحها رواية أم سلمة. قال: فقال جعفر للنجاشي: سلوا عبيدا: نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا أبقنا من أربابنا، فرددنا إليهم. فقال عمرو: بل أحرار كرام. فقال: هل أهرقنا دما لأجل حق فيقتص منا؟ قال عمرو: ولا قطرة. فقال: هل أخذنا أموال الناس لأجل حق فعلينا قضاؤها؟ قال عمرو: ولا قيراط. فقال النجاشي: فبما تطلبون منهم؟ قال: كنا نحن وهم على أمر واحد، على دين آبائنا، فتربوا على ذلك، واتبعوا آلهة. فقال النجاشي: ما هذا الذي كنتم عليه؟ وما الذي اتبعتموه؟ قل واصدقني. فقال جعفر: أما الذي كنا عليه فتركناه، وهو دين الشيطان: نفر بالله، ونعبد الحجارة. وأما الذي تحولنا إليه فبدين الله الإسلام. جاء نبيه من الله رسولا، وكتابا مثل كتاب موسى، وافقا له. فقال: تتلمذت بأمر عظيم. فعلى رسلك. ثم أمر بضرب ناقوس، فاجتمع إليه كل قسيس وراهب. فقال لهم: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا؟ قالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى، وقال: من آمن به فقد آمن به، ومن كفر به فقد كفر به. فقال النجاشي لجعفر رضي الله عنه: ماذا يقول لكم هذا الرجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟ فقال: يقرأ علينا كتاب الله، ويأمرنا بالمعروف، وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بحسن الجوار، وصلة الرحم، وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ مما يقرأ عليكم. فقرأ سورتين: ﴿كَبُوت﴾، والروم. ففاضت عينا النجاشي من الدمع. وقال: زدنا من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف. وهذه ليست في حديث أم سلمة. الذي في حديث أم سلمة قراءة سورة مريم. قال: فقال: ما تقولون في عيسى وأمه؟ فقرأ عليهم سورة مريم. فلما أتى على عيسى وأمه رفع النجاشي بقشة من سواكه قدر ما يقضي العين. فقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون نقيرا، يعني أنه شيء واحد يدل على أنه كله من عند الله. قال: وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمَعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ الآيات. وابتر هذا السبب شيخنا رحمه الله في الصحيح المسند من أسباب النزول، فيما رواه نبيهات مغيرة، وعن عبد الله بن الزبير أنها نزلت في النجاشي. قال: فأقبل النجاشي على جعفر، ثم قال: اذهبوا فأنتم سيوم في أرضي، والسيوم: الآمنون، يعني آمنون في أرضي. من سبكم غرم، فلها واددة اليوم على حزب إبراهيم. وهذه الزيادة جاءت في حديث جعفر، وقد علمنا أنها ضعيفة، لكن بالجملة أصل القصة صحيح، ويؤيد بعضها بعضا. قال: موت النجاشي. انتهاء الوقت، نقل هنا، ونكمل إن شاء الله بدرس لاحق.