الدرس في جواهر البلاغة 70، الدرس السبعون:من( الباب الرابع في المسند وأحواله ... وقوله وهو خادعهم تفيد الثبوت مطلقا من غير نظر إلى زمان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المسند هو ما يحكم به في الجملة، ويشمل الخبر والفعل التام وغيرها. يأتي ذكر المسند بعد المسند إليه لأن المحكوم به مؤخر عن المحكوم عليه.
الأصل في المسند هو ذكره، ولكن قد يحذف إذا وجدت قرينة تدل عليه أو لأغراض بلاغية مثل الإيجاز. يتناول المبحث أسباب ذكر المسند وحذفه.
الجملة الإسمية تفيد الثبوت، بينما الجملة الفعلية تفيد التجدد والحدوث. الفرق بينهما مهم في فهم دلالة الجملة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الملف رحمه الله تعالى: الباب الرابع: المسند هو الخبر، والفعل التام، واسم الفعل، والمبتدأ، الوصف المستغني بمرفوعه عن الخبر، وأخبار النواسخ، والمصدر النائب عن الفعل. ومر معنا فيما سبق بيان معنى المسند والمسند إليه. فقوله: «المسند هو الخبر» يعني هو ما يأتي خبرًا في النحو، وهكذا كذلك خبرًا في هذا العلم -البلاغة- كما قد سبق التنبيه في الدرس السابق، في دروس سابقة، أن معنى الخبر في باب النحو ليس كالخبر في هذا الباب، أو هذا الفن في علم البلاغة. فإن الفعل يدخل في معنى الخبر، ولكن مع ذلك أكد فقال: «والفعل التام». والفعل التام يعني أنه من المسند كذلك. «واسم الفعل» يعني الذي يعمل عمل الفعل، مثل المصدر واسم الفاعل ونحوه. قال: «والمبتدأ». قوله: «والمبتدأ» إذا كان المراد به بمعنى المبتدأ في علم النحو فلا، وإن أراد به ما يأتي فيه وصف المسند فصحيح. ولهذا قال بعده: «الوصف المستغني بمرفوعه عن الخبر». ما هو الوصف المستغني بمرفوعه عن الخبر؟ ها إيش أبا معاد؟ اسم الفاعل، اسم المفعول، مثل: أقائم زيد؟ أو الزيدان؟ فمثل هذا يصلح فيه هذا التعبير، إذن قوله: «والمبتدأ» مقيد. قالوا: «وأخبار النواسخ» وهذا واضح، مثل: كان وغيرها. قال: «والمصدر النائب عن الفعل» كذلك: الضرب ونحوه من المصادر. وعلق هنا فقال: وإنما ذكر المسند بعد المسند إليه؛ لأن المسند محكوم به، والمسند إليه محكوم عليه، والمحكوم به مؤخر عن المحكوم عليه طبعًا، فاستحق ذلك الترتيب وضعًا. يعني ذكر المسند في الباب الرابع، والمسند إليه في الباب الثالث؛ لأن ترتيبها من جهة ورودها ومعناها على هذا النسق، فكان كذلك ترتيبها من حيث ذكر مباحثها في هذا الكتاب. ثم قالوا: مبحث... قالوا: أحوال... هي الذكر والحذف، والتعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، وغيرها. وفي هذا الباب ثلاثة... ثم باحث. وهنا علق قالوا: مبحث الذكر لم يعرض له كثير، كأبي هلال العسكري والإمام عبد القاهر. ولعله يتعلق كثيرًا بالنحو. ثم عندي ناقص الكلام، كأنه لا بغيره. والذكر ذكره بعضهم. يعني ما هي المواضع التي يذكر فيها المسند؟ وما هي المواضع التي لا يذكر فيها المسند؟ ومعنى لا يذكر يعني يحذف. فالذكر هو الأصل، الذكر هو الأصل. فلما كان الأصل بعض البلاغيين لم يذكره؛ لأنه شيء واضح، وإنما ذكر الحذف، وما بعده من مباحث، كما سيأتي إن شاء الله. قال: المبحث الأول في ذكر المسند أو حذفه. قال: يذكر المسند للأغراض التي سبقت في ذكر المسند إليه؛ لأنه الأصل ذكره وعدم حذفه. وقد يكون مع ذكره غرض آخر من الأغراض البلاغية. فكل ما ذكر في ذكر المسند إليه وتقديمه هو كذلك يقال في مسألة ذكر المسند وتأخيره؛ لأنهما شيئان متلازمان. قال: وذلك ككون ذكره هو الأصل، وهذا واضح. ولا مقتضى للعدول عنه نحو: العلم خير من المال. فأين المسند؟ ها أين المسند؟ خير، خير هو المسند. فالأصل ذكره، ولا مقتضى للعدول، ما في شيء يدعو إلى حذفه. قال: ثانيًا: وكضعف التعويل على دلالة القرينة نحو: حالي مستقيم، ورزقي ميسور. إذ لو حذف «ميسور» لا يدل عليه المذكور، واضح لا يدل؛ لأن الكلام ليس فيه حشو، ولأن الكلام في جهتين مختلفتين. بخلاف لو قال مثلًا: رزقي ميسور، ورزق ولدي. رزقي ميسور، ورزق ولدي، لم يذكر ماذا الخبر؟ دل عليه ماذا ما قبله؟ يعني كذلك رزق ولدي ميسور. فالقرينة تدل على الخبر، فأمكن حذفه. أمكن حذفه. لكن إذا كان لا يوجد قرينة فهنا لا يمكن حذفه. قال: ثالثًا: وكضعف تنبه السامع نحو: أصلها ثابت، وفرعها في السماء. إذ لو حذف «ثابت» ربما لا يتنبه السامع لضعف فهمه. يعني ما يستطيع يقول إذا قال: أصلها وفرعها في السماء، قد يفهم أن الأصل والفرع كله في السماء، وهذا ليس بالصحيح. كأنه يقول: أحيانًا القرينة قد تدل، فالأصل القرينة المعنوية تدل أنه يكون في الأرض ليس في السماء، والفرع في السماء. فلو حذف «ثابت» فالقرينة تدل المعنوية على أنه يعني لا يلتبس بما بعده، على أنه ضد الذي بعده. ها ايش أصلها ثابت، وفرعها ثابت في السماء؟ يقول: أخونا بشير عنده أصلها ثابت، وفرعها ثابت في السماء، كذا أصلها ثابت، وفرعها ثابت. إذا كان على المثال الذي ذكر فيكون الآن أتى بمعنى الجار المجرور؛ لأن الجار المجرور «وفرعها في السماء» متعلق بمحذوف، أليس كذلك؟ هذا المحذوف يقدر له معنى يناسب المقام، فـ«ثابت» يوافق الذي ذكر قبل. فالمهم سواء هذا، فكله معنى واحد. فالشاهد قال: إذ لو حذف «ثابت» ربما لا يتنبه السامع لضعف فهمه. يقول: لا يتنبه السامع لضعف فهمه، يعني ما يستطيع يصل إلى المحذوف بفهمه؛ لأن القرينة غير واضحة، فلهذا كان الأولى ذكره، فذكر. قال: رابعًا: وكالرد على المخاطب نحو: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة، جوابًا لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ فإجابة المخاطب اقتضى ذكر المسند وعدم حذفه. قال: وخامسًا: وكإفادة أنه فعل، فيفيد التجدد والحدوث، ومقيدًا بأحد الأزمنة الثلاثة بطريق الاختصار. يعني لو قلت: زيد ضرب عمرًا، أو زيد يضرب عمرًا، أو زيد سيضرب عمرًا، ليس هو في المعنى مثل عمر -مثلًا- «مضروب من زيد». فـ«مضروب» فيه مطلق الضرب، ما فيه تحديد زمان، ما فيه تحديد زمان. وكون أن المتكلم يريد إيضاح وقوع الضرب في زمان معين، وأن الضرب ثابت بتجدد وحدوث، هذا ما يكفي فيه بالجملة الإسمية، فيحتاج إيضاح بالجملة الفعلية. فلأجل ذلك فالمسند يحتاج لذكره، فلا يحذف. يعني الصيغة البلاغية الصحيحة في مثل هذا المقام أن لا يحذف. قال: أو كإفادة أنه اسم، فيفيد الثبوت مطلقًا. أو كإفادة أنه اسم، فيفيد الثبوت مطلقًا. الثبوت هذا الوصف؛ لأن الجملة الإسمية تدل على الثبوت، والفعلية تدل على التجدد. قال: نحو: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ فإن «يخادعون» تفيد التجدد مرة بعد أخرى، مقيدًا بالزمان من غير افتقار إلى قرين تدل عليه، كذكر الآن والغد. وقوله: «وهو خادعهم» تفيد الثبوت مطلقًا من غير نظر إلى زمان. ويحذف المسند لأغراض كثيرة. قوله: وهو تفيد الثبوت مطلقًا من غير نظر إلى زمان، يعني الجملة الإسمية والجملة الفعلية تفيد التجدد كما تقدم. طيب مبحث الحذف نؤخر إن شاء الله.