الدرس في جواهر البلاغة 93، الدرس الثالث والتسعون:من( رابعاً:يكون القصر بتقديم ما حقه التأخير ... ومن يتتبع أساليب البلغاء في تقديم ما حقه التأخير يجد بأنهم يريدون بذلك التخصيص ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ طرق الحصر في اللغة العربية مثل التقديم والتأخير والنفي مع الاستثناء واستخدام أدوات مثل 'إنما'. يوضح أن هذه الطرق تفيد الحصر وتؤكد المعنى المقصود.
يشرح شروط استخدام حروف العطف مثل 'بل' و'لكن' و'لا' لتحقيق الحصر، مع توضيح الشروط الخاصة بكل حرف ومقارنة بين القصر بـ'إنما' والعطف.
يتناول الفرق بين استخدام 'إنما' والعطف في الحصر، ويبين أن التقديم يدل على القصر بطريق الذوق السليم والفكر الصائب، ويشير إلى أن الأصل في المعمول أن يتأخر على عامله إلا لضرورة.
يشير المقطع إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع الإشارة إلى أن العلم الكامل عند الله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الملك، رحمه الله تعالى: رابعًا: يكون القصر بتقديم ما حقه التأخير، نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نخصك بالعبادة والاستعانة. الشاهد في قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾. الأصل: نعبد إياك، أو نعبدك ونستعين بك، فتقديم ما حقه التأخير أفاد الحصر، أي: لا نعبد إلا أنت، ولا نستعين إلا بك. فصار فيه معنى النفي مع الاستثناء، حصل الحصر؛ لأن فيه معنى النفي مع الاستثناء. فقولنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ كأننا قلنا: لا نعبد إلا أنت. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كأننا قلنا: لا نستعين إلا بك. والنفي مع الاستثناء من الحصر. قال رحمه الله: «فالمقصور عليه في النفي والاستثناء هو المذكور بعد أداة الاستثناء»، نحو: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وهذا توضيح للطرق الأربعة التي مرت معنا. فمن طرق الحصر النفي مع الاستثناء. فيقول رحمه الله: «المقصور عليه في النفي والاستثناء هو المذكور بعد أداة الاستثناء». ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ فالحصر حصل في كون التوفيق لا يكون إلا بالله سبحانه وتعالى. فالمقصور عليه هو المذكور بعد أداة الاستثناء، أي: بالله. قال: «والمقصور عليه مع "إنما" هو المذكور بعدها، ويكون مؤخرًا في الجملة وجوبًا»، نحو: «إنما الدنيا غرور». ومر معنا أن «إنما» حصر بمثابة النفي مع الاستثناء. قال: «والمقصور عليه مع "لا" العاطفة هو المذكور قبلها والمقابل لما بعدها»، نحو: «الفخر بالعلم لا بالمال». فالحصر حصل في العلم. الحصر حصل بالعلم. قال: «والمقصور عليه مع "بل" و"لكن" العاطفتين هو المذكور بعدهما»، نحو: «ما الفخر بالمال بل بالعلم». فالعلم هو المقصور عليه المحصور. قال: «ونحو: ما الفخر بالنسب لكن بالتقوى». فالتقوى هو المحصور أو المقصور عليه. قال: «والمقصور عليه في تقديم ما حقه التأخير هو المذكور المتقدم»، نحو: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ يعني في قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ كأنك قلت: لا نتوكل إلا على الله. قال: «وكقول المتنبي: وَمِنَ الْبَلِيَّةِ عَذْلُ مَنْ لَا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَخِطَابُ مَنْ لَا يَفْهَمُهُ». فهنا أين الشاهد؟ نعم، أين الشاهد؟ «وَمِنَ الْبَلِيَّةِ عَذْلُ مَنْ لَا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَخِطَابُ مَنْ لَا يَفْهَمُهُ» فأفاد الحصر. نعم، تقديم الجار والمجرور «وَمِنَ الْبَلِيَّةِ» يعني كأنه لا بلية إلا هذه البلية. قال: «ملاحظات». قال: «أولًا: اشترطوا في كل من "بل" و"لكن" أن تسبق بنفي أو نهي، وأن يكون المعطوف بهما مفردًا، وأن لا تقترن "لكن" بالواو». والسبب في ذلك أنه لا يحصل الحصر إلا كذلك. فلو لم يأتِ نفي ولا نهي كان استثناء مجرد خالي من معنى الحصر. وهكذا كون المعطوف بهما مفردًا؛ لأن الحصر لا يكون إلا بالإفراد. وقوله: «ولا تقترن "لكن" بالواو"؛ لأن اقترانها بـ"لكن" يبعد معنى التعميم في النفي، فيبطل التعميم. وأنت تريد أن تنفي لتعمم النفي وتستثني لتخص المحصور من هذا المنفي». تقول مثلًا: «ما حضر إلا زيد». ما حضر إلا زيد، فأنت حصرت أو استثنيت من عموم. قال: «ثانيًا: يشترط في "لا" إفراد معطوفها، وأن تسبق بإثبات، وأن لا يكون ما بعدها داخلًا في عموم ما قبلها». ولا هذه هي العاطفة كما مر معنا: «الفخر بالعلم لا بالمال». فترون معطوفها أفرد، ولم تسبق بنفي، بل سبقها إثبات. سبقها إثبات؛ لأنه لو سبقت بنفي ما حصل معنا الحصر، وصار آخر الجملة يكذب أولها أو ينقضه. فلهذا لابد أن تكون مثبته. وقوله: «أن لا يكون ما بعدها داخلًا في عموم ما قبلها؛ لأن ما بعدها مستثنى»، يعني: لأن ما بعدها عام وما قبلها مستثنى. فأنت تريد أن تنفي ما بعدها وتثبت ما قبلها. فدخول ما قبلها في ما بعدها ينافي هذا النفي. ينافي هذا النفي. فهذا هو: لا يكون ما بعدها داخلًا في عموم ما قبلها؛ لأن ما قبلها محصور، فلابد ما قبلها يكون مفرد. قال: «ثالثًا: يكون للقصر بـ"إنما" مزية على العطف؛ لأنها تفيد الإثبات للشيء والنفي عن غيره دفعة واحدة، بخلاف العطف؛ فإنه يفهم منه الإثبات أولًا ثم النفي ثانيًا أو عكسه». قولنا مثلًا: «إنما الفخر بالعلم» ليس هو مثل «الفخر بالعلم لا بالمال». فأنت ترى أن «إنما» حين دخلت على هذه الجملة أفادت معنا الحصر بنفسها. وهذا هو قوله: «يكون للقصر بـ"إنما" مزية على العطف؛ لأنها تفيد الإثبات للشيء». «إنما الفخر بالعلم» إثبات، والنفي عن غيره دفعة واحدة. «إنما الفخر بالعلم» هو متضمن لمعنى النفي لما سوى العلم. وقوله: «بخلاف العطف» يعني مثلًا: «الفخر بالعلم لا بالمال». فإنه يفهم منه الإثبات أولًا، يعني في قوله: «الفخر بالعلم» إثبات، ثم النفي ثانيًا، يعني: «لا بالمال». أو عكسه: يعني النفي أولًا ثم الإثبات ثانيًا إذا كان المعنى الجملة كذلك. قال: «رابعًا: التقديم يدل على القصر بطريق الذوق السليم والفكر الصائب، بخلاف الثلاث الباقيات. وتدل على القصر بالوضع اللغوي». عندي الأدوات الظاهر. والأدوات إيش عندك؟ ها، نفسها. نفسها. الظاهر والأدوات بالوضع اللغوي. ومعنى هذا أن الحصر في تقديم ما حقه التأخير يفهم من المعنى. وأما الحصر ببقية الطرق الثلاث، فهو يعلم من جهة اللفظ بواسطة النفي والاستثناء مثلًا، أو بواسطة «إنما» التي تفيد الحصر، أو بواسطة العطف بـ"لا" التي كذلك بهذه الصيغة يفيد معنى الحصر، أو كذلك بالإلحاق بـ"لا" أو "بل". فهذه الأمثلة كلها استفيد الحصر والقصر بوضعها اللغوي، يعني تركيب الجملة والأدوات مع الأدوات. بخلاف تقديم ما حقه التأخير؛ ليس فيه أداة معينة. لا، لكن، ولا "بل"، ولا "لا"، ولا «إنما»، ولا «إلا» مع النفي، ولا شيء من ذلك. قال: «خامسًا: الأصل أن يتأخر المعمول على عامله إلا لضرورة». يعني الأصل أن تقول مثلًا: «نعبدك ونستعين بك». ولكن قد يقدم لضرورة، كضرورة الشعر، أو كذلك موافقة الفواصل في القرآن. ويتضمن ذلك كذلك إفادة المعنى المراد حصر ما قدم لأجله، مثل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإنه مقصود من جهة المعنى، وهو كذلك موافق لما يطلبه الختم في فواصل الآيات. قال: «ومن يتتبع أساليب البلغاء في تقديم ما حقه التأخير يجد بأنهم يريدون بذلك التخصيص»، يعني أنهم تعمدوا ذلك لأجل التخصيص، مثل الشعر الذي سبق في قولي المتنبي. إلى هنا والله أعلم.