التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين  18

التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 18

الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 18، الدرس الثامن عشر:من( ثم قال رحمه الله:وهذا هو الربح الذي قد كسبته*لعمرك لا ربح ولا الأصل يسلم!... يعمل صلاحاً ويعمل فساداً وهكذا فهو يبني ما يهدم ويهدم ما يبني ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من طلب العلم للدنيا وخطورته

يشرح الشيخ ابن بريك خطورة طلب العلم للدنيا، حيث يصبح العلم حجة عليه إذا لم يعمل به، ويحذر من طلب العلم للدنيا مستشهداً بأحاديث نبوية.

خطورة البخل بالعلم وتبادل الآخرة بالدنيا

يُناقش المقطع خطورة التعلّم للعلم دون نية صالحة، ويحذر من البخل بالعلم وبيعه للدنيا، ويشير إلى أن نعيم الجنة لا يُقارن بأي شيء في الدنيا.

أهمية بذل الدنيا في طلب الآخرة والصبر

يشرح المقطع أهمية عكس الأمور وبذل الدنيا في طلب الآخرة والصبر على ما يصيب الإنسان في الدنيا، ويحذر من تضييع الحزم وتبديل الدنيا بالآخرة.

الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم

المقطع يتضمن الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه، ويعتبر هذا الدعاء وسيلة للتقرب إلى الله.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ثم قال رحمه الله تعالى: وهذا هو الربح الذي قد كسبته لعمرك، لا ربح ولا الأصل يسلم. قال رحمه الله: وهذا صحيح، فإن الإنسان الذي لم يربح من علمه إلا جاها ودرهما لم يربح في الحقيقة؛ لأن الذي لا يربح من علمه درجات عند الله عز وجل هو خاسر. والقرآن حجة لك أو عليك. نسأل الله أن يخلص لنا ولكم النية مما يشوبها. وقوله: «لعمرك لا ربح ولا الأصل يسلم» أي: ما حصلت ربحا، وما سلم لك الأصل؛ لأنه جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «أن من طلب علما مما يبتغى به وجه الله لا يريد أن ينال به إلا أن ينال عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة». نعوذ بالله من ذلك، فالأمر خطير. علق شيخنا رحمه الله على هذا البيت بما سمعنا. فالمؤلف رحمه الله تعالى يشير في هذا البيت إلى المثلين السابقين الذين مثل بهما في حال هذا الإنسان إذا نفع الناس وغفل عن نفع نفسه ونجاة نفسه، سواء في دين أو في دنيا. ومن ذلك حامل العلم، فالمؤلف رحمه الله يعظ نفسه وأمثاله، ومن باب أولى من كان دون هؤلاء، أي: حملة العلم. المثال الأول: وهو من أوقد نارا فأضاء لغيره وأحرق نفسه. والمثل الثاني: فيمن غرس غرسا فانتفع به غيره ولم ينتفع به هو. فإذا كان كذلك، وكان غرضه من العلم هو شيء من حضوض الدنيا كالجاه والدرهم، فهذه تجارة خاسرة. والتجارة كما تعرفون فيها رأس مال وربح مطلوب. ومثل من حصل العلم ثم لم ينتفع به كمثل التاجر الذي خسر الربح ورأس المال؛ لأن العلم هو رأس المال، وما يجنيه العالم إن صدق في علمه وعمل به هو الربح. فإذا لم يعمل بعلمه، بل اتخذ علمه سلما للوصول إلى الدنيا، فباع آخرته بشراء الدنيا، فهنا يخسر صاحب العلم هذا الربح، وهو منفعة هذا العلم في الدنيا والآخرة. وهكذا كذلك رأس المال؛ لأن العلم يصير حجة عليه لا له. وأشار شيخنا رحمه الله إلى حديث أبي هريرة الذي جاء عند أبي داود وأحمد وابن ماجه وغيرهم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد رائحة الجنة». أو «عرف الجنة». والحديث صححه وجماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله. ثم قال رحمه الله: «بخلت بشيء لا يضرك بذله، وجدت بشيء مثله لا يقوم. بخل بذل حظ الخسيس دناءة، وجدت بدار الخلد لو كنت تفهم». قوله: «بخلت بشيء لا يضرك بذله» أي: الدنيا؛ فالدنيا لو تذهب كلها عنك ما تضرك. وقوله: «وجدت بشيء مثله لا يقوم» أي: الجنة والآخرة؛ فهذا شيء لا يمكن أن تكون قيمة له كل الدنيا؛ فمعنى «لا يقوم» أي: لا تحدد قيمته لشدة غلائها. فالآخرة غالية؛ ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. وهكذا أمر الآخرة بالنسبة للدنيا شيء لا تقع فيه المقارنة؛ فالدنيا ممر والآخرة موضع المستقر. الدنيا قصيرة، مهما طال عمر الإنسان فإنه لا يتعدى المئة، بينما اليوم الواحد من أيام يوم القيامة بخمسين ألف سنة. وألف سنة بحسب أحوال الناس ومنازل تلك الأيام، وليس لها نهاية، مع ما أعد الله عز وجل للمحسنين من نعيم مقيم وجزاء عظيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وما أعد للكافرين والمجرمين من النار والسعير، فليس هناك مقارنة. فلا ينبغي للإنسان أن يبخل بما لا ينبغي البخل به. وهذا مراده رحمه الله فيمن لم يستعمل العلم فيما ينفعه، بل فيما أضره؛ فالشيطان هو الذي يعيد الناس الفقر بالبخل في الصدقة وفي كل أبواب الخير. قال رحمه الله تعالى: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمَوضعُ صوتِ أحدِكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها». والحديث في صحيح البخاري وغيره. قال: أخرجه الإمام البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لموضع صوت أحدكم» كم يكون مقدار هذا الصوت؟ يعني: شيء يسير. قال: الجواب أن نقول: هو متر مثلا. فتأمل: هو خير من الدنيا وما فيها. فإذا كان موضع الصوت في الجنة خير من الدنيا كلها وما فيها، فماذا يكون ما هو أعظم من موضع الصوت؟ فلا مقارنة. وصدق رحمه الله إذ قال: «وجدت بشيء مثله لا يقوم». قال: وقوله: «الدنيا» ليس هي دنياك التي تعيشها ولا دنيا عصرك فحسب، بل هي الدنيا كلها من أولها إلى آخرها. يعني: خير من الدنيا وما فيها يريد أن يبين الشيخ رحمه الله أن معنى الحديث عام عموم قد لا يتصوره بعض الناس؛ فهي لا تنحصر بالدنيا التي رأيتها أنت فقط، بل دنيا كل الناس من أول أمر هذه الدنيا إلى آخرها. وهذا شيء ليس بالسهل؛ ففيه أعمار الناس أجمعين آلاف السنين، ومع ذلك كل ذلك لا يساوي موضع الصوت. قال: إذن فكل الذين يسعون للجاه أو يسعون للمال إنما يصيبهم إنهم حصلوا على ذلك المال والجاه فقط، وكل هذا لا يساوي شيئا عند الله. فما بالك نهدم هذا الصرح، صرح العلم، بهذه النية الدنيئة؟ فالواجب أن يصحح الإنسان نيته لطلب العلم. وهذا هو قوله رحمه الله: «بخلت بذل حظ الخسيس دناءة، وجدت بدار الخلد لو كنت تفهم». يعني: الشيء الحقير الذي لا ينبغي أن يلتفت له. «وجدت بدار الخلد لو كنت تفهم» يعني: قلبت الأمور وعكستها. كان الواجب أن يكون في هذا البخل وبهذا البذل. قال: ثم قال رحمه الله: «وبعت نعيما لن يقضى له، ولا نظير، ببخص عن قليل سيعدم». قوله: «وبعت نعيما لن يقضى له» أي: نعيم الجنة؛ فإنه لن يقضى له ولا نظير؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». فمن باع النعيم الذي لا نهاية له -وهذا قوله: «نعيما لن يقضى له ولا مماثل له»- وهذا قوله: «ولا نظير» أي: كذلك له، ببخص عن قليل سيعدم. والبخص هو ما كان يجري خلفه ويطمع به، وباع آخرته بدنياه لأجله من الجاه والدراهم كما تقدم، وما كان بمعناها مما يطمع به الناس بهذه الدنيا، فيبيعون الآخرة ويشترون بالآخرة الدنيا. والمطلوب هو أن يشتري الإنسان الآخرة ببدل الدنيا للعكس. فأمثال هؤلاء عن قليل سيعدم، يعني: سيفتقد لا محالة ما كان بيده من ذاك البخص، أي: الجاه الذي طمع فيه وطالما جرى خلفه، والدراهم التي حرص عليها وطالما ضيع دينه لأجلها. فعم قليل سيعدم ذاك، فماذا يبقى؟ يبقى ما كان ينتظره وما غفل عنه وزهد فيه. قال: ثم قال رحمه الله: «فهلا عكست الأمر إن كنت حازما، ولكن أضعت الحزم لو كنت تعلم». قال: قوله: «فهلا» للتحضيض، والمعنى أن المؤلف رحمه الله يحضنا على أن نعكس الأمر، وذلك بأن نجود بشيء لا يضرنا بذله، ونبخل بشيء مثله لا يقوم، بل نعض عليه بالنواجد، ونبيع الشيء الخسيس الدني بالشيء الذي لا نظير له ولا نفاد. فإذا يشير شيخنا رحمه الله إلى أن الناظم رحمه الله يطلب في هذه الموعظة أن يعتبر الإنسان فيأخذ بما ينبغي أن يؤخذ به، وهو عكس فعل هؤلاء الذين بدلوا الدنيا بدلوا الآخرة في طلب الدنيا، والمطلوب العكس، وهو بذل الدنيا في طلب الآخرة. فيصبر الإنسان على ما يصيبه في الدنيا ما دام في طاعة الله ومرضاته، ولو فاته ما فاته من الدنيا، فخلفه ما أعد الله للمتقين والصابرين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالحازم هذا الذي ينبغي أن يصنع، وهو الذي ينتفع بمثل هذه المواعظ. وكل هذا شحذ من المؤلف رحمه الله للهمم لأجل أن يدفع المحبين إلى ما ينبغي أن يندفع إليه من طريق الصدق والإخلاص واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بما يكون به الظفر في ذلك اليوم العظيم. قال: ثم قال رحمه الله: «وتهدم ما تبني بكفك جاهدا، فأنت مدى الأيام تبني وتهدم». قال: وهذا صحيح؛ فإن حال من أضاع نفسه كحال من يبني ويهدم. والبناء هنا ليس هو البناء الحسي، ولكنه البناء المعنوي. فتجد: يعمل طاعة ويعمل معصية، يعمل ظلما ويعمل عدلا، يعمل صلاحا ويعمل فسادا، وهكذا، فهو يبني ما يهدم ويهدم ما يبني. ومعنى هذا أن هذا الذي فعل ما سبق ذكره من الفعل المذموم، فعلى عكس المطلوب، فهو هدم ما كان يبنيه. فطالما بنى بطلبه للعلم وتحصيله إياه شيئا عظيما كاد أن يستوفي البناء نهايته، لو أنه أتبع هذا العلم بعد ذاك الجهد في تحصيله بالعمل الصالح، لكنه هدمه، هدم ذاك البناء، بأنه لم ينتفع بهذا العلم الذي تعب في تحصيله، بل جعله طريقا للتعيش بالدنيا، فبذل ذاك العلم للوصول إلى الدنيا، فباع آخرته بدنياه. وهذا هو قوله: «وتهدم ما تبني بكفك جاهدا، فأنت مدى الأيام تبني وتهدم». ومعناه: أنت بطول حياتك تبني، تتعب في تحصيل العلم وجمعه، وفي النهاية تهدم هذا الذي تبنيه. وربما كان لك مجالس علم وتعليم. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء، وأن يصلح لنا أعمالنا ونياتنا. فربما يكون الإنسان حاملا للعلم ومجتهدا في تحصيله وتعليمه وبدله، ولكنه لا يعمل به. نسأل الله السلامة والعافية. فيكون حاله كحال من يبني ويهدم، يبني ويهدم؛ لأنه بعدم عمله بالعلم يهدم ذاك البناء مما كان يبنيه. ولا يزال من أخذ العلم وإعطائه، وهو كحال ذاك الذي يضيء للناس وهو يحرق نفسه. وهذا مثل ثالث في حال حامل العلم إذا لم يعمل بعلمه، فهو مثله كمثل من أضاء لغيره وأحرق نفسه، ومثله كمثل من غرس غرسا فانتفع به غيره ولم يكن له إلا التعب والنصب، ومثله كمثل من يبني بناء ثم ينتهي بهدمه، ولا يزال يبني ويهدم. وأراد بهذه الأمثلة الثلاثة ضرب العظة والعبرة بما لا ينبغي للإنسان أن يقع في مثله. ونقف عند هذا الحد، ونكمل ما تبقى في الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.