الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الإمام الآجري صفة مناظرة العالم العاقل الذي يفقه دينه، ويحذر من الجدال المذموم. يشير إلى أن الحاجة إلى العلم لا تعني الدخول في المناظرة.
المناظرة غالبًا ما تؤدي إلى الشحناء والبغضاء، وقد ذمها الكثير من أهل العلم لما فيها من مفاسد مثل التعصب للباطل والعداوة للحق.
يُناقش تحريم الجدال والمراء في الإسلام، ويُوضح أن تركه يبني بيتًا في الجنة، بينما يؤدي الجدال إلى الخصومات والبغضاء والتفرق بين الناس.
التفرق يورث الوحشة بعد الألفة، والمراء سبب في حصول التفرق بين الناس، ويجب الحذر من المراء لتجنب التفرق.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «أخلاق العلماء» للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني عشر، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتاب «أخلاق العلماء»: قال: ذكر صفة مناظرة هذا العالم إذا احتاج إلى المناظرة. قال محمد بن الحسين -وهو الآجري رحمه الله- وتقدم معنا أنه تارة يذكر العالم اسمه ليوضح انتساب الكتاب لنفسه، لكن يذكر الاسم ولا يقول: قلت أو نحو ذلك؛ لما سبق أنهم يكرهون مثل ذاك اللفظ، ويكتفون بذكر الاسم. وتارة يكون من الرواة عن المؤلف. قال رحمه الله: قال محمد بن الحسين: اعلموا -رحمكم الله-، فقنا الله وإياكم للرشاد، أن من صفة هذا العالم العاقل الذي فقهه الله في الدين ونفعه بالعلم، ألا يجادل ولا يماري، ولا يغلب بالعلم إلا من يستحق أن يغلبه بالعلم الشافي. وذلك يحتاج في وقت من الأوقات لمناظرة أحد من أهل الزلل؛ ليدفع بباطلهم حق من خالف الحق وخرج عن جماعة المسلمين، وتكون غلبته لأهل الزلل تعود بركته على المسلمين، على جهة الاضطرار إلى المناظرة لا على الاختيار؛ لأن من صفة العالم العاقل ألا يجالس أهل الأهواء ولا يجادلهم. فأما في العلم والفقه وسائر الأحكام -وفي نسخة: فأما في العلم والفقه من سائر الأحكام- وهذا لعله أفضل. ويشير رحمه الله هنا -وقد ابتدأ بالدعاء- وهذه طريقة كثير من أهل العلم؛ لما في ذلك من قبول العلم والتواضع للمخاطب من قبول العلم والفقه. وقد كان المرء لين الجانب، مظهرًا لحسن السريرة، كان ذلك أدعى لقبول الحق. والدعاء للغير مما يظهر ذلك. وأشار رحمه الله هنا إلى أن الأصل أن لا يخوض العالم في هذا الباب -يعني لا يدخل في مناظرة الآخرين- إلا أن يغلب أو يضطر إلى ذلك -يعني يدفع- فلا يجد بدًا من المناظرة فيدخل فيه. وإذا وقع في المناظرة فلا يدخل في الجدال المذموم الذي تقدم وصفه، ولا المماراة التي تقدم وصفها. قال رحمه الله: فإن قال قائل: فإن احتاج إلى علم مسألة قد أشكل عليه معرفتها لاختلاف العلماء فيها، فلابد له من أن يجالس العلماء ويناظرهم حتى يعرف القول فيها على صحته. وإن لم يناظر لم تقوَ معرفته. قيل له: بل هذه الحجة يدخل العدو على النفس المتبع للهوى، فتقول: إن لم تناظر وتجادل لم تفقه. فتجعل هذا سببًا للجدل والمراء المنهي عنه، الذي يخاف منه سوء عاقبته، الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وحذّر منه العلماء من أئمة المسلمين. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ترك المراء وهو صادق بنى الله له بيتًا في وسط الجنة». والمعنى: أنه يترك الأصل هو يترك باب المناظرة، ولا يجعل هذه الشبهة حجة لفتح باب المناظرة. فمن أشكل عليه شيء من أبواب العلم لوقوع الخلاف فيها، وممكن أن يبحث، وكذلك يجالس من هو أعلم منه فيستفيد منه بالسؤال. وإن كانت عنده إشكالات فيقول -وهو يسأل سؤال من يطلب العلم لا من يجادل ويناظر-: ماذا تقولون -حفظكم الله- فيما أورده بعض أهل العلم في كذا وكذا؟ كيف نزيل هذا الإشكال؟ وهكذا يسأل سؤال من يريد العلم. أما إذا دخل في المناظرة فهو في أحد أحوال ثلاثة: إما أن يناظر من هو مثله، والغالب من كان هذا حاله يخرجون بوحشة في القلوب على أقل الأحوال، إن لم يكن شحناء وبغضاء وتنافر وغير ذلك مما يوقعه الشيطان في مثل هذه المناظرة؛ لأنهم كانوا من قبل يجلسون مجلسًا، فيأتي مثلًا المبتدع والحاضر بمسألة معينة، ويجتمع طلاب هذا وطلاب هذا، ويقولون: اليوم عندنا مناظرة بين الشيخ فلان وشيخ فلان في المسألة الفلانية. فيبدأون يوردون الأدلة، وكل واحد يحاول يغلب الآخر وينتصر للقول الذي يقول به. فلا شك أن مثل هذا -وإن كان قد يستفيد مما يورده الطرف الآخر- لكنه في الحقيقة يوقع نفسه وغيره في الشحناء والبغضاء والتنافر والتعصب. ولهذا يصير المجلس مجلس مغالبة أكثر ما يكون من أن يكون مجلس علم فائدة. ولهذا ذم مثل هذه المناظرات الكثير من أهل العلم، بل بعض أهل العلم ذم هذه المناظرات حتى ولو كانت مع أهل البدع والأهواء؛ لأن الإنسان يعرض السنة إلى الغلبة؛ لأن الرجل قد يغلب بسبب ضعف حجته، وقد يغلب الغالب بسبب لحن حجته، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض» -يعني عنده فصاحة وبيان وعنده أسلوب- ولكن الحق ليس معه، فلا يعني ذلك أن السنة هُزمت. وهكذا أيضًا مع أهل الكفر، المناظرة مع أهل الكفر كذلك، وربما تورث التعصب للباطل والعداوة للحق، وغير ذلك من الخصومات. بل كما ذكر أهل التاريخ أنه حصلت في بعض المناظرات مقاتلة حين لا يرضى الطرف المغلوب بالنتيجة، وغير ذلك من المفاسد الأخرى. والوجه الثاني: أنه قد تكون المناظرة مع من هو أعلم، يناظر الطالب شيخه أو من هو في طبقة مشايخه. حتى ولو قال: أنا أريد الفائدة واستفيد من هذا الشيخ، فإرادة المسألة على وجه المناظرة يحرم الطالب الفائدة؛ لأن الشيخ إذا جاءه الطالب على وجه المناظرة لم يعطه كل ما عنده، وإنما أجابه بحسب ما يدفع عن نفسه السؤال والإحراج. ولذلك يتخلص منه ولا يفيده، وغير ذلك مما يتبع هذا من الشحناء والبغضاء وحرمان العلم مما تثمره هذه المناظرات. وأما الوجه الثالث: أن يناظر من هو دونه. فإن ناظر من هو دونه ابتلي بالعجب والغرور؛ لأنه في الغالب سيغلب هو. فإن غلب فسيرى نفسه فوق الناس، مع ما لا يخفى من الشحناء والبغضاء وغير ذلك مما يورثه مثل هذا المجلس. ولهذا ولغيره ذم العلماء المناظرة على هذا الوجه، كما أشار رحمه الله. بل ولهذا جاء النهي عن الجدال والمراء؛ لأنه لا يثمر خيرًا وإنما يثمر شرًا كثيرًا. فأثنى على من تركه ولو كان صادقًا. فلذلك العاقل إذا جاءه من يسأل بطريق المناظرة -يعني يسأل ليس سؤال من يريد الفائدة وإنما سؤال من يريد الجدال والمناظرة- وهذا يحصل أحيانًا، يأتي إلى مجلس العالم -سواء طالب علم أو عالم مثله- لا يعرف أنه عنده علم، فيسأل سؤال من يريد أن يناظر، يبدأ يسأل سؤال: ما تقولون في هذه المسألة؟ يبدأ يقول: الراجح كذا وكذا لدليل كذا وكذا، ويظن أن الأمر انتهى. فإذا به يأتي بسؤال آخر: وكيف نجيب على هذا؟ وهكذا وهكذا يبدأ الجدال. فإذا رأى العالم مثل هذا فينبغي أن يقطع مثل هذا الجدال. وعلى هذا يحمل هذا الحديث: «من ترك المراء وهو صادق» وفي رواية: «وهو محق بنى الله له بيتًا في وسط الجنة» -يعني ترك الجدال وهو صاحب حق- لماذا؟ لأنه يسد باب الخصومات وباب الشحناء والبغضاء والفرقة التي قد يثمرها الشيطان. كما قال رحمه الله: فإنه سبب للجدل والمراء المنهي عنه، الذي يخاف منه سوء العاقبة. وما هي سوء العاقبة؟ أشياء كثيرة: عداوة وبغضاء واتباع للهوى وعجب وغرور، وتعالي على الخلق، وفرقة وخصومة وتعصب، وغير ذلك من المفاسد والمساوئ الكثيرة. ولهذا جاء ذم الجدال كما سيأتي معنا إن شاء الله في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». قال رحمه الله تعالى: وعن مسلم بن يسار أنه كان يقول: «إياكم والمراء؛ فإنه ساعة جهل العالم، وبها يبدو الشيطان زلته». وهذا معناه: أن العالم ولو كان عنده علم قد يدفعه أحيانًا الشيطان فيوقعه في المراء. وروي عن الحسن قال: «ما رأينا فقيهًا يماري» -يعني الذي صدق في تفقهه-. قال: وعن الحسن أيضًا -هو الحسن البصري-: «المؤمن يداري ولا يماري، ينشر حكمة الله، فإن قبلت حمد الله، وإن ردت حمد الله». هذا هو المؤمن يداري ولا يماري. إن جاء سائل فسأل بطريقة سفيه، فلا تشتط غضبًا فتماريه. ولهذا جاء في الحديث: «ليماري به السفهاء فيحرم الجنة». بهذا الخلق إذا وقع خطأ من السائل، فيدار هذا السائل. المؤمن يداري ولا يماري. والمداراة: أنك تدفع شره بغير تنازل عن الحق. عندنا مداراة ومماراة ومداهنة. المداهنة: أنك تتنازل عن الحق. تتنازل عن الحق، يأتيك إنسان -لأنك محتاج إليه أو لسبب أو لآخر- يقول قولًا باطلًا، فتأتي وتقول: صدقت قولك، قد قال به بعض أهل العلم، والقول الذي قلت به قال به بعض أهل العلم، وربما أكون أخطأت، وكلامك أصح مني. أنت بهذا تضلل للناس إذا كان قال قولًا باطلًا. فأنت لا تداهنه، لا تداهنه، أو تقول: أنا تراجعت -وأنت تعرف أنك مصيب وهو مخطئ- فهذه مداهنة، تنازلت عن الحق لسبب دنيوي. والمماراة -كما تقدم-: أن تشتط غضبًا، فيظهر ما عنده -لا لله- ولكن ليتعالى على الآخر أو ليظهر نفسه أمام الناس. وأما المدارة: فهو أن تدفع هذا المبطل أو ما عنده من باطل أو ما عنده من سفه بحكمة؛ لتطفئ الفتنة. فأنت بين هذه الأخلاق الثلاثة. ولا شك أن المدارة هو الحل. قال رحمه الله: وروي عن معاذ بن جبل أنه قال: «إذا أحببت أخًا فلا تماره، ولا تشاره، ولا تمازحه». ومعنى لا تماره: ما تقدم. ولا تشاره -يعني مأخوذ من الشرح- يعني التوسع كما أن للأكل شرح، فكذلك للعلم شرح، فترك التوسع فيه على وجه يكون فيه العجب والغرور أو التعالي ونحوه. ولا تمازح -يعني مزاحًا مذمومًا- فالتوسع في المزاح سبب للخصومة، يتوسع في المزاح فيبدأوا يدخلون في تنابز بالألقاب وذكر المعايب ونحو ذلك، وهذا خطأ. قال محمد بن الحسين: وعند الحكماء أن المراء أكثره يغير قلوب الإخوان، ويورث التفرق بعد الألفة، والوحش بعد الأنس. وصدق رحمه الله، المراء يغير القلوب. فإذا غير قلوب الإخوان -يعني من هم من جلسائك وأحبائك- فكيف بغيرهم؟ ويورث التفرق بعد الألفة، والوحش بعد الأنس. وكم من تفرق حصل بسبب المراء؟ طيب نقف إلى هنا إن شاء الله.