المحاضرة بعنوان وقفات مع حديث لا عدوى ولا طيرة، وكانت بمسجد السنة بالمكلا 12 صفر 1433هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الحديث النبوي 'لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر' ويبين معنى نفي العدوى وأهمية التوكل على الله. يؤكد على أن الاعتماد على الله هو الأساس في تفادي الأمراض والابتلاءات.
يناقش مفهوم الطيرة والتشاؤم في الإسلام، ويبين أن النبي نفى وجود الطيرة وأوضح أن التشاؤم هو من عقيدة أهل الجاهلية. يؤكد على أهمية التوكل على الله في دفع هذه الأوهام.
يناقش اعتقاد بعض الناس بوجود أوهام وخيالات مثل المسرج، ويبين أن هذه من الخيالات التي لا ينبغي أن تقوم عليها عقيدة. يشدد على أهمية التوكل على الله والاعتماد عليه سبحانه وتعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا نحمد الله جل وعلا الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. أيها الأحبة، إن نعمة العلم ونعمة التوفيق للعمل به من أعظم نعم الله جل وعلا، ولذلك كان مجلس العلم ومذاكرته من المجالس المباركة الطيبة التي يصل بها العبد إلى ما فيه الخير له في دنيا وفي أخرى. فلنحمد الله جل وعلا أيها الأحبة إذ وفقنا الله عز وجل لهذا المجلس من مجالس العلم، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع الذي يعيننا على العمل الصالح، فإن ذلك مما لا يوفق له إلا من وفقهم الله جل وعلا. إذ العلم يا عبد الله مفتاح كل خير لهذا الإنسان في هذه الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة، فقد أرسل الله عز وجل رسله وأنزل كتبه بهذا العلم الذي به يضاء لهذا الإنسان طريقة فيميز بين النافع والضار وبين طريق العجاج من طريق الاستقامة وبين طريق الهدى من طريق الظلالة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ونحن هذه الليلة في مجلس من مجالس العلم نتذاكر ما ينفعنا من العلم، وقد اختار إخواننا حفظهم الله تعالى أن يكون موضوع هذه الليلة في حديث عظيم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». وجاء في رواية للإمام مسلم أنه زاد عليه الصلاة والسلام فقال: «ولا نؤوم» من حديث أبي هريرة، وجاء في مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه زاد: «ولا نؤوم ولا غول»، وهكذا جاء معناه من حديث بن عمر وجماعة من الصحابة. هذا الحديث العظيم أيها الأحبة حديث يتناول مسائل عظيمة جليلة من مسائل العلم والإيمان، من مسائل التوحيد والعقيدة التي لا يستغني عنها مسلم. وهل العلم أنزل إلا ليتعلم؟ وهل العلم أرسل به الرسل إلا ليعمل به؟ وهذا موضع من مواضع العلم تناول مسائل عظيمة وجليلة من مسائل التوحيد والعقيدة، من مسائل العلم والإيمان. ويناسب في مثل هذه الأيام وهذا الشهر، شهر صفر، أن نقف مع هذا الحديث، وقد تناول هذا الحديث كما سمعنا مسائل مهمة عظيمة، فنقف وقفات مع أهم مسائل هذا الحديث. أولها في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى»، نفى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث وجود العدوى، قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى: والنفي أبلغ من النهي، والنفي أبلغ من النهي لأنه يتضمن النهي وزيادة. فنفي النبي صلى الله عليه وسلم للعدوى يتضمن النهي عنه عن اعتقاده، والمراد به هاهنا العدوى على ما كان يعتقده أهل الجاهلية، إذ كانوا يعتقدون أن الشيء يعدي بأصله دون إرادة الله جل وعلا ومشيئته، والأمر ليس كذلك. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليقرر ويجلي ويوضح هذا المعنى، أنه ليس شيء يعدي بأصله على ما كان يعتقده أهل الجاهلية، فنفى وجود العدوى فضلا عن أنه يعتقدها إنسان فينهاه عن ذلك. فإذا كان الشيء غير موجود فلا حاجة أن تنهى عنه، لأنه في الحقيقة تعلق بشيء لا وجود له، فلذلك كان النفي أبلغ من النهي. ويوضح هذا ما جاء في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يعدي شيء شيئا»، كررها ثلاثا عليه الصلاة والسلام. فقام رجل فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم الإبل وما يصيبها من الجرب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أجرب الأول؟». فكأنه قال له: كما أن الأول أصابه الجرب من غير سبب ظاهر، فالله جل وعلا قادر على أن لا يجرب الثاني، وإن كان قد وجد سبب الجرب، إذن الأمر أولا وآخرا لله جل وعلا. ولا يستلزم إذا وجد الجرب أن يتم العدوى، كما لا يستلزم إذا لم يوجد الجرب أن لا يكون الجرب، فكما أن الجرب يوجد مع عدم وجوده، فكذلك هو سبحانه وتعالى قادر على أن لا يجرب الثاني، مع وجود الجرب في الأول، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. أراد أن ينفي عقيدة فاسدة كان قد تبناها أهل الجاهلية، وهي أن الشيء يعدي بأصله، فعند ذلك يرون أن الجرب إذا وقع في موضع فلا محالة أن يصيب الجميع، فيسيئون الظن بالله جل وعلا، ويتعجلون الثمار والعواقب. فربما قتلوا جميع الإبل، وربما كذلك أساءوا الظن بالله جل وعلا، فدعوا على أنفسهم وأموالهم، وفعلوا وفعلوا، وكل ذلك قليل من كثير مما إن بنا على هذه العقيدة الفاسدة. وننتبه هنا أنه لا ينافي هذا النفي والنهي عن وجود العدوى، الأخذ بأسباب السلامة والحيطة من مواضع ما قد يكون سببا لدخول المرض. لأن بعض الأمراض قد يحصل منها العدوى، ولكن لا يعني ذلك أنه يقع بغير إرادة الله ومشيئته، بل نعلق ذلك بإرادة الله جل وعلا ومشيئته، وأنه قد يكون سببا، ولكن الاعتماد ليس على السبب، بل على مسبب الأسباب، وهو الله سبحانه وتعالى. ولذلك من نور في الأدلة الشرعية، رأى ما تصح به عقيدة هذا الإنسان، ويصح له به بدنه وصحته، لأن هذا الدين جاء لإصلاح الظاهر والباطن، وإصلاح العقائد والأبدان، وإصلاح أمراض القلوب وأمراض الأجساد، لأنه منزل من عند الله عز وجل العليم الحكيم الذي خلق الخلق وعلم ما يصلحهم. وهو القائل جل وعلا: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ثبت بصحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يوردن ممرض على مصح»، أي لا يدخل مريض على صحيح، ومن باب أولى أن لا يدخل الصحيح على المريض من غير حاجة. وهذا وجه العلماء على المعنى المتقدم، أن يجتنب المسلم ما قد يكون سببا في انتقال المرض، خصوصا في الأمراض التي ثبت بالتجربة أنه قد يحصل الانتقال بها. وثبت في صحيح البخاري معلقا، وفي المستخرج موصولا بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، وهذا محمول على ما تقدم من الأخذ بالأسباب، أسباب الحيطة. ولا ينافيه ما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة»، لأن معنى أن الإنسان يجتنب أسباب الداء، ولا يعني ذلك أن يكون رعديدا جبانا كما عليه حال أهل الجاهلية قديما وحديثا. فأهل الجاهلية بسبب اضطراب عقيدتهم في هذا الباب، اضطربت تصرفاتهم واختلفت مناهجهم، أما أهل الإسلام بالعلم الذي أنزله الله، صارت لهم مواقف ثابتة، فهم مع أخذهم بالأسباب لا يكون الواحد منهم رعديدا. وعلى هذا يحمى المروءة في هذا الباب من أدلة فيها أخذ الحيطة، وأدلة أخرى فيها مباشرة هذه الأسباب مع التوكل على الله جل وعلا، وذلك حتى لا يكون المؤمن رعديدا جبانا يترك الأسباب الشرعية لما ليس بسبب حقيقة، وإنما لوهم من الأوهام. حتى صار بعض الناس ربما يترك ما عليه من واجب فرارا من مثل هذا المعنى الذي هو من عقيدة أهل الجاهلية، فيظن أن الشيء يعدي بأصله وذاته، فعند ذلك ربما يسقط ويتخلف عن بعض الواجبات التي أوجبها الله عز وجل عليه. فمثلا لو أن إنسانا أصيب له قريب كأب أو أم أو ابن بأحد الأمراض المعدية، سرعان ما تجد أمثال هؤلاء الذين ضعف توكلهم على الله وقل علمهم بدين الله، من يرمي أمثال هؤلاء الأقرباء في المحاجر الصحية. يرميه في المحجر الصحي يخاف على نفسه وعلى أهل بيته، بحجة: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، وهذا كثير عند الكافرين وعند من يتأثر بهم من جهلة المسلمين. حتى وقعوا في هذا المعنى من قلة المروءة، فضلا عن قلة الدين والعلم والبر بهذا القريب. فلو سأل نفسه هذا الذي يخدمه في المحجر الصحي: أليس هو إنسان وهو كذلك إنسان؟ فلماذا يكون ذاك البعيد أولى منك بقريبك؟ وأنت الذي تعلق بك هذا الواجب وهذا الحق قد ابتعدت وتخليت عما أوجبه الله عز وجل عليك من القيام بالحق مع هذا القريب. فإن كان ذلك الرجل الذي في المحجر الصحي يأخذ أسباب حيطة، فأنت تستطيع أن تأخذ بأسباب الحيطة وأنت تؤدي ما أوجب الله عز وجل عليك. والمقصود ها هنا أن ديننا يدعونا أن نأخذ بما فيه السلام في ديننا ودنيانا، وما فيه أداء الحقوق وكذلك القيام بالواجبات بالضوابط الشرعية، لا إفراط ولا تفريط. وهذا كذلك لا يخفى ما في هذا الدين من اتباع أعلى المصلحتين وجرأ أشد المفسدتين، فكل هذا مما جاء به ديننا، ولكن الكثير من الناس بسبب فرض جهله، صار في معزل وفي بعد عن مثل هذا العلم، فضلا عن العمل. ولذلك عباد الله، يحتاج المسلم بين الحين والآخر أن يقف على كلام أهل العلم، وأن يسأل أهل العلم عما يجب عليه في أحواله وفيما يمر به في حياته. فإن الكثير مما يمر بنا يحتاج أن يستوقف مع هذا العلم، فيعرض عليه ويوزن بهذا الميزان الذي أنزله الله جل وعلا من فوق سبع سماوات. وأما المسألة الثانية في قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا طيرة»، فنفى النبي صلى الله عليه وسلم وجود الطيرة، وكما تقدم من كلام الإمام بن القيم رحمه الله في معناه: أن النفي أبلغ من النهي. فكونه عليه الصلاة والسلام ينفي وجود الطيرة، فهو أبلغ من نهيه عنها، كأنه يقول عليه الصلاة والسلام: لا وجود للطيرة، فكيف تعتقدونها وكيف تخافون منها؟ فهو شيء غير موجود. ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذلكم شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم»، يعني إنما هي أوهام، إنما هي أوهام قد ترد على بعض النفوس، لا وجود لها في الحقيقة والواقع. وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك»، كررها ثلاثا عليه الصلاة والسلام، والحديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وفي آخره أن ابن مسعود قال: وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل، ومعناه: وما منا من أحد إلا وقد يرد على نفسه من الشيطان ما قد يكون فيه معنى التطير، وإن لم يكن التطير، ولكن الله يذهب هذا الذي يرد على النفس بالتوكل. فالتوكل يذهب هذا التطير، والتطير عرفه العلماء بأنه التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم، وعرفه بعضهم بأحسن منه فقال: هو التعلق بوقوع الخير والشر في كل مسموع أو مرئي أو معلوم. ومعنى أن الخير والشر كله بأمر الله وبيد الله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. فالخير والشر كله لله جل وعلا وحده، فلذلك فأنت تطلب الخير منه وتطلب دفع الشر منه، فهو سبحانه وتعالى الذي على كل شيء قدير. فإذا كان كذلك، فلا تتعلق بمسموعات أو مرئيات أو معلومات تتعلق بها، فتظن أنها تجلب خيرا أو تدفع شرا أو العكس تجلب شرا وتدفع خيرا، والله جل وعلا لم يجعلها كذلك. وإنما كان هذا من عقيدة أهل الجاهلية لفرط جهلهم ولكثرة شركهم ولبعدهم عن العلم الذي به تصح العقائد، صاروا في تلك الجاهليات. فكان أهل الجاهلية يتشاءمون بمسموعات ومرئيات ومعلومات، فربما بعضهم إذا سمع صوت بعض الحيوانات طائرة كانت أو من الدواب الماشية تشاؤم منها، كتشاؤمهم من نباح الكلاب أو من صوت البوم أو من نعيق الغراب أو غير ذلك. وهكذا من حركة الطيور، ومنه سمي التطير تطيرا، فإذا طار يمنة جعلوا أن ذلك علامة الخير والبركة، وإذا طار يسرة وشمالا جعلوا أن ذلك علامة الشؤم والشر، وكل هذا إنما هو من الأوهام، إذ لم يجعل الله عز وجل حركة الطيور سببا في الخير ولا في الشر. ولم يجعل الله عز وجل حركة الطيور أسبابا لكشف شيء من الغيب فيه خير أو شر. وها هنا تنبيه مهم، وهو أننا كما ننفي تعلق الشر بهذه المرئيات، فكذلك ننفي تعليق الخير بهذه المرئيات، فليس عند هذه الطيور ولا الحيوانات شيء من الخير أو الشر. ومن ذلك وللأسف ما قد بقي بعض معناه عند بعض المسلمين، ربما بعضهم اليوم إذا جاءه أعمى في أول النهار أو أعرج يريد أن يشتري منه رفض أن يبيع له تشاؤما أن يكون بيعه في هذا اليوم بيعا فيه شر لوجود هذا العيب في هذا المشتري، وهذا باطل. إنما هو بعض ما بقي من آثار اعتقاد أهل الجاهلية، وهكذا كذلك تشاؤمهم من بعض المسموعات كما سمعنا، كانوا يتشاؤمون برؤية بعض الأشياء، وهكذا كذلك بأصوات بعض الأشياء. فيتشاؤمون من صوت الكلاب، فإذا سمعوا بها عند بيت أحدهم قالوا: هذه تنعي لنا أحدا قريبا يموت، كان هذا من اعتقاد أهل الجاهلية، وللأسف صار بعضه موجودا إلى يومنا هذا. وهكذا صوت البوم إذا سمعها المسافر في سفره أو حطت على ظهر بيت أحدهم تشاؤم من ذلك تشاؤما عظيما، ولا يزال بعضه إلى يومنا هذا يتشاؤمون من صوت بعض الطيور أو بعض الدواب، وهو من اعتقاد أهل الجاهلية. وكل ذلك من الباطل والأوهام التي لا وجود لها في الحقيقة ولا في الواقع، وهكذا التشاؤم ببعض المعلومات، كان أهل الجاهلية يتشاؤمون من شهر صفر، كانوا يتشاؤمون من شهر صفر. حتى قيل: لم يسمى صفر صفرا إلا أن البيوت تصفر من أهلها، تخلى من أهلها من شدة تشاؤمهم من هذا الشهر، فكانوا لا يعقدون فيه نكاحا ولا سفرا ولا شيئا خشية أن يكون سبب شؤم وشر عليهم. وجاء الإسلام لينفي هذه العقيدة الفاسدة التي قامت على الوهم وعلى الخيال، إذ لا وجود لذلك في الواقع ولا في الحس. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم وجود الطيرة ووجود الهامة والصفر، أي الاعتقاد بشهر صفر كما كان يعتقد أهل الجاهلية أنه شهر مشؤوم. فإن ذلك من اعتقاد أهل الجاهلية الفاسد، وفسر: «ولا صفر» أي: ولا اعتقاد في داء الصفار، فكان أهل الجاهلية يعتقدون أن من أصيب بهذا الداء فالموت له لا محالة. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأراد أن يبين للناس أن الله جل وعلا قادر على أن يبرئ من أصيب بهذا الداء، وهو على كل شيء قدير. فليس هناك شيء يكون منه الموت لا محالة كاعتقاد أهل الجاهلية في هذا الداء، وهذا من تشاؤمهم بهذا المعلوم. ومن ذلك كذلك تشاؤم بعض الناس من بعض الألوان أو الأرقام أو الأيام، فيتشاؤم بعض الناس من يوم الأربعاء، حتى صار يعير بعض الناس بذلك ويخوف ويخوف به، وصارت عقيدة حقيقية عند بعض الناس في المسلمين. وللأسف لا يمكن أن يعقد شيئا في يوم الأربعاء، لو قيل لأحدهم: إن شاء الله نجعل الزواج يوم الأربعاء، يقول: أبدا مستحيل لا يمكن، لماذا؟ قال: لا إلا يوم الأربعاء، اجعلوا في أي يوم إلا يوم الأربعاء، تشاؤما من هذا اليوم كما كان أهل الجاهلية يتشاؤمون من بعض الأشهر والأيام. كانوا يتشاؤمون من شهر صفر ويتشاؤمون من شهر شوال، فخالف النبي صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية، فتزوج عائشة في شوال ودخل بها في شوال مخالفة لأهل الجاهلية. قالت عائشة رضي الله عنها: فمن أحضر النساء مني برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه أنها كانت زواجا مباركا فيه الخير واليمن، وقد كانت في شوال على خلاف ما كان يعتقده أهل الجاهلية. وهكذا كذلك ينبغي للمؤمن أن لا يفرق في هذه الأيام، فلا اعتقاد في يوم من الأيام أنه سبب نحس أو سبب شر. وها هنا تنبيه لبعض ما يرويه الجهال من الأحاديث المكذوبة والموضوعة التي يرويها أهل الجهل في مثل هذه المعاني الجاهلية. فمن ذلك ما نبه عليه العلماء في كتب الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذبا من: «من بشرني بخروج صفر بشرته بالجنة»، وهو حديث مكذوب موضوع لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن تلك الأحاديث المكذوبة الموضوعة حديث يروى كذبا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «آخر أربعاء في صفر يوم نحس مستمر»، وهو حديث مكذوب موضوع لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد نبه العلماء العارفون بهذا العلم أن هذا من الأحاديث المكذوبة الموضوعة التي لا تصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكل من له معرفة بالعلم يعرف أن مثل هذا من الكذب الذي لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن التشاؤم بالمعلوم التشاؤم ببعض الأرقام، كتشاؤم بعض الناس من رقم ثلاثة عشر، والعجيب أننا نجد أثر هذا الاعتقاد قد بقي حتى مع بعض من ينتسب إلى العلم والحضارة. وأذكر أني زرت مستشفى من المستشفيات في أحد هذه الدول الكافرة، فلما صعدنا في المصعد وجدت في المصعد الدور الحادي عشر، الثاني عشر، الرابع عشر، لا يوجد الدور الثالث عشر. فسألت: قلت كيف ما في دور الثالث عشر؟ قالوا: لا، الناس تخاف من رقم ثلاثة عشر هنا، فلا يمكن أن يوجد دور ثلاثة عشر في المستشفى. فإذا وجد مثل هذا ما أحد يرضى أن يبقى فيه، لأنهم يخافون ويتشاءمون على مرضاهم، ولا يوجد غرفة رقم ثلاثة عشر، وهذا سبحان الله من العجائب في بلد تدعي الحضارة وتدعي العلم. وبالفعل يوجد أشياء تدل على ذلك، ولكن انظر إلى هذه الانتكاسة في هذا الباب، ألغوا دورا بأكمله لأجل هذه العقيدة الفاسدة، فلا يوجد عندهم دور رقم ثلاثة عشر. وفي بعض الفنادق أخبرني الإخوة أنه لا يمكن أن تجد غرفة رقم ثلاثة عشر، فإذا قلت لهم مثلا: أريد غرفة رقم ثلاثة عشر، ربما فتح عيونه إلى آخرها: ماذا تريد أنت؟ يعني تريد أن تدخل الشؤم على فندقه وعلى محله. فهم يخافون من هذا الرقم جدا، ولهذا نجد أن بعض مخططات الكفار تدبر في هذا الرقم موافقة مع هذا الاعتقاد، فقد تتبع بعض الباحثين بعض الجرائم التي وقعت فوجدوا أن الكفار يحرصون على إيقاعها في هذا التاريخ لأجل أن يوافق هذه العقيدة فينسبونها إلى شؤم ذلك اليوم، وهو في الحقيقة حدث مصطنع. أما أهل الإسلام فالأرقام عندهم كلها سواء، والأيام عندهم كلها سواء، والأشهر عندهم كلها سواء، لأنهم يعلمون أنها مخلوقة لله جل وعلا، فهم لا يقدمون ولا يحجمون إلا بأمر من الله وبعلم من الله. لعلمهم أن الخير فيما يختاره الله جل وعلا، ثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن رجلا كان معه فسمع صوت طائر فقال: خير خير، فقال: «لا خير ولا شر»، يعني هذه الطيور وأصواتها ليس فيها خير وليس فيها شر. بل هي مخلوقة من مخلوقات الله لم يجعلها الله أسبابا ولا علامات للخير ولا للشر، وثبت كذلك عن طاووس رحمه الله تعالى أنه أراد أن يسافر سفرا وكان في رفقته غلام يخدمه. فسمع صوت طائر فقال: خير خير، فقال: «لا تصحبني»، فلا حاجة لي في صحبتك، لأنه قال شيئا ينافي العقيدة. وثبت عن عمر بن العبد العزيز رحمه الله تعالى من طريق مزاحم قال: كنت مع عمر بن عبد العزيز ونحن خارجون من المدينة، فنظرت فإذا القمر في الدبران، وهو منزل من منازل القمر كان يتشاءم منه العرب. قال فقلت: يا أمير المؤمنين، انظر إلى القمر ما أحسنه في هذه الليلة، فنظر إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فقال: يا مزاحم، أردت أن تخبرني وتعلمني أن القمر الليلة في الدبران؟ اعلم يا مزاحم أننا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكننا نخرج بالله الواحد القهار. اعلم يا مزاحم أننا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكننا نخرج بالله الواحد القهار، هذه عقيدة أهل الإسلام، أهل التوحيد والإيمان، أنهم يخرجون بالله ويقفون بالله، وكل أقوالهم وأعمالهم وأفعالهم بالله. ليس بمثل هذه العقائد الفاسدة الكاسدة التي عليها عقائد أهل الجاهلية، ولهذا صار كذلك مما يدخل في معنى التشاؤم ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث في الطرق الأخرى التي أشير إليها، قال: «ولا نؤوم»، أي: ولا اعتقاد بالأنواء. فقد كان أهل الجاهلية دخلوا عليهم شيء من عقيدة الوثنيين، عباد الكواكب والنجوم، فكانوا يعتقدون في بعض الكواكب والنجوم وحركاتها ومنازلها الخير والشر. فلذلك لا ينشئون حدثا إلا بموجب ذلك العلم الذي ظنوه أنه علم، وليس الأمر كذلك، زعما منهم أن منازل هذه النجوم تدل على معاني من معاني الخير أو الشر أو تحدثها، وهو شيء باطل لا وجود له في الحقيقة. ولا هو كذلك مما جعله الله عز وجل علامة وسببا لذلك، ومن ذلك وللأسف ما بقي إلى يومنا هذا مما يسمى بالأبراج، ونحن في بلاد الإسلام. فلا تكاد تجد جريدة ولا مجلة، بل وبعض القنوات إلا وفيها ذكر الأبراج، فيقولون: من أي برج أنت؟ من برج العقرب أو من برج الأسد أو من برج كذا وكذا؟ ويبدأون الدخول في مثل هذا الباب الذي هو مبني على عقيدة أهل الجاهلية. وهذا قليل من كثير من تخبط الناس في عقائدهم بسبب جهلهم وتقليدهم وتقليدهم لغيرهم، وأخذهم العلم من غير مضانه الصحيحة. فعند ذلك يهرف الكثير بما لا يعرف، ويقع فيما يضر بعقيدته وإيمانه وهو يجهل ذلك. ولهذا كان علماؤنا وسلفنا يقولون: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم»، أيها الأحبة، إننا في حاجة ماسة لتعلم العلم الشرعي الذي به نعين أنفسنا وأهالينا ومجتمعاتنا لما فيه كمالنا واستقامتنا على دين الله جل وعلا، عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا وسلوكا. لأننا بغير العلم نتخبط في ظلمات الجهل وظلالات أهل الجاهلية، وما أكثر ما يدخل الشر على المسلم بسبب أحد هذين الأمرين، إما بسبب جهله أو بسبب سوء صحبته. وما أكثر وما أكثر وجودا مثل هذين المعنيين في مجتمعات المسلمين، فلذلك علينا أن نجتهد في تعلم العلم الشرعي، وأن نحرص على ملازمة مجالس العلم وسؤال أهل العلم في كل ما يمر بنا في حياتنا. لنقيم أنفسنا على الدين الحق الذي أحبه وأراده الله جل وعلا لخلقه. ومما يذكر تبعا لما سبق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا هامة»، أي: ولا اعتقاد بالهوام على ما كان يعتقده أهل الجاهلية، فكان أهل الجاهلية يعتقدون عقائد فاسدة. ومن ذلك أنهم يعتقدون أن هواما تضر الناس وتضلهم في أسفارهم وطرقاتهم، ومن ذلك ما يسمونه بالغول، وهي عقيدة فاسدة قائمة على الخيال وعلى الأوهام. فلو سألت أحدا من هؤلاء الذين يعتقدون في الغيلان: هل رأيت الغول أو تعرف شكله أو تذكر لنا وصفه؟ لما ذكر لك شيئا من ذلك. مع أن الكثير من العوام وللأسف لهم اعتقاد في الغيلان، ويظنون أن هناك من الهوام ما يضل الناس ويضرهم في أسفارهم يسمونه الغول. وتارة يقولون: هو شيطان، وتارة يذكرون لك دابة بجناحين وغير ذلك من الخيالات والأوهام. وربما ومعظمهم يذكر أحاديث في هذا الباب وهي لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هي من الأحاديث الضعيفة والموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك حديث: «إذا تغولت عليكم الغيلان فعليكم بالأذان»، وهو حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومنها الاعتقاد في البومة كما تقدم، وفي بعض الدواب في أصواتها وأشكالها وألوانها، وهكذا كذلك حتى في المنامات، بعض الناس يبني عقائد فاسدة فيما يراه الإنسان في منامه. فيجعل أن ما رآه في منامه إذا رأى دابة معينة أن ذلك علامة شؤم يصيبه في ذلكم اليوم، وهو من الباطل الذي ينبغي ألا يضر الإنسان، بل هو من الشيطان ومما قد يقذفه الشيطان. فلا يلتفت إليه كما جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم كما تقدم، قال: يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون، قال: «ذلكم شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم»، هي أمور نفسية وأوهام وخيالات قد يقذفها الشيطان. وقد تكون من بعض أثر أهل الجهل من شياطين الإنس لكثرة حكاياتهم وأخبارهم وقصصهم، يصير عند الناس مثل هذه الأوهام. فلا ينبغي أن تصد إنسانا لا في عمل يقدم عليه ولا في عمل يتركه، بل إقدامه وإحجامه ينبغي أن يكون بالله. ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك»، قالوا: فما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «كفارته أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك»، كفارة من وقع في نفسه شيء من ذلك. وكان قد ترك العمل من أجل هذه الطيرة أن يقول هذه الكلمة التي تقوي عقيدته وثقته بربه وتوكله على خالقه، فإن هذه الكلمة تحيي فيه عظيم التوكل وتزرع في قلبه الإيمان. ويصحح بأن لا يترك العمل من أجل هذه الطيرة، فلا تترك الأعمال من أجل هذه الطيرة، بل ينبغي أن يكون إقدامك وإحجامك بالله وحده سبحانه وتعالى. ومن ذلك ما يعتقده بعض العوام في بعض النواحي من بلادنا مما يدخل في هذا المعنى، وهو ما يسمونه بالمسرج، ربما يعرفه بعض الناس، يزعمون أنه يضل الناس في أسفارهم في الليل إذا مشوا في الصحاري أو في البلدان النائية. ربما بعضهم يقول: أنا ضللت الطريق رأيت مثل الضوء فتبعته فأضلني هذا المسرج، ويبدأ يسب ويلعن ونحو ذلك، وهي من الخيالات والأوهام. ربما يكون بعضهم قد أخطأ رأى نورا لسيارة عابرة أو غير ذلك، أو يكون بعضهم توهم، لكن لا ينبغي أن تقوم عقيدة وتنبني كذلك هذه المعاني الفاسدة التي هي من عقائد أهل الجاهلية. بل لا وجود لهذه الهوام، ينبغي أن يكون المؤمن قويا شجاعا عظيم الثقة بالله جل وعلا، عظيم التوكل عليه سبحانه وتعالى. ليس فقط ألا يعتمد على هذه الأوهام وهذه التي جعلها الناس أسبابا ولم يجعلها الله أسبابا لا للخير ولا للشر، بل المطلوب من المؤمن أن يكون أعظم درجة ومنزلة من هذا. وذلك أن يكون اعتماده على الله أعظم من اعتماده على الأسباب ولو كانت أسبابا حقيقية، فإنه لا يعتمد على الأسباب بل يعتمد على الله مسبب الأسباب. ولهذا قال العلماء: لا يتم التوكل إلا بثلاثة شروط، الشرط الأول: معرفة الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فمن عرف الله حق المعرفة عظمه، ومن عظمه عظم توكله عليه، والشرط الثاني: أن لا يعتمد على الأسباب ولكن يعتمد على الله مسبب الأسباب. ولذلك فالمؤمن الموحد المتوكل على الله حق توكله لا يبالي بإقبال الأسباب وإذبارها لعظيم توكله على خالقه. فهو يعلم أن الذي خلق هذه الأسباب وجعلها أسبابا قادر جل وعلا أن يؤتي بالشيء من غير أسبابه، انظروا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما ثبت في البخاري من حديث عبد الله بن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، قالها إبراهيم حين ألقي في النار. وقالها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم، فالمؤمن الموحد يقتدي بالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام لعظيم إيمانهم وقوي توكلهم على خالقهم. لم يبالوا بإقبال الأسباب وإذبارها، حين رمي إبراهيم في النار عليه الصلاة والسلام قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، لم يلتفت إلى هذا السبب بإق