استقبال رمضان حكم وأحكام

الخطبة بعنوان استقبال رمضان حكم وأحكام، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 20 شعبان 1445هـ الموافق 1 مارس 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تمهيد وبداية الحديث عن رمضان

يبدأ الدرس بالحمد لله والصلاة على النبي، ثم ينتقل إلى الحديث عن أهمية استقبال شهر رمضان بالنية الصادقة والتوبة النصوح. ينبغي على المسلم أن يستغل هذا الشهر بالاجتهاد في الطاعات.

أهمية الاستعداد لرمضان واجتناب الكبائر

يتحدث الدرس عن أهمية اجتناب الكبائر والتوبة الصادقة قبل دخول شهر رمضان، ويشدد على ضرورة إخلاص النية لله تعالى لكي ينال المسلم الأجر العظيم. كما يشير إلى أهمية الاجتهاد في الطاعات والقربات في رمضان.

كيفية استغلال رمضان بالطاعات

ينبغي للمسلم أن يستعد لشهر رمضان بتفرغ ما تيسر من وقته لأصناف الطاعات والقربات، وأن يهيئ نفسه لاستقبال هذا الشهر بما يكون من قراءة سير الصالحين والنظر في نصوص الكتاب والسنة.

التفريغ النصي الكامل

استقبال رمضان حكم وأحكام أيام قليلة ويستقبلنا شهر كريم وموسم عظيم من مواسم الخيرات ومواضع التنافس في الطاعات والقربات، جعله ربنا سبحانه وتعالى سببًا لافتتاح أبواب الرحمات، وأغلق فيه سبحانه وتعالى أسباب دخول النيران، وسخطه سبحانه وتعالى. فاستقبال شهر رمضان له حكم وأحكام، من أعظم حكمه أن الله عز وجل جعله موسمًا عظيمًا من مواسم الطاعات والقربات والاجتهاد فيه للوصول إلى أعلى الدرجات. ولذلك كان من أحكامه أن يستعد المسلم استعدادًا صحيحًا كاملًا لأجل أن يستغل هذا الموسم بما ينبغي أن يكون له الناس. يستعدون بالطعام والشراب واللباس والكساء وغير ذلك من الاستعدادات المادية، منها ما هو مباح، ومنها ما تعدوا فيه المباح إلى المحظور والممنوع والحرام. ولكنك يا أيها المسلم، يا من تريد ما عند الله، تستعد بهذا الشهر بما يكون من إعدادك لما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. إن مما يعيننا على إعمال هذا الشهر بالطاعات وصنوف القربات والبلوغ إلى أعلى الدرجات أن نجتهد في إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، نخلص نيتنا لله بأن يكون عملنا كله خالصًا لله سبحانه وتعالى. وشهر رمضان شهر مكافأة المخلصين. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ العشرين من شهر شعبان لعام ألف وأربعمائة وخمسة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش حرسها الله. إن الحمد لله، نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، فشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، أيها المسلمون، رحمني ورحمكم الله. إن الله عز وجل أكرمنا في هذا الدين العظيم بمواسم خيرات وأزمنة للتنافس في الطاعات، جعلها ربنا سبحانه وتعالى تكرمة منه وفضلًا على عباده سبحانه وتعالى، لعلمه بتقصيرنا وتفريطنا وعجزنا ونقصنا. فأكرمنا سبحانه وتعالى بمواسم من مواسم الخيرات وأزمنة فاضلة من أزمنة التنافس في الطاعات والقربات. وها نحن أيام قليلة ويستقبلنا شهر كريم وموسم عظيم من مواسم الخيرات ومواضع التنافس في الطاعات والقربات. جعله ربنا سبحانه وتعالى سببًا لافتتاح أبواب الرحمات، وأغلق فيه سبحانه وتعالى أسباب دخول النيران، وسخطه سبحانه وتعالى. أكرمنا ربنا العظيم الكريم سبحانه وتعالى بهذا الموسم العظيم الذي جعل فيه صنوف الطاعات وأنواع القربات، وضاعف فيه الدرجات والحسنات. فجعله موسمًا لتنافس المتنافسين وموضعًا للاستزادة من الحسنات والوصول إلى درجة المقربين. أكرمنا الله عز وجل في هذا الشهر الكريم، في هذا الموسم العظيم من مواسم الطاعات، وهذا الزمان المبارك المليء بصنوف القربات. لنكمل ما قد نقص من تقصيرنا وأعمالنا، ونجبر ما كان من كسرنا، ونستوفي ما كان من عجزنا، فيكمل الله عز وجل ما كان قد نقص، ويتم الله عز وجل ما كان لم يكمل. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. وكان من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه إذا قرب رمضان بشر بقدومه، تهيئة لاستقباله واستعدادًا للدخول في هذا الموسم العظيم من مواسم الطاعات والقربات. فثبت في السنن عن نبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الرحمات، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد الشياطين». هذا الحديث العظيم وغيره مما معناه فيه ما كان من الاستبشار بقدوم هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات ومواضع التنافس في القربات. وهكذا ينبغي أن يكون أهل الإيمان، يستعدون لكل موسم بما يناسبه، ويهيئون أنفسهم بما يكون بإعماره وما يكون فيه الاجتهاد فيه. والله ربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، فالفرح بفضل الله وبرحمته، ومن فضل الله ورحمته مواسم الطاعات وأشهر القربات والتنافس في صنوف أبواب الحسنات. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه باستقبال هذا الشهر للاستعداد له. وهذا من أعظم ما ينبغي أن يستعد له المسلم في استقبال شهر رمضان. فاستقبال شهر رمضان له حكم وأحكام، من أعظم حكمه أن الله عز وجل جعله موسمًا عظيمًا من مواسم الطاعات والقربات والاجتهاد فيه للوصول إلى أعلى الدرجات. فلذلك كان من أحكامه أن يستعد المسلم الاستعداد الصحيح الكامل لأجل أن يستغل هذا الموسم بما ينبغي أن يكون له الناس. وأول ذلك أيها المسلمون عباد الله التوبة الصادقة الناصحة. فإننا إذا استقبلنا هذا الشهر بتوبة صادقة ناصحة، أعاننا الله عز وجل على الاجتهاد فيه وفعل الخير فيه ووصول إلى أعلى الدرجات فيه. وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. والله سبحانه وتعالى أمر عباده أن يتوبوا بالليل والنهار. كما صح بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». وما منا من أحد إلا وهو خطاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». فالنمادر بتوبة صادقة، وأن نعجل بها كما أمرنا الله عز وجل بقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فمن أعظم أسباب فلاحنا التوبة الصادقة الكاملة التي يكون فيها استيفاء شروط التوبة جميعًا. ومن ذلك إرجاع الحقوق إلى أهلها لمن كان قد اعتامى على حق أحد من الآدميين، ولو كان كافرا، فكيف إذا كان مسلمًا أو كان قريبًا، فإنه من باب أولى. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى جمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». فتنبأ أيها المسلم أن من أعظم شروط ما يحصل لك من الفضل في هذا الشهر العظيم المبارك أن تكون قد اجتنبت الكبائر، وأن تبت منها. فاحذر أيها المسلم أن تدخل هذا الشهر وأنت متلبس بشيء من الكبائر، ومتحمل لآثامها ووزرها، ولم تقلع ولم تتب منها. كما يجب أن تحذر من أن تتوب توبة الكاذبين المخادعين الذين يتوبون في شهر رمضان، ويعزمون على الرجوع إلى ما كانوا عليه في أول شوال. فإن هذا لم يستوفي شروط التوبة الصحيحة. بل التوبة الصحيحة أيها المسلمون عباد الله أن يقلع المرء عن الذنب إقلاعًا كاملًا، وأن يعزم ألا يعود إليه كما لا يمكن رجوع اللبن إلى الضرع كما قال العلماء. فإنه يقلع إقلاعًا حقيقيًا صادقًا، ويعزم على عدم الرجوع إلى هذا الذنب عزمًا صادقًا حقيقيًا، فإنه لا يكون في نفسه مثقال ذرة ولا دونها تحدثه بأنه يرجع إلى هذا الذنب بعد أن تاب الله عز وجل عليه. فإن هذا من أعظم شروط التوبة والإقلاع عما ابتلاه الله عز وجل من الذنوب. ثم كذلك أيها المسلمون عباد الله إن مما يعيننا على إعمار هذا الشهر بالطاعات وصنوف القربات والبلوغ إلى أعلى الدرجات أن نجتهد في إخلاص النية لله سبحانه وتعالى. نخلص نيتنا لله بأن يكون عملنا كله خالصًا لله سبحانه وتعالى. وشهر رمضان شهر مكافأة المخلصين. ولهذا كان جزاء الصيام فيه والطاعات فيه مخفيًا أخفاه الله عز وجل. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كل عمل بن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة». أي أن هذا في سائر الحسنات، أما شهر رمضان وشهر الصيام، فالله عز وجل جعل له أجرًا عظيمًا أكبر وأكثر من ذلك اكتنزه عنده. وهذا لما يكون عليه حال الناس لأن الناس يتفاوتون. وهذا السر في إخفاء الأجر لأن الناس يتفاوتون في الإخلاص واليقين في هذا الشهر وما يكون فيه من الطاعات وأصناف القربات. وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه جبريل القرآن في كل رمضان، وكان أجود ما يكون في رمضان، فإنه يكون كالريح المرسلة. فلما كان رمضان الذي توفي فيه عليه الصلاة والسلام دارسه جبريل القرآن مرتين. وفي هذا إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس في سائر أيام السنة وشهور العام، ولكنه في شهر رمضان كان زيادة في الجود والكرم. وهذا معناه أن يجتهد المسلم في أصناف الطاعات والقربات في رمضان بأكثر ما كان عليه قبل رمضان. فإن كان الصيام فأنت تصوم الشهر كاملًا، وإن كان القيام فأنت تحرص على القيام وتواضب عليه وتحرس على القيام في أواخره. وإن كان الصدقة فأنت تجتهد في أصناف الصدقات وصنوف القربات. وإن كان إطعام الطعام فأنت تنافس كذلك. فإن إطعام الصائمين باب من أبواب الحسنات والتنافس في القربات في هذا الشهر. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أطعم فيه صائمًا كان له مثل أجره لا ينقص ذلك من أجره شيئًا. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. فهل لك أن تصوم في يوم واحد بعدد من أطعمت من الصائمين، فيكون لك أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا؟ هذا فضل الله وباب واسع في باب التنافس في الخيرات وأصناف الطاعات والقربات والارتقاء إلى أعلى الدرجات. وهكذا كذلك أيها المسلمون عباد الله كان من تهيئة الاستعداد للصيام هذا الشهر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بما جاء في السنن من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح أنه نهى عليه الصلاة والسلام أن يصام النصف الثاني من شعبان. فجاء عنه النهي بعدة ألفاظ صحيحة صحت عنه عليه الصلاة والسلام. قال العلماء والحكمة من ذلك أن يستعد بقوته ونشاطه لمن لم يتعود الصيام. وحمل العلماء هذا الحديث على من لم يتعود الصيام، فإنه لا يصم في النصف الثاني من شعبان ليستعد بقوته ويجعلها مكتنزة لشهر رمضان. فيكون عنده من الطاقة والقوة والقدرة الحسية والمعنوية ما يعينه على استغلال هذا الموسم العظيم من مواسم الطاعات والقربات. وجاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره بمعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين. قال: «إلا أن يكون صومًا يصومه أحدكم». جمع العلماء بين هذا الحديث وما قبله أن ما قبله فيمن لم يكن له صوم يصومه وعادة يعتادها من الصيام. أما من كان له صوم يصومه وعادة يعتادها فلا بأس عليه أن يصوم في النصف الثاني من شعبان. لأن جسمه قد تعود على الصيام ولا يضعفه الصيام. وعنده من القدرة بما سبق من ماضي حياته وسابق أمره أن يواصل في هذا النصف بموجب ما أذن له فيه. وأما النهي عن صيام يوم أو يومين قبل رمضان لأجل أن لا يوافق صوم الشك. فإن صوم الشك محرم في الإسلام كما جزم عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمار الصحيح: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم». أي النبي صلى الله عليه وسلم. فلأجل الحذر من الوقوع في صيام يوم الشك وهو يوم يحرم صيامه على الصحيح من أقوال أهل العلم بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. نهي عن أن يتقدم رمضان بصيام يوم أو يومين. وقوله: «إلا أن يكون صومًا يصومه أحدكم» في هذا الاستثناء على الصحيح أنه في اليوم الذي قبل يوم الشك. أما يوم الشك فالأحوط ألا يصومه ولو كان صومًا يعتاده. هذا من أحكام وآداب استقبال شهر رمضان. فإن من هذه الأحكام أن لا يكون عنده من الاحتياط والغلو في الدين ما يجعله يصوم يوم الشك أو يصوم يومًا قبله أو أكثر. لأن ديننا يأمرنا بالاتباع لا بالابتداع، وبالأخذ بالسنة لا بغيرها. وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يصوم في شعبان. فصيامه في شعبان كما جاء في حديث عائشة وغيرها يدل على ما سبق وتقدم من أنه محمول على من كان يصوم صومًا فإنه يصوم على صومه. أيها المسلمون، من أدركه شهر رمضان ولم يغفر له، أي لم يستغل هذا الموسم العظيم من مواسم الطاعات والشهر المبارك الذي تستجمع فيه الحسنات، فأبواب الخيرات فيه كثيرة. من الصيام والقيام وقراءة القرآن والصدقة وإطعام الطعام وغير ذلك من أبواب الخير والبر العظيم الكثيرة. فحري بالمسلم أن يعمر وقته وأن يستعد في هذا الشهر بصنوف الطاعات ما يرفع درجته ويقربه عند ربه وخالقه. ومن ذلك أن يجتهد بإيجاد ما يعينه على الطاعة والقربة والاكثار من الحسنات بأن يجد البيئة الصالحة التي تعينه على ذلك. ولذلك فإن العمرة شرعت في رمضان ما لم تشرع بغيرها لما كان من عظيم أجر العمرة في رمضان. فتعين الصائم على الزيادة بالحسنات والمضاعفة للدرجات. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن «العمرة في رمضان كحجة معه» عليه الصلاة والسلام. وهذا من عظيم فضل الله ومنته وكرامته وعطيته لأهل هذا الدين. أن أكرمهم بمضاعفة الحسنات والطاعات فيه. ومن ذلك كذلك أيها المسلمون والمسلمات ما جعل الله عز وجل فيه من استثمار الحسنات الكثيرة والطاعات المتنوعة. فيجتهد المسلم في الاعتكاف بالعشر الأواخر. وإذا جاء وذهب إلى الحرمين الشريفين أو غيرها من أماكن الطاعة فتكون عونًا له في الاجتهاد من الطاعات. فلذلك مما يعين المرء أن يستهل الشهر بالتوجه إلى أماكن تعينه على الطاعة والقربة وأناس صالحين يعبدون الله عز وجل معهم. يكونون عونًا له على فعل الطاعات والقربات. والموفق من وفقه الله. وفي حديث أبي سعيد في الصحيحين في قصة الرجل الذي قتل مئة نفس لما دل على العالم أرشده أن يترك الأرض التي هو فيها فإنها أرض سوء. وأن يتوجه إلى الأرض الأخرى التي فيها قوم صالحون يعبدون الله فيعبد الله معهم. فيكون عونًا له. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بمور شرعنا ويبصرنا بمور ديننا ونجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، وإن مما يستعد به لاستقبال شهر رمضان أن يستعد المسلم بتفرغ ما تيسر من وقته لأصناف الطاعات والقربات في هذا الشهر. فلهذا كان الكثير من سلفنا وأمتنا وعلمائنا والصالحين من عباد الله يتفرغون في هذا الشهر للطاعة والقربات وأصناف أبواب الحسنات. فلذلك أيها المسلم إن استطعت أن تتفرغ في هذا الشهر لعبادة الله سبحانه وتعالى والاجتهاد فيه فافعل. ولا يعني ذلك أن تجعل يدك سفلة بل تكون يدك هي العليا من المتصدقين والمنفقين. وتستعد قبل شهر رمضان بالنفقة الكافية لنفسك وأهلك وصدقاتك وأبواب الخير والحسنات وأصناف القربات والطاعات. وهكذا كان من استعداد سلفنا وعلمائنا وأمتنا والصالحين من عباد الله أنهم يهيئون أنفسهم لاستقبال هذا الشهر بما يكون من قراءة سير الصالحين والنظر في نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك مما يحفزهم على الاجتهاد في الطاعات واستغلال هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات والرحمات. وهكذا كذلك مما يستعد به أن تستعد بالبيئة الصالحة التي تعينك على استغلال هذا الشهر على أكمل وجوهه وأحسن أحواله. ومن ذلك أن تنتقل إلى بيئة أفضل كأن يكون ذلك معقلًا من معاقل العلم والسنة. تسمع ما ينفعك من العلم النافع ما يعينك على الجد والاجتهاد في هذا الشهر المبارك. وهكذا كذلك تنتقل إلى أناس يجتهدون في الطاعات والقربات والتنافس في أبواب الحسنات فيدفع كذلك للاجتهاد في هذه الطاعات والحسنات. ولذلك كان من حكمة الله عز وجل أن شرع أصنافًا من الطاعات على وجه الاجتماعي والجماعات لما في ذلك من الاقتداء والائتساء والتنافس في أبواب الخيرات والحسنات. فهذه الصلوات الخمس وهذه كذلك صلوات النوازل من الكسوف والخسوف والاستسقاء وغيرها. وصلاة العيدين والجمعة والاجتماع في الصيام والاجتماع في الحج وغير ذلك من أبواب الطاعات والقربات. فإن الإنسان يجد بالائتساء من النشاط وبالاجتماع من القوة ما لا يجده إذا كان منفردًا. وبحديث أبي سعيد في الصحيحين في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وكمل بالعابد الجاهل المئة. فلما سأل عن أعلم أهل الأرف ودل على عالم أرشده أنه لا يحول بينه وبين توبته إلى الله شيء. ولكنه بأرض سوء، ونصحه أن يذهب إلى الأرض الفلانية فإن فيها قومًا صالحين يعبدون الله فأمره أن يذهب ويعبد الله عز وجل معهم. فكان مما عانه على التوبة هذه النصيحة والوصية. وكذلك أنت أيها المسلم أنظر إلى بيئة صالحة تعينك على الجد والاجتهاد. واحذر من بيئة السوء. ومن ذلك ما يحصل في بعض البيوت من تشغيل القنوات والمسلسلات وغير ذلك من أنواع الملهيات والمحرمات. فإنها شغلت وصرفت الكثير من الصائمين أيما صرف وأيما إشغال. فضلا عن أنها أدخلت عليهم أنواع الأسقام والأمراض. فالواجب على المسلم أن يجتنب كل باب يفتح عليه باب شر. ومن ذلك أن يجانب كل ما يفتن بصره وسمعه وقلبه. ومنها تلك الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية. وما يظهر فيها من الفساد والإفساد. وللأسف وبعضها يسمى بالمسلسلات والبرامج الدينية وهي بعيدة كل البعد عن الدين. يتمثلها بعض الفاجرين والفاسدين وغير ذلك مما لا يخفى على العقلاء والصالحين. فالواجب على أهل الإسلام عمومًا وأهل الصلاح خصوصًا أن يتعاونوا على البر والتقوى بالتناصح في هذا الباب بالتي هي أحسن. وأن يجتنب المسلم كل ما يضره في دينه بل وفي دنياه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوب علينا بتوبة نصوحة وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان وأن يجعلنا هداة مهتدين. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في فلسطين وفي السودان وفي سائر بلاد الإسلام يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في بلادنا هذه الخاصة وسائر بلاد المسلمين. اللهم أصلح أمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.