الخطبة بعنوان زيارة القبور بين المشروع والممنوع، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 20 محرم 1446هـ الموافق 26 يوليو 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول التحذير من الشرك وعبادة القبور، ويشرح كيف أن الإسلام حرم الغلو في الصالحين وعبادة قبورهم. يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتوضيح خطورة الشرك وأنه يحبط الأعمال.
تنقسم زيارة القبور في الإسلام إلى زيارة مشروعة وزيارة ممنوعة. الزيارة المشروعة تكون لتذكر الآخرة والموت والدعاء لأهل القبور، بينما الزيارة الممنوعة تشمل عبادة القبور من دون الله والغلو فيها.
يُحذر من الغلو في القبور وعبادتها من دون الله، ويبين أن زيارة القبور يجب أن تكون خالية من البدع والشركيات. يحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسد ذريعة الشرك.
يتضمن الدعاء للتوفيق والصلاح في الدنيا والآخرة، وإصلاح الحكام، وجعل الولاية في أهل التقوى. يشمل طلب التوفيق والصلاح لأنفسنا وللحكام، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أكرمنا بهذا الدين العظيم، دين الإسلام، الذي أخرجنا به سبحانه من الظلمات إلى النور، ومن طرق الإعوجاج إلى طريق الاستقامة، ومن طرق الشركيات والوثنيات والخرافات والخزعبلات إلى طريق الإيمان والتوحيد والسنة والاستقامة على الطاعة. وإن الله عز وجل، من عظيم منته، ومن كمال إكمال إكرامه لخلقه، لم يتركهم هملًا، بل أنزل إليهم كتابًا، وأرسل إليهم رسولًا، ليخرجهم بذلك من الظلمات إلى النور، ولأجل أن تقوم الحجة على الناس أجمعين. فما من صغير ولا كبير من أمر ديننا مما نحتاجه في هذه الدنيا، إلا وأنزل سبحانه وتعالى لنا فيه علمًا، كما قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. وإن من نعمة الله سبحانه وتعالى، أن أكرمنا الله عز وجل بهذه الشريعة العظيمة المحكمة، الذي فيه من الأوامر الربانية والوصايا النبوية، الكفيل بإصلاح هذا الإنسان في عقيدته وعبادته ومعاملته وأخلاقه ومنهاجه وسلوكه. أكرمنا سبحانه بأن جعل لنا دينًا عظيمًا، أكمل الله عز وجل به الأديان، ليصلح للناس عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم وسلوكهم. ومن ذلك، عباد الله، أن الله عز وجل بعث أنبياءه ورسله، وختم برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم، للتحذير من أنواع الشركيات والوثنيات، وكل ما يفضي إلى عبادة غير الله سبحانه وتعالى. فكما أن الإسلام حرم عبادة الأصنام والأحجار، وحرم عبادة الأوثان والأشجار، فكذلك حرم الغلو في الصالحين وعبادة قبورهم، وفعل كل ما يفضي إلى تلك الشركيات والوثنيات. إذ لا فرق بين من عبد شجرًا أو حجرًا، أو عبد وثنًا أو قبرًا، فكل ذلك من عبادة غير الله سبحانه، وعبادة غير الله جل وعلا من الشرك العظيم الذي لا يغفره رب العالمين. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. فالشرك شأنه عظيم في ديننا، عباد الله، يحبط الأعمال ويهدم الأقوال، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. بل أخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إمام الموحدين، وهو قدوة المتقين، عليه أفضل الصلاة والتسليم، محذرًا من الشرك وعظيم خطره، وهو أنزه الناس وأبعدهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، بقوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فالشرك يحبط الأعمال، ولو كانت أعمال الأنبياء والأولياء أو الصالحين. فكما أن الطهارة تبطل إذا حصل ما ينقضها، والصلاة تبطل إذا انتقضت الطهارة، ولو وقع ذلك، من نبي أو ولي أو صالح من الصالحين. فكذلك، عباد الله، الشرك يحبط الأعمال، ولو وقع من نبي أو ولي أو صالح من الصالحين، كما سمعنا في الآيات السابقات. ولهذا جاء الوعيد الشديد، والإثم الأكيد، لمن وقع في الشرك بالله سبحانه وتعالى. فحذرنا الله عز وجل أشد التحذير من أن نقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من تلك الشركيات والوثنيات. فأخبرنا الله عز وجل عن قوم نوح، وما وقعوا فيه من الشرك. فإنهم غلوا في بعض الصالحين، فعبدوها من دون الله عز وجل، عبدوا صورهم وثماثيلهم وقبورهم من دون الله. كما أخبرنا الله عز وجل في سورة نوح عن هؤلاء، بقولهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. جاء عن عبد الله بن عباس، أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين، فلما ماتوا، قالوا: لو أنا جعلنا صورًا تذكرنا بهم. فجعلوا صورًا، ثم عكفوا على قبورهم، ثم عبدوهم من دون الله جل وعلا. وجاء نحوه عن مجاهد رحمه الله تعالى، فيما جاء في البخاري وغيره. فهؤلاء الصالحون في زمن نوح عليه الصلاة والسلام، ظُلّوا في هؤلاء قومهم، فأثمر هذا الغلو إلى العكوف على قبورهم، ثم عبدوها من دون الله سبحانه وتعالى. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. جاء عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم، أن اللات رجل صالح، كان في الجاهلية يفت لهم السويق بالسمن، فلما مات، عكفوا على قبره ليتذكروه، ثم غلوا في قبره، فعبدوه من دون الله سبحانه وتعالى. فصار قبر اللات من أكبر أوثان أهل الجاهلية، التي تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. ولهذا ذكره الله عز وجل في كتابه، محذرًا من شنيع ما فعله أهل الجاهلية من الغلو في هذا الصالح، حتى عبدوه من دون الله سبحانه وتعالى. ولما بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم، وكان أهل الجاهلية يعبدون الأشجار والأحجار، ويعبدون كذلك الأوثان والقبور، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم نهيه عن زيارة القبور في أول الإسلام، حماية لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك. لأن أكثر القبور قد مُلئت بأنواع الأوثان والتوابيت والقبور المبنية التي يشرك بها، وتعبد من دون الله سبحانه وتعالى. ومع الله. فنهاهم عليه الصلاة والسلام في أول الإسلام عن زيارة القبور، حماية لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك. فلما رسخ الإيمان في قلوب المؤمنين، وعرفوا حقيقة توحيد رب العالمين، فعبدوه وحده لا شريك له، عند ذلك قال صلى الله عليه وسلم في المدينة، يعني بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». فعلم بذلك، أيها المسلمون، أن زيارة القبور في الإسلام على ثلاثة أقسام، تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وتجتمع الأقسام الثلاثة إلى قسمين اثنين. أحدها زيارة مشروعة، وثانيها زيارة ممنوعة. أما الزيارة المشروعة، أن تزار هذه القبور ليتذكر المسلم الآخرة، ويتذكر الموت. فذكر الموت، وهذه من اللطائف. وزيارة من قد ارتحل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة، بنزول أول منازلها، وهو القبر، يذكر بالله، ويخوف بالله، ويوجب الرجوع إلى الله والتوبة إليه. وأمر آخر، أن يدعى لأهل القبور. فأهل القبور يحتاجون منا الدعاء والاستغفار، يحتاجون منا أن ندعو لهم، ونستغفر لهم، كما علمنا وارشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه هي الزيارة المشروعة للقبور في الإسلام. وأما الزيارة الممنوعة التي منعت في الإسلام، فزيارة القبور لعبادتها من دون الله سبحانه وتعالى، بالسجود عندها، أو جعلها مساجد، بأن يجعل عندها شيء من العبادات، سواء كان ذلك صلاة أو دعاء أو قراءة قرآن أو غير ذلك. وأعظم من هذا، أن تدعى من دون الله، ومع الله، فيرجى منها ما يرجى من الله، فيطلب منها الولد أو العافية أو يطلب منها المدد ودفع الضر، أو غير ذلك مما لا يجوز أن يسأل به إلا الله سبحانه وتعالى. وكذلك، وهذا ثالثًا، أن لا يفعل عندها كل ما يفضي إلى الشرك الأكبر، مما هو من الشرك الأصغر، بأن يخص قبرًا من القبور بالعبادة عنده، أو الدعاء عنده، أو الغلو فيه، ببناء وزخرفته وإسراجه وتزيينه، وغير ذلك مما يفضي إلى الغلو في هذا القبر، والافتتان به. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: «يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره صلى الله عليه وسلم». ومعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الغلو في قبور الأنبياء والصالحين، وأن لا تتخذ مساجد، لأجل أن لا يتخذ قبره مسجدًا عليه الصلاة والسلام. قالت: «ولذلك، أي لأجل هذا، لم يبرز قبره، أي لم يدفن في قبور أو مع قبور المسلمين، حماية لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الغلو فيه والشرك بقبره عليه الصلاة والسلام». وقد استجاب الله دعوته، إذ كان يدعو عليه الصلاة والسلام بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». قال العلماء: فقوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، فيه إشارة أنه قد يعبد القبر فيصير وثنًا. فلا فرق بين من عبد الأشجار والأحجار والأوثان، أو عبد القبور والقباب والتباب، فكل ذلك من الشرك بالله. واتخاذ القبور مساجد، جاء التحذير عنه في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد صح معناه من حديث ابن عمر، وابن عباس، وجندب بن عبد الله، وأم سلمة، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. ففي صحيح مسلم، عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه، وقبل أن يموت بخمسة ليال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». فإنه ذكر هذا لأجل أن لا يستن أهل الإسلام بسنة اليهود والنصارى، من اتخاذ قبورها مساجد. وفي الصحيح، من حديث عائشة وأم سلمة، أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة في الحبشة، وكانت قد ذهبت إلى الحبشة في الهجرة الأولى للمسلمين، فذكرت ما رأت في تلك الكنيسة من الصور والغلو في الصالحين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندها: «أولئك، أي هؤلاء القوم، أي النصارى، إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح، اتخذوا على قبره مسجدًا. أولئك شرار الخلق عند الله سبحانه وتعالى». انظروا إلى هذه الأحاديث العظيمة، ثم انظروا إلى حال الكثير من جهلة المسلمين، كيف اتخذوا القبور مساجد، فغلوا فيها، بالبناء عليها، وزخرفتها، وتزيينها، والإسراج عليها، وكل ذلك قد نهى الله عز وجل عنه. قال العلماء: اتخاذ القبور مساجد يكون بصور، منها أن يبنى المسجد على القبر، أو يوضع القبر داخل المسجد، أو كذلك أن تؤدى عبادة من العبادات عند هذه القبور، ظنًا أنها تقرب إلى الله، وتشفع عند الله. وكل هذا من الأفعال الجاهلية، ومن وسائل الشرك بالله سبحانه وتعالى، أو من الشرك بالله به. ورابعها، كذلك أن تتخذ هذه القبور قبلة، أن تتخذ هذه القبور قبلة، قبلة فترجى بالدعاء، أو كذلك بالعبادة أو الصلاة، حتى لا تكاد تجد قبورًا، لا تجد مسجدًا من مساجد من فُتن بفتنة القبور والغلو فيها، والغلو فيها، إلا وفيه قبر، أو أنه بجانب قبر، أو أنه في قبلته قبر. وكل هذا من مظاهر الوثنية، وأنواع الشرك الأصغر أو الأكبر، كما نبه عليه علماء الإسلام. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن البناء على القبور، وعن زخرفتها، وعن الكتابة عليها، وعن تجصيصها، وعن إسراجها، وعن تبخيرها، وغير ذلك من مظاهر الفتنة، الذي يستدعي أن يفتتن بهذه القبور، حمايةً لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك. تأملوا هذه الأحاديث العظيمة، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، من إغلاق باب هذه الفتنة، فتنة الغلو في الصالحين، وفتنة الغلو في القبور، حمايةً لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك. وفي صحيح مسلم، من حديث علي رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال لرجل عنده في خلافته، يقال له أبو الهياج: «ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدعى قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا صورة إلا تمصتها». وهذا معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في أول الإسلام لتسوية القبور، وهدم البنيان من عليها، لأجل أن لا يفتتن الناس في القبور. وأن عليًا رضي الله عنه جدد هذا الأمر في خلافته، فأرسل أبا الهياج الأسدي رضي الله عنه ورحمه الله، لأجل أن يهدم ما قد جدد من البناء مرة أخرى. وجاء في عهد عمر وخلافته، أن المسلمين، أي الصحابة، لما فتحوا فارس، وجدوا قبر رجل مات من سنين طوال، قد وضع في موضع يعظم فيه، فسألوا: من هذا؟ قالوا: هذا نبي من الأنبياء، يقال له دانيال. كانوا يستشفعون به إذا قحطوا، ويعبدونه من دون الله. فأخبروا عمر رضي الله عنه بما وجدوا، فأمرهم عمر رضي الله عنه وأرضاهم أن يحفروا من النهار بضعة عشر قبرًا، ثم إذا كان في الليل، دفنوا جسد ذلك النبي الذي يقال له دانيال، ليعموا على قبره، فلا يجدوا الناس قبره فيعبدونه أو يغلو فيه. ففعل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ما أوصاهم به عمر. فلما كان من الصباح، بحث الناس عن قبر ذلك النبي، فلم يجدوه، ووجدوا قبورًا كثيرة قد حفرت، ولا يدرون في أي قبر. فعند ذلك تاه الأمر عليهم، ولم يحصل ما كان يرجوه من عبادة ذلك النبي. انظروا إلى هذا الصنيع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، حمايةً لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك، حتى لا يفتتن بالقبر ذاك، وبالقبور جميعًا. وتأملوا ما على حال الكثير من الناس هذا الزمان، من الغلو في القبور، ببنائها، وزخرفتها، وجعل الزيارات عندها، وجعل أنواع العبادات، بل وربما جاء بعض الجهال يطلب هذا الولد، وذاك المدد، وآخر العافية، وغير ذلك، أو تذبح عندها بأنواع الذبح، أو النذر، أو غير ذلك مما لا يجوز إلا أن يكون لله جل وعلا. أيها المسلمون، عباد الله، الواجب علينا معاشر المسلمين أن نتعاون على البر والتقوى. وإن من البر والتقوى أن نأمر بالمعروف، وأن ننهى عن المنكر. ومن أعظم المنكر هذه الخرافات وهذه الخزعبلات، وهذه الشركيات والوثنيات التي تفعل في أنواع الزيارات، زيارات القبور، والغلو فيها، وتعظيمها، والافتتان بها، حتى أفضى ذلك إلى عبادتها من دون الله. فوقع ما وقع فيه أهل الجاهلية، وأشد. وكل ذلك لا يجوز في الإسلام. أيها المسلمون، عباد الله، الواجب علينا أن نأمر غيرنا ممن لم يبلغوا مثل هذه الأحاديث العظيمة، وهذه الأدلة الكثيرة في التحذير من فتنة القبور، ألا يقع فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وما ظُلّ به ووقعت فيه الأمم السابقة من اليهود والنصارى وغيرهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم صادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وها هنا لفتة لمن يكثر سواد أهل الباطل، في هذه الزيارات المليئة بالبدع والخرافات والشركيات والوثنيات، يكثر سواد أهلها، فيكون من المتعاونين على الإثم والعدوان، سواء أقال: إنما أذهب لأجل البيع والشراء، أو قال: أذهب لأجل تفسيح الأبناء، أو قال: أذهب لأجل اللقاء بالأقرباء. كل ذلك ليس بمبيح، ولا بعذر يعذره عند الله، من أن يكثر سواد أهل الباطل، وأن يفتن غيره، بأن تكون تلك الجموع الكثيرة التي تفتن الجهال، فيقول بعض الجهال: هل يمكن أن يكون هؤلاء جميعًا على ضلال؟ فيغتر بهذه الكثرة. مع أن الكثرة في ميزان شريعتنا، وفي دين ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ليست معيارًا للصواب. بل جاء في كتاب الله ما يدل أن أهل الحق قليل، وأن أهل الباطل كثير، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، لا يجوز لمسلم أن يذهب إلى هذه الزيارات الشركية والبدعية، وأن يكون معينًا على الإثم والعدوان، ولو قصد كما زعم قصدًا مباحًا. لكن هذا المباح يصير محرمًا إذا كان يفضي إلى الحرام، ويصير بدعة إذا كان يفضي إلى بدعة، ويصير شركًا إذا كان يفضي إلى الشرك. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الترمذي وغيره، من حديث ثابت بن الضحاك، أن رجلًا نذر أن ينحر إبلًا ببوانه. وبوان اسم مكان. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ فقالوا: لا. قال: هل فيه عيد من أعيادهم؟ فقالوا: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوفي بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله». تأملوا هذا الحديث العظيم، كيف أن هذا الرجل أراد أن يتصدق بنذر إبل يذبحها لله سبحانه وتعالى. ومع ذلك لما خص هذا المكان، تفقد وتأكد النبي صلى الله عليه وسلم، حمايةً لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك، حتى لا يظن أن ذاك المكان يستحب فيه الذبح، إذا كان فيه شيء من أوثان الجاهلية وأعيادها. فكيف بمن يذهب إلى موضع يُعبد فيه غير الله، من الغلو في القبور، والغلو في التباب والقباب، وما يُفعل من أنواع الشركيات والوثنيات؟ فإننا نرى مظاهر تلك الشركيات والوثنيات، حتى إن بعضهم إذا رجع من تلك الزيارة، رجع ببعض الخيوط والخرق، يُعلق شيئًا في يده، أو شيئًا في عنقه، يجعله سببًا للشفاء والعافية والحفظ والرعاية. وكل هذا من الشركيات والوثنيات. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرقى والتمائم والتيولة من الشرك». أي أن الرقية التي ليست منضبطة بالضوابط الشرعية من الشركيات والوثنيات. وأن ما يُعلقه الناس من التمائم التي تُعلق على الأعناق، أو في الخاصرة، أو في اليد، فيظن أنها تنفع أو تضر. وكان أهل الجاهلية يأخذونها مما يتمسح بتلك القبور من خيوطها، أو من خرقها، أو من تربتها، أو غير ذلك. ومثل هذا يفعله اليوم بعض عباد القبور، يأخذون من تربة بعض القبور، أو من خرقها، أو من خيوطها، ما يستشفون به، ويدفعون به البلاء. ومزند الإمام أحمد، أن عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل، دخل على امرأته، وكانت امرأة من التابعين، ووجد في عنقها خيطًا علقته، فقال: ما هذا؟ قالت: خيط علق لي ليدفع عني الحمى. فأخذ ذلك الخيط، وجذبه بقوة وشدة، وقطعه، وقال: «إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك». تأملوا هذا حمايةً لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك، قطع هذا الخيط، امتثالًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يظن أن خيطًا يكون منه الشفاء. فإذا وقع هذا في عبد الله، في زمن الصحابة، ومع امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن تقع الشركيات والوثنيات في زماننا هذا، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشرك سيعود إلى جزيرة العرب، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام في الحديث: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس، أي من الرقص حول ذي الخلصة، أي قبرًا كان يعبد، ووثنًا في زمن الجاهلية، ستعود عبادته في آخر الزمان». أيها المسلمون، عباد الله، الواجب علينا أن نحفظ أنفسنا، وأسرنا، وأبناءنا، ومجتمعنا، من أن يقعوا في شيء مما يفضي إلى هذه الخرافات والبدع، وهذه الشركيات والوثنيات. وأن نكون جميعًا، الراعي والرعية، والكبير والصغير، والذكر والأنثى، حريصين على حماية أنفسهم وأسرهم، من أن يكون عنده شيء من هذه البدع والخرافات، أو هذه الشركيات والوثنيات. وأن نبدل كلما نستطيع، حمايةً لحمى التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك، أن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا نشرك معه غيره، لا نبيًا من الأنبياء، ولا وليًا من الأولياء، ولا ملائكة، ولا صالحًا من الصالحين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا، وأحوال المسلمين، وأن يدفع عنا وعن المسلمين الفتن، ما ظهر منها وما بطن. وأن يوفقنا، وأن يوفقنا لما فيه الصلاح لنا في الدنيا والآخرة. وأن يصلح أئمتنا، ولات أمورنا، وأن يجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.