واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة

الدرس في واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 13 ربيع الثاني 1432هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من الفتن ووجوب الابتعاد عنها

يتناول الشيخ التحذير من الفتن وخطورتها مستندًا إلى الآيات والأحاديث، ويُشدد على أهمية الابتعاد عنها. يُحذر من عواقب الانخراط في الفتن ويُشير إلى تجارب تاريخية ومعاصرة تظهر خطورتها.

أسباب النجاة من الفتن ووسائلها

يُشير الخطيب إلى أسباب النجاة من الفتن مثل ملازمة العلم والعلماء وعدم اتباع الجهال، والحرص على التوابط الشرعية. يُؤكد على أهمية الرفق والسكينة في دين الإسلام ويحث على تجنب الظلم.

الدعاء بالولاية والتسليم على النبي

يتضمن المقطع دعاء بأن تكون ولاية الله لمن يخافه ويتقيه، ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر أهمية الدعاء والتسليم على النبي في ختام الخطبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في كتابه «المنهاج» منهاج السنة النبوية: «إذا وقعت الفتنة، عجز العقلاء أن يمسكوا بالسفهاء». ثم ذكر قول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. ففي هذه الآية العظيمة، عباد الله، مع تعليق هذا الإمام الذي له معرفة عظيمة بأحوال الأمم وأخبارها وتواريخ هذه الأمة خاصة، وفي الفتن على وجه الخصوص، ما يبين لك يا من تريد الحق وتبحث عنه، أن أمر الفتن ليس بالأمر السهل، بل أمره عظيم. فإن الفتنة إذا وقعت، عجز العقلاء أن يسيطروا على الأمور، فالأمور تنفلت، وعند ذلك تعم الفتنة كل صالح وغير صالح. كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. ولهذا، عباد الله، جاءت الأدلة الكثيرة في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، بل ومعناها في كتاب الله جل وعلا، في مواضع وبصور شتى، التحذير من الفتن والوقوع فيها. وكذلك أن يكون المرء عنده شيء من الإقبال عليها وإليها، بل ينبغي أن لا يستشرف لها مؤمن ولا مسلم، بعد إذ علم ما علم من التحذير منها في كتاب الله عز وجل، وكذلك التحذير منها في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أحاديث كثيرة، حتى لا تكاد تجد كتابًا من كتب الحديث إلا وفيه كتاب يسمى بكتاب الفتن. فهذا صحيح البخاري، وهكذا صحيح مسلم، وسائر كتب السنة، تجدها قد أفردت فيها فصولًا وأبوابًا وكتابًا يتعلق بالفتن وأحكامها والتحذير منها. وكذلك أنشأ بعض العلماء مؤلفات خاصة في التحذير من الفتن، لما في ذلك من أهمية عظيمة يحتاجها الناس. وكذلك اعتنى بها الشرع، ففي كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدلة الكثيرة ما أوجب على أهل العلم أن يفردوا هذا الموضع من العلم ببعض المصنفات. فألف نعيم بن أبي حماد رحمه الله تعالى كتابًا خاصًا سماه «كتاب الفتن»، يذكر فيه ما ورد مما يكون فيه نصح المسلمين ووعظهم، وكذلك دلالتهم لما يجب عليهم مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تلك الأحاديث، على وجه المثال لا الحصر، ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه حذر هذه الأمة من الفتن، فبين عليه الصلاة والسلام أنه يأتي على الناس زمان تكون الفتن فيه كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. وفي هذا أولًا: التحذير من الفتن وكثرتها في آخر الزمان. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه». وفيه ثانيًا: أنها من كثرتها تظلم على الناس الدنيا حتى لا يكادوا يروا نورًا، فيظن من ابتلي بالفتن أنه لا محيد له ولا مخرج له إلا أن يكون مشاركًا أو يكون له موقف في تلك الفتن، والأمر ليس كذلك. وفيه ثالثًا: ما تضمنه من معنى التحذير من فتنة الدنيا، فإن أكثر هذه الفتن، عباد الله، يكون الباعث إليها والمهيج في الوقوع فيها هو الدنيا. ومر معنا قريبًا ما حذر منه العلماء من الفتن، وما ضربت به الأمثلة. ومن ذلك ما ذكر في فتنة عبد الرحمن بن الأشعث، فإنه كان رجلًا أرسل إلى بلاد سجستان وما حولها في زمن بن أميه أميرًا، فانقلب على من أرسله، ثم صار ينادي بإنكار المنكر مما كان موجودًا عند بعض بن أميه، وخصوصًا الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان رجلًا ظالمًا. وكما قال الذهبي رحمه الله: حتى إن بعضهم ربما كفره. فهيج ذلك بعض الصالحين والعلماء والقراء، حتى قيل إنه تبعه في ذلك أكثر من خمسمائة قارئ وعالم. ففتن الناس بدعواه، وحقيقة أمره أن الكثير ممن معه كان إنما يريد الملك ويريد السلطان ويريد ما يريد من أهل الدنيا. فكان بعد ذلك ما كان، مما علمنا كيف أنهم خسروا الدنيا والدين، وذلك حين لم يستجيب، ولم يستجيبوا لنصوص الكتاب والسنة، ونصائح أهل العلم بالابتعاد عن الفتن والحذر منها. وقد ذكر أن جماعة منهم دخل على الحسن بن أبي الحسن البصري، وذكر له من ظلم الحجاج ما كان، مما علمه وعلمه غيره، وأراد بذلك الخروج على الحجاج بالسيف واللحوق بابن الأشعث ومناصرته في هذه الفتنة. فقال رحمه الله تعالى: «إن الحجاج عقوبة من الله، فلا تردوا عقوبة الله بالسيف، ولكن يلزموا السكينة والتضرع». ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾. فعلم بهذا، عباد الله، أن الشر لا يرد بالشر، وأن الخطأ لا يرد بالخطأ، وأن المنكر لا يرد بالمنكر، وأعظم من ذلك أن يرد بما هو أنكر منه. وذكر أن من أولئك الذين دخلوا عليه: عقبة بن عبد الغفار، وأبو الجوزاء، وجماعة من أهل العلم والحديث، وأفاضل أهل البصرة والكوفة، حتى قيل: كما ذكر العجلي رحمه الله، لم يسلم من أهل العلم والخير من أهل البصرة إلا رجلان، ولم يسلم من أهل الكوفة إلا رجلان، لعظم تلك الفتنة ولعموم أمرها واستفشاء شرها، حتى عمت بعض الصالحين فضلًا عن غيرهم. فذكر أن ابن ذباب، أبو معدل، جاء إلى عقبة بن عبد الغفار وهو جريح في أحد تلك الخنادق حين وقعت الفتنة، فقال له: «يا عقبة، ينظر ما حالك؟» فقال عقبة: «يا أبا المعدل، لا دنيا ولا آخرة!» أي خسروا الدنيا وخسروا الآخرة. قتل خلق كثير في تلك الفتنة، ووقع شر عظيم، حتى سبكت الدماء فكانت آلاف الآلاف كما ذكر. وهكذا أيضًا انتهكت الأموال، بل وكذلك الأعراب، الشيء العظيم، حتى إن بعضهم قتل، وبعضهم أسر، فقتل، وبعضهم فر. ومن فر، كلما تذكر الفتنة تمنى أن يده شلت أو قطعت، أو نفسه أخذت، ولم يكن قد شارك في تلك الفتنة، لكثرة ما رأى من سفك الدماء ومن سقوط الجماجم، وما كان من شر عظيم يخشى أن يسأل عنه يوم القيامة. وعند ذلك ماذا يكون الجواب؟ فكذلك، عباد الله، كذلك ما يمر بالناس من فتن هي محل عظة وعبرة وذكرى بما مر فيمن كان قبلنا، فإن في ذلك العظة والعبرة. وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حذر عليه الصلاة والسلام من الفتن، وأن يلزم المسلم معها السكون، وكذلك الرفق. قال عليه الصلاة والسلام، وهو يحذر كذلك من الفتن، وأنها إذا أقبلت، فينبغي أن يتقاقل المسلم عنها، وأن لا ينشغل بأخبارها فضلًا عن المشاركة فيها. قال عليه الصلاة والسلام في تلك الفتن: «القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي». كل ذلك، عباد الله، تحذير أن لا يستشرف أحد لتلك الفتن. وذكر عن مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله تعالى أنه ما وقعت فتنة إلا ولم يقبل عليها، ولم يلتفت إلى أخبارها. فقيل: كيف كان يصنع؟ قال: «كان يعتزل الناس، حتى إذا أدبرت الفتنة خرج إلى الناس». خصوصًا، عباد الله، إذا كانت الفتنة فيها سفك دماء، وفيها ما يكون من حقوق يسأل عنها المرء يوم القيامة. فعلى المسلم أن يجتنب جميع الأطراف. ولم يبتَلَ مجتمعنا، بل المجتمعات في هذا الزمن المعاصر، بشيء عظيم ما ابتلي به في هذا الزمان. ومن ذلك البلاء، ومن تلك الفتنة، ما ابتليت به مجتمعاتنا من تسلط أعدائنا علينا، وتفريق جمعنا بتلك الحزبيات المقيتة، التي هي من أعظم أسباب اشتعال الفتن وزيادة نارها وشرها في المجتمعات. فصارت المجتمعات المسلمة متفرقة متمزقة بحزبيات مقيتة ومسميات عديدة. فهذا مؤتمري، وهذا إصلاحي، وهذا اشتراكي، وهذا بعثي، وهذا كذا وكذا. وهذا ربما أتى بمسمى آخر وآخر وآخر، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. تبع هؤلاء ما يريده أعداؤنا من تفريق كلمتنا وتشتيت جمعنا. وعند ذلك يزيد شر هذه الفتن، حتى إن الناس يدخلون في الفتن، فتولد تلك الفتن فتنًا أخرى. تلك المظاهرات التي هي من مطامع الكافرين، ومن وضع أيديهم الخبيثة في مجتمعات المسلمين، تخرج تلك المظاهرات، ربما مظاهرة من هذا المسجد، ومظاهرة من هذا المسجد. فإذا التقت في السوق، فإذا تلك المظاهرة والأخرى تتصارعان. وهذا ولم يصلوا إلى ما يريدون، حصلت المصارعة، وحصلت المنابدة، وحصلت المخالفة. في هذا الواقع المر والأمر ما زال في حداثته، فكيف إذا سبكت الدماء، وربط السيف، وكان عند ذلك ما يكون من الشر؟ فإن الأمر سيكون أعلم وأشد وأشد كذلك شرًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله، الله الله في التمسك بما علمتم مما جاء في كتاب الله، وما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الأمر بالرفق والسكينة، ولزوم ما أمرتم به من التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك السير بسير السلف الصالح، والاستماع لنصائح العلماء الربانيين، الذين في نصائحهم وفي تذكيرهم ما فيه سبب لصلاح العباد وسلامة البلاد. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، والأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ﴾، والأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يصلحنا، وأن يصلح أحوال المسلمين، وأن يلهمنا رشدنا، ويرينا الحق حقًا يرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا يرزقنا اجتنابه. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، نعلم عباد الله أن من أعظم أسباب النجاة من الفتن والسلامة منها أولًا: الحرص على العلم النافع، فإن العلم النافع من أعظم الأسباب التي ينجو بها المسلم من الفتن. ولذلك، عباد الله، ترون أن المجتمعات تتفاوت انغماسًا في الفتن وانخراطًا فيها، بقدر بعدها وقربها من العلم. فكلما أقبلت إلى العلم والعلماء، كان ذلك سببًا لسلامتها، ولكذلك صحة موقفها. ومتى ما كانت معرضةً عن العلم والعلماء، كان ذلك سببًا لوقوعها في الفتن، وأن تكون تلك المجتمعات ضحية الفتن. وقد جاء في ذلك الشيء الكثير، وبعضه ما سمعتم مما تقدم. وهكذا أيضًا من هذه الأسباب التي تنجي المسلم من الفتن وتسلمه من شرها: أن يحرص المسلم خصوصًا في أيام الفتن أن يحرص على الرفق وعلى السكينة، فإن ذلك من أعظم أسباب النجاة من الفتن. فإن الشدة، عباد الله، ليس يكون بها الحل، وليس يكون بها الإصلاح، وليس يكون بها كذلك ما يطمع فيه المسلم من أمر الدين، إن كان صادقًا في ذلك. فإن أكثر تلك الفتن مبناها على أمر الدنيا، كما مر في تلك الإشارة في فتنة ابن الأشعث وغيرها من الفتن الكثيرة، يبتدأ الأمر ويظن أنه يراد به الدين، فإذا في حقيقة أمره إنما هو الدنيا. حتى يتسلط السفهاء، فربما استحلوا الأموال، وانتهكوا كذلك الأعراض، وسفكوا الدماء، بحجة أنهم يريدون الإصلاح، وإذا هم من المفسدين. فكم من أموال انتهكت بغير حق، وكم من أنفس زهقت بغير حق، وهكذا ربما كم من أعراض كذلك تنتهك بغير حق، وكل ذلك من شر الفتن وما تذمره تلك الفتن. وها نحن في واقعنا المعاصر نرى من آثار تلك الفتن ما هو شاهد صدق يبين لنا صحة ما حذرنا منه علماؤنا. فما وقع في بلاد مجاورة هو شاهد حق يبين لكل منصف أن هذه الفتن إذا وقعت، كان فيها تسلط السفهاء، حتى ربما في بعض البلاد انتهكت أسواق كبيرة بأكملها، وكذلك انتهكت بيوت، وأخترطت على نساء أبواب. فكان في ذلك شر عظيم، ولا يؤمن أن يكون مثله في مجتمعنا هذا إذا عمت الفتنة وطار شررها، وانفلتت الأمور. فكان عند ذلك ما يكون فيه الندم حين لا ينفع الندم. ولذلك أمرنا في ديننا بالسكينة والرفق. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق بشيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وهكذا ما تقدم من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم الاستشراف للفتن. ومن الأسباب أيضًا التي ينجو بها المسلم من الفتن: أن يحرص على ملازمة العلم والعلماء، فإن ملازمة العلماء صمام أمان للمجتمع، يكون به حفظ دمائه، وحفظ أمواله، وحفظ أعراضه، بل وحفظ أمنه وحفظ سلامته في عاجل أمره وآجله. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقد سمعتم الآيات في هذا الباب، فإن فيها آية وعظة وعبرة لكل من آمن بالله ربًا، وبرضينا محمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، وبالإسلام دينًا. فإن ديننا يأمرنا بذلك. فالواجب على المسلم أن يستسلم لأمر الله وأمر رسوله، وما جاء به ديننا العظيم دين الحكمة ودين الرحمة، الذي فيه صلاح سبب صلاح الناس في عاجل أمرهم وآجله. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ومن ذلك، عباد الله، أن يحذر المسلم من اتباع السفهاء والجهال، فإن ذلك ربما يكون من أعظم الأسباب التي تكون به الفتن ووقوع الناس فيها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيحين أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من قلوب العلماء، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، وفي رواية: لم يقع عالما، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وهؤلاء هم الذين يضلون في الفتن، رؤوس جهال يضلون ويضلون بما يكون من تلك الفتاوى الزائغة. فربما صار الكثير من الناس يسمع من بعض وسائل الإعلام من علماء السوء ورؤوس الضلال، من يهيج في هذه الفتن تارة بأن ذلك من حقوق الناس، وتارة أن ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتارة من أن هذا من النهي عن الظلم، وتارة أن هذا من أعظم الجهاد في سبيل الله، وأنها بمعنى كلمة حق عند سلطان جائر، وغير ذلك من الشبه التي متى ما عرضت على العلماء، سرعان ما تذوب وتزول، ويتبين الحق ويسقط الباطل. ولكن الناس بإقبالهم إلى علماء السوء ورؤوس الضلال، يكون هلاكهم، ويكون كذلك انخراطهم بالفتن. ومن ذلك، عباد الله، تساقط الناس مع كثرة المجتمع وما هو عليه، فربما صار معيار الحق عند بعض الناس هو الكثرة. فما رأى عليه أكثر الناس، تابعهم، حتى ولو كان أكثرهم من السفهاء والصغار والأطفال وغير ذلك. فربما تتعجب: يخرج في بعض تلك المظاهرات وبعض تلك التجمعات رجل بلحيته، وقد اختلطت لحيته بالشيب، ومع ذلك يرمي الحجارة مع الأطفال، ويشاغب كما يشاغب الأطفال، ويشاغب على الناس بطريقهم، ويؤذي الناس. وهو مع ما هو عليه من سمات الصلاح وسمات الدين، فإن لله وإن إليه راجعون. ولكن الأمر كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فهذا حال من يتبع الأكثرين، ومن يكون ميزانه ميزان الكثرة، فإنه يصير محل عظة وعبرة، حتى إنه يتعجب منه المتعجبون: رجل بهذا الوصف، ومع ذلك ينخرط مع الأطفال. وربما كذلك إمام مسجد، فإذا به يهيج الناس على الخروج في هذه الفتن، وعلى إثارة الفتن في المجتمع، بما يكون بعده الندم حيث لا ينفع الندم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ومن ذلك، عباد الله، أن يحرص كذلك أهل الإسلام على ما علِموا من التوابط الشرعية الصحيحة التي توجب لهم الوقوف عند حدود الله. فإن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات. فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. إذا كان هذا حال الشبهات، فما بالكم، عباد الله، في الحرام البين؟ وانظروا إلى حال أكثر هؤلاء الذين انخرطوا في الفتن، إذا بهم يتعدون الشبهات إلى الحرام البين، فربما اعتدوا على مسلمين مظلومين. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. إن كان من الناس ظالم، وأنت تريد أن تنتصر من الظالم، فما بال هذا المسلم الضعيف الذي حاله مثل حالك؟ ربما عنده عربية يبيع الخضرة، أو آخر كذلك عنده محل يطلب سبب الرزق لنفسه ولأبنائه، وآخر ربما يعمل في البناء. فإذا أنت تتعرض له برمي الحجارة، وإذا أنت تتعرض له بانتهاب ماله، أو سرقة كذلك ما هو لا يجوز لك. وربما بعضهم توسع في هذا الباب، كما أخبرنا في بعض المدن أنهم ربما يقولون: أولًا، هذا الدكان للمسؤول الفلاني، وهذه السيارة لابن المسؤول الفلاني. ثم ثاني يوم، إذا بهم ينتهبون هذا المحل، ويأخذون تلك السيارة، ويقطعون تلك الأراضي، كل ذلك ظلمًا وعدوانًا. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من اقتطع شبرًا من أرض، طوقه من سبع أراضين يوم القيامة». قال بعض أهل اللغة وغريب الحديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم «شبرًا» أراد به القلة، فإن العرب تعبر بالقليل بالشبر. فإذا كان القليل من الأرض، ولو كان شبرًا أو أقل منه، يطوقه يوم القيامة في نار جهنم من سبع أراضين. فما بال هؤلاء الذين يقفزون على أراضي لا تحل لهم في وقت هذه الفتن، فيأخذونها بحجة أنها للمسؤول الفلاني، وأنت لا تدري. والكل لا يدرون، ربما كانت لضعيف من الضعفاء، أو يتيم من الأيتام، أو لأرملة من الأرامل، أو غير ذلك. فتجتمع عليهم ظلمات متعددة متطابقة، بعضها فوق بعض. والله جل وعلا فوقهم. والظلم ظلمات يوم القيامة. أو تلك المطاعم التي انتهبت، أو تلك المواضع الحكومية التي انتهكت، أو تلك كذلك المحلات التي سرقت، أو السيارات التي تسرق، أو تلك النقاط التي جعلت عدوانًا وظلمًا. فإذا بهم يقفون، فينتهبون من كل سيارة مرت خمسة آلاف. فإذا كان هذا، فماذا يتوقع بعد هذا؟ هذا هو بداية الشر، من أن يتسلط القوي على الضعيف، هذا بقوته، وهذا بقبيلته، وهذا بسلاحه، وهذا بقلة دينه. فإذا كان بعد ذلك أمر الفتن أكبر وأشد، فعند ذلك تكون هذه البلاد كغيرها مما وقع فيه حال بعض البلاد المجاورة. يكفينا، عباد الله، عبرة بما وقع في حال إخواننا في الصومال، وفذلك في العراق. فإن الأمور إذا اشتدت وانفلتت، ضاع الأمن، وعند ذلك يكون الشر، ويكون الحسرة والندامة، ولكن حيث لا تنفع الحسرة والندامة. نسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، وأن يوفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. اللهم أصلحنا، وأصلح عبادك المسلمين. اللهم أصلح أمتنا، وولاة أمورنا. واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.