شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 9

شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 9

الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 9، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

افتتاح باب تفسير آية الخيط الأبيض والخيط الأسود

يستهل الشيخ عبد الرحمن بن مرعي العدني بشرح باب قول الله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾، مبيناً أن المراد بالخيطين سواد الليل وبياض النهار مجازاً لا خيطين حسيين حقيقيين.

قصص الصحابة في فهم الآية ونزول ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾

يسرد المقطعان روايتي عدي بن حاتم وسهل بن سعد رضي الله عنهما، حيث فهم بعض الصحابة الأمر ظاهرياً فاتخذوا عقالين أبيض وأسود، فبين النبي صلى الله عليه وسلم المراد، ونزلت عبارة ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ لاحقاً لتزيل الإشكال وتحدد وقت الإمساك بدقة.

تفسير قول النبي «إن وسادك إذن لعريض» والرد على تأويل الغفلة

يناقش الشيخ تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم «إن وسادك إذن لعريض»، موضحاً أن المراد سعة الوسادة لتضم الخيطين (الفجر والليل) لا وصف الصحابي بالغفلة، ويرد فكرة تأخير البيان عن وقت الحاجة مؤكداً أن دلالة الخيطين على الليل والنهار كانت معروفة في لغة العرب.

الحكم الفقهي: تبيّن الفجر علامة دخول وقت الصيام والصلاة

يخلص الشرح إلى أن المراد بالآية هو ظهور ضوء النهار وزوال ظلمة الليل، وأن هذا التبيُّن هو العلامة الشرعية لبداية وقت الإمساك عن المفطرات ودخول وقت صلاة الفجر.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوم يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾. قال فيه البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الباب عقده المصنف رحمه الله لبيان الغاية التي ينتهي عندها جواز الأكل في ليالي رمضان. معلوم أن الفطر يبدأ من غروب الشمس، ثم عقد المصنف رحمه الله هذا الباب لمعرفة الوقت الأخير الذي ينتهي فيه جواز الأكل والشرب وأيضا الجماع. قال فيه البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي فيه حديث البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الحديث المتقدم في الباب الذي قبله في قصة أبي قيس بن أبي أنس. قال: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا همام، قال: أخبرني حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾ عمدت - أو قال: عمدت - إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار». وقال أيضا: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد رضي الله عنه. قال: حدثني سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن مطرف، قال: حدثني ابن حازم، عن سهل بن سعد قال: نزلت ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾ ولم ينزل ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. حديث عدي بن حاتم: يقول لما نزلت ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾ عمدت إلى عقال أسود، والعقال هو الخيط، العقال هو الخيط. يعني لما أنزل الله عز وجل: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾، ظن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن المراد بالخيط على ظاهره، أن المراد بالخيط على ظاهر الآية؛ لأن المراد بالخيط هو الخيط، يعني العقال بمعنى الخيط. فبادر بأخذ خيط أبيض وخيط أسود وجعله تحت وسادته، فجعل ينظر: هل سيميز أين الأسود وأين الأبيض؟ فإذا استطاع أن يميز ينتهي عن الأكل والشرب. أخذ خيطا لونه أسود وخيطا لونه أبيض وجعله تحت وسادة، وجعل قرب الفجر ينظر إليهما: هل يستطيع أن يميز بينهما؟ لأن الله يقول: ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ﴾، ما معنى تتبين؟ أن يتميز وينفصل، يمتاز وينفصل ويبين لكم ويفترق لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قبل نزول الآية - لأنه ظاهر حديث عدي أنه قبل - يعني ظاهر حديث عدي أن قوله ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ قد نزل مع عموم الآية. وهنا تنبيه أشار إليه الشيخ رحمه الله: أن عدي بن حاتم كان إسلامه كما ذكر بعض أهل السير في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة، ومعلوم أن فرض الصيام كان قد فرض في أول البعثة في السنة الثانية من الهجرة. فقوله: «لما نزلت» يعني لا يدل على أنه مشاهدة نزول هذه الآية، وإنما المراد بقوله: «لما نزلت» أي أنه نزلت الآية فلما تليت عليه هذه الآية فهم منها هذا الفهم. وقيل غير هذا: فعدي بن حاتم وجماعته من الصحابة أخذوا بظاهر هذه الآية: ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾، أمدوا إلى خيطين، أحدهم أسود والآخر أبيض، وكما هو معلوم لن يتميز، فليس المراد بالخيط هو هذا الخيط، وإنما المراد بالخيط هو خيط النهار وخيط الليل. قال عدي: أمددت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار». لما ذهب وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعله، أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالمراد بالخيطين: أن المراد بالخيط الأبيض هو بياض النهار، والمراد بالخيط الأسود هو ظلمة الليل. يعني شبه النهار بالخيط والليل بالخيط؛ لأنه في أول الأمر يبدأ ممتدا كالخيط، النهار أول ما يظهر معترضا، ليس هذا الذي يكون يعني مستطيلا، وإنما يكون معترضا أول ما يبدأ النهار، من معترض يكون خيطا خفيفا، فأطلق على النهار في أول بدئه بأنه خيط، وأيضا إذا جاء ضوء النهار فإنه ينجلي ضوء الليل ويكون أيضا خيطا. فقال الله عز وجل: ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾. والحديث الذي بعده حديث سهل بن سعد. حديث سهل بن سعد يقول: نزلت ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾، وقال: ولم ينزل ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾. يعني هذا الحديث أظهر في وقوع - يعني غير المراد في حديث عدي - ليس فيه أن قوله عز وجل ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ تأخر نزوله. فهنا أشكل أكثر، يعني كون الآية نزل فيها ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ ثم يشكل على بعض العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، هذا فيه شيء من الإشكال. لكن حديث سهل بن سعد بين أن قوله ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ لم يكن نزل، فلهذا حصل الإشكال أو حصل الغلط عند بعض الصحابة. قال: ولم ينزل ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، وفي رواية مسلم أنهم وضعوا خيطين أسود وأبيض تحت وسادة. فجمع العلماء بأن بعضهم يكون قد ربط على رجله وبعضهم وضع تحت وسادته، وذكر غير هذا. قال: لم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾، فعلم أنه إنما يعني الليل والنهار. في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم: «إن وسادك إذن لعريض»، وفي رواية: «إنك عريض القفا». ولهذا اختلف أهل العلم في المراد في ذلك: ما معنى «إن وسادك إذن لعريض» أو «إنك عريض القفا»؟ فمنهم من قال بمعنى: أنك كثير النوم، ومنهم من قال بمعنى: الغباوة والغفلة. «إنك عريض القفا» يعبر بهذا اللفظ عن الغفلة وعن الغباء وعدم الفطنة. هكذا ذهب بعض أهل العلم، ورد ذلك جماعة من العلماء المحققين كالإمام القرطبي والإمام الحافظ ابن كثير رحمهم الله تعالى وغيرهما من أهل العلم. وهذا جدير بالرد: أن يكون المراد بقوله «إنك عريض القفا» أو «إنك عريض الوسادة» بمعنى الغفلة وعدم الفطنة، ليس مرادا. لماذا؟ لأنه قد جاء في الحديث: «إن وسادك إذن لعريض إن كان الخيط الأبيض وعن الخيط الأسود تحت الوسادة»، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن الخيطين الذين عناهما الله سبحانه وتعالى إذا كنت تظن أنهما تحت الوسادة، والمراد بهما خيط يعني الفجر وخيط الليل، فهذا يدل على أن الوسادة ضمت المشرق والمغرب، لهذا قال: إنك عريض الوسادة». وأيضا قوله في الرواية الأخرى: «إنك عريض القفا» بهذا المعنى: إذا كان الوسادة عريضة فأيضا القفا يكون عريضا، القفا الذي يوضع على الوسادة. فهذا من السعة، وهذا قول منكر ومردود أن يكون أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله «إنك عريض القفا» أنه أراد أن يصفه بالبلادة أو قلة الفطنة والغفلة. ليس هذا هو المراد، كما دل على ذلك رواية البخاري: «إن وسادك إذن لعريض إذا كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك»، وأيضا في الرواية الأخرى. فهذا هو المراد يعني بقوله «إنك عريض القفا» أو «إنك عريض الوسادة». في ذا قال قائل: إن هذا من تأخير البيان عن وقت الحاجة. إن هذا من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو قوله عز وجل: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾، الخيط الأسود قبل نزول ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾. أجاب العلماء، منهم ابن العربي في كتابه أحكام القرآن وغيره، بأن المراد من قوله عز وجل: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾ هذا ظاهر لكثير من العرب، وإنما لم يعرف المراد بعض العرب، وإلا العرب بلغتها تعرف أنه يعبر عن النهار بأنه خيط، وعن الليل بأنه خيط. ولهذا لم يستشكل هذا عامة الصحابة، وإنما استشكل هذا بعض الصحابة، فهذا ليس من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن البيان موجود في الآية قبل نزول قوله سبحانه وتعالى ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾، لكن بطريق من الدلالة قد تكون خفية على بعض العرب. الحاصل من هذا الباب: أن قوله عز وجل: ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ المراد به ضوء النهار وذهاب ظلمة الليل. إلى هنا والحمد لله. اشتركوا في القناة