الخطبة بعنوان الصلاة وأهميتها، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
الصلاة هي عمود الإسلام وأول ما يُحاسب عليه العبد، وتركها عمداً من أعظم الكبائر وإثمها أكبر من إثم القتل والزنا. المحافظة عليها في أوقاتها تجلب الجنة والفردوس، بينما التهاون بها يؤدي إلى عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة.
يجب على الآباء أمر أبنائهم بالصلاة من سن السابعة وضربهم عليها في العاشرة، اقتداءً بالوحي النبوي. هذه الرعاية تُعد وقاية للنفس والأهل من نار الآخرة وتجعل الصلاة نوراً ومانعاً من الفحشاء.
اختتم الخطيب بدعاء أن يجعل الحاضرين من مقيمي الصلاة والصالحين المتقين، سائلاً العلم النافع والعمل الصالح. ثم نبه إلى أن القيام للصلاة لا يكون إلا بعد انتهاء الخطبة كاملة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الصلاة وأهميتها، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الصلاة ميزانها عظيم، ومكانتها عالية عند الله رب العالمين، فهي عمود الإسلام، وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، نور في الدنيا وذخر في الآخرة، وعون على مشاق الحياة، ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾، ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾. وهكذا عباد الله هي شعار النبيين ومحل عنايتهم، كما قال الله عز وجل عن جماعة من الأنبياء: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل عن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾. وهكذا يقول ربنا: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل عن إسماعيل: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل عن عيسى أو عن موسى عليه السلام: ﴿ قَالَ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾. ويقول الله عز وجل عن عيسى: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾. وهكذا يقول الله عن زكريا: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴾. وهكذا يقول الله تبارك وتعالى آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾، وقال له: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ﴾. وهكذا آيات في كتاب الله سبحانه وتعالى فيها العناية بشأن الصلاة والحث عليها والترغيب فيها، فهي الصلة بين العبد وبين ربه، وهي المحبوبة عند الله تبارك وتعالى، فرضها على نبيه وعلى هذه الأمة بدون واسطة في أعلى مكان ممكن أن يصل إليه البشر فوق السماوات العلا. وللأسف الشديد خف ميزانها وقل اهتمام كثير من الناس بها، فلم تكن قرة لأعينهم ولم تكن محلا لاهتمامهم، فمنهم من ترك الصلاة بالكلية، ومنهم من يصلي ويخلي، ومنهم من يترك الصلوات الخمس ثم يصليها في وقت واحد عند تفرغه، ومنهم من يترك الصلاة طيلة الأسبوع ويكتفي بصلاة الجمعة ويظن أنه بذلك من المحسنين، ومنهم من يفرط في الإتيان بشرائطها وفعل واجباتها والمحافظة على أركانها، ومنهم من يتهاون في أوقاتها. هكذا عباد الله، هكذا حال كثير من الناس للأسف الشديد مع هذه العبادة الجليلة وهذه الفريضة الأكيدة التي هي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة، كما روى الإمام أحمد من حديث رجل من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة صلاته، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كانت ناقصة قال الله للملائكة: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملوا ما نقص من فريضته، ثم الزكاة مثل ذلك، ثم يؤخذ سائر العمل على ذلك»، والحديث صحيح. نعم عباد الله، الواجب علينا جميعا أن نهتم بهذه الصلاة، وأن نحذر من التهاون بها وتركها، وأن نعلم أن جماعة من أهل العلم ذهبوا إلى أن من ترك الصلاة أنه كافر برب العالمين بدون تفصيل، وأنه يعامل معاملة الكفار في الدنيا، فلا تؤكل ذبيحته، ولا يزوج لبنات المسلمين، ولا يرث من قريبه المسلم، ويجب مقاطعته ومصارمته وهجره، وهكذا إذا مات وهو مصر على ترك الصلاة فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث منه أقرباؤه من المسلمين. هكذا ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، لكون ظواهر الأدلة من القرآن والسنة قد تؤيد هذا القول الذي ذهب إليه جماعة من العلماء، كقول الله عز وجل: ﴿ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَخَابَثُونَ مَعَ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُونَ لَهُم مَّا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾، فاعتذروا وذكروا السبب أنه بسبب ترك الصلاة. وهكذا يقول الله: ﴿ فَإِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾. ويقول الله في شأن أهل النار: ﴿ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ ﴾. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾، مفهوم الآية أنه لا يخلّى سبيلهم إذا لم يقيموا الصلاة. وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». وهكذا يقول الله: ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾، مفهوم الآية أن الأخوة تنقطع إذا لم يقيموا الصلاة. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في مسلم من حديث جابر: «إن بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة». ويقول كما في المسند والسنن أو بعض السنن من حديث بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». هكذا يقول عليه الصلاة والسلام: «فمن تركها فقد كفر». فلهذا تقرر عند العلماء أن ترك الصلاة من أكبر الذنوب وأعظم الكبائر، وأن الإثم عند الله تبارك وتعالى بترك الصلاة أعظم من إثم القتل، وأعظم من إثم السرقة، وأعظم من إثم الزنا والخيانة وشرب الخمر وغير ذلك من أنواع الكبائر. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعتني بها ويهتم بها حتى في آخر حياته، في أنفاسه الأخيرة، وهو يقول: «الصلاة وما ملكت أيمانكم»، أغمي عليه عليه الصلاة والسلام، فلما أفاق قال: «هل حضرت الصلاة؟» قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «مروا بلالا فليؤذن»، إلى آخر الحديث. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة، فإذا ذهب آخر الشيء كان دليلا على ذهاب جميعه، لا يذهب آخره إلا إذا ذهب جميعه». ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وطر أهله وماله»، الذي تفوته صلاة العصر كأنما وطر أهله وماله، أي كأنما أصيب بفقد أهله وماله، صلاة واحدة. عباد الله، من الصلوات من تركها تهاونا ومتعمدا فكأنما أصيب بفقد أهله وماله. تصور وتأمل عباد الله في رجل كان منعما في ماله مسرورا بين أهله وأولاده، وفجأة أصيب بحادث فقد فيه ماله وفقد فيه أهله وأولاده، كيف يكون حاله؟ لا شك أن الناس يرحمونه ويواسونه ويتعاطفون لآلامه. فكيف بالذين يتركون الصلاة ويتهاونون فيها ولا يهتمون بها؟ للأسف الشديد نرى كثيرا من الناس من لا يكترث ولا يهتم ولا يبالي بهذه المصيبة، ولا يقدمون العزاء لهؤلاء الذين يتهاونون في هذه العبادة العظيمة وهذه الفريضة الكبيرة. الذي تفوته صلاة العصر كأنما وطر أهله وماله، يعيشون في ظلمة وحسرة وندامة، ويخسرون سعادة الدنيا والآخرة، السعادة في الدنيا والآخرة معلقة على هذه الصلاة والمحافظة عليها. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ ﴾. ويقول الله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. نعم عباد الله، فالواجب علينا جميعا أن نهتم بهذه العبادة، وأن نعتني بأمر شرائطها وأركانها، وأن لا نهملها، وأن لا نتساهل في أدائها في أوقاتها، فإن الله سبحانه وتعالى جعل للصلاة وقتا معلوما، ويعتبر وقتا من شروطها، لا يجوز أن يتقدم بالصلاة قبل وقتها، ولا يجوز أن يؤخر عن وقتها بغير عذر شرعي كالسفر، فلا بأس أن يجمع بين الصلاتين لعذر السفر، أما لغير ذلك فلا يجوز إذا لم يكن هناك عذر شرعي. ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾، سماهم الله مصلين، لكن لما تهاونوا في أدائها في أوقاتها توعدهم بالويل وهو العذاب الشديد. وقال الله عز وجل: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَن تَابَ ﴾، ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾، توعدهم الله سبحانه وتعالى بالغي وهو الخسران المبين. وروي عن ابن مسعود أنه قال: «غي واد في جهنم بعيد قعره، خبيث طعمه ورائحته». ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾. الحامل لكثير من الناس على التهاون في شأن الصلاة إما أن ينشغل بعمل من أعمال الدنيا من بيع أو شراء، أو بعمل وظيفي، أو بعمل بدني من زراعة أو عمل أو نجارة، وبعضهم تهاون في الصلاة لأجل لهو ولعب وسهر على الدشوش والتلفزة والقراءة في تلك المجلات الهابطة والخليعة. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾. ذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾، ذكر الله في هذه الآية هي الصلاة الخمس، ﴿ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾. وهذا من المحرومين الذي يتهاون في أداء هذه العبادة لأجل زراعة أو لأجل وظيفة أو لأجل تجارة أو لأجل حطام من حطام الدنيا، وأعظم من ذلك لأجل لهو ولعب ولأجل انشغال واهتمام بكرة أو بأنواع اللهو الأخرى، فهذا يعتبر من الخاسرين بنص هذه الآية الكريمة. فع علينا عباد الله أن نعرف لهذه الصلاة قدرها، وأن نعظمها حق تعظيمها، وأن نحمد الله سبحانه وتعالى إذ وفقنا إلى أدائها، وأن نحرص على دعوة الآخرين إلى أدائها. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾. في هذه الآية الكريمة ينادي الله سبحانه وتعالى بنداء الإيمان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، الإيمان الذي هو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، هذا الإيمان الذي يحمل أصحابه على امتثال الأوامر واجتناب النواهي والمسارعة إلى مرضاة الله تبارك وتعالى. وكثيرا ما ينادي الله عز وجل عباده في كتابه الكريم بنداء الإيمان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾، اتخذوا وقاية بينكم وبين عذاب الله سبحانه وتعالى، ﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾. نحن في الدنيا نتقي حر الشمس بلبس النعال، ونتقي البرد بالملابس المهيئة للبرد، ونتقي الحر كذلك، ونتقي الأعداء باتخاذ الحصون والقلاع والاستعداد بالجنود والأسلحة، وهكذا في أمور الدنيا تتقى الشرور والمفاسد بما يناسبها. أما نار الآخرة، وأما الاحتراز من عذاب الله وتجنب سخط الله تبارك وتعالى، لا يكون بالوظائف، ولا يكون بالأموال، ولا يكون بالأولاد والعشائر والقبائل، ولا يكون بالأنساب، ولا بشيء من أمور الدنيا، وإنما يتقى عذاب الله تبارك وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه والمسارعة إلى مرضاته. فالله عز وجل يأمرنا في هذه الآية الكريمة فيقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ ﴾، ابدأوا أولا بوقاية أنفسكم من شر هذه النار الحارة، وهذه النار العظيمة المزعجة، ﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ ﴾، احرص يا عبد الله على امتثال أوامر الله والمحافظة على الواجبات والتخلي والبعد عن المعاصي والمحرمات، احرص قبل كل شيء على صلاح نفسك، تفقد نفسك: كيف أنت مع أوامر الله؟ كيف أنت مع نواهي الله سبحانه وتعالى؟ ثم بعد ذلك يكون الالتفات إلى الأسرة، يكون الالتفات إلى الأهل، يكون الالتفات إلى الأقارب، تكون العناية بالجيران والأصدقاء، ﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾، هكذا أمرنا الله تبارك وتعالى. فالله الله عباد الله بتفقد الأسر والحرص على صلاح الأولاد، فإن من صفات عباد الله المؤمنين أنهم يحرصون على صلاح أزواجهم وصلاح ذرياتهم، كما قال الله سبحانه وتعالى في صفة عباد الرحمن: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾. فاحرصوا عباد الله على توجيه العسر، وعلى العناية بالأولاد، وعلى إعانة هؤلاء الأقارب على طاعة الله سبحانه وتعالى، فإنك مسؤول يوم القيامة عن نفسك، ومسؤول عن زوجتك، ومسؤول عن أولادك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، والأمير راعٍ ومسؤول عن رعيته، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». الله الله عباد الله بتفقد الزوجة والأولاد والأقارب ومن جعلهم الله سبحانه وتعالى تحت الولاية والمسؤولية، في شأن هذه العبادة وهذه الفريضة التي تعتبر من أعظم أركان الإسلام، وهي عمود الإسلام، عمود الإسلام لا يقوم الإسلام إلا بوجود هذا العمود، كما أن البيت لا يقوم إلا على أعمدة، فإذا ذهبت هذه الأعمدة سقط البيت، وكذلك بالنسبة للإسلام فإنه يقوم على عموده وهو الصلاة، فإذا ذهبت الصلاة سقط الإسلام من هذا العبد. فالله الله بتفقد الأولاد وإعانتهم على طاعة الله، وهكذا الزوجات. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». احذروا أن يكون هؤلاء الأولاد كحال كثير من الفجرة والفسقة والسفهاء الذين لا يبالون بأمر الصلاة، كثير من الناس من يدعي الإسلام وهو لا يصلي ولا يعرف طريقا إلى المسجد ولا يعرف سبيلا إلى هذه الطاعات وهذه المكرمات. فالطفل ينشأ على ما عوده عليه أبوه، إذا عناه وعوده على طاعة الله فإنه ينشأ عليها ويتعود لها ويتمرن عليها، هكذا تكون المسؤولية من قبل الأبوين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فالطفل أول ما ينشأ هو قابل لهذه الفطرة، فطرة الإسلام، وعنده القابلية للصلاح والاستقامة إذا وجد أبوين صالحين يعينانه ويأمرانه بطاعة الله تبارك وتعالى، أما إذا وجد الإهمال، تجد الرجل محافظا على الصلاة، ينادي المنادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح، يهب إلى المسجد ويترك أعماله، في الوقت نفسه يهمل أولاده في البيت، يا ليس الأمر يقتصر على ترك صلاة الجماعة فقط، لكن بعضهم لا يصلي بالكلية. وهكذا تهاون من قبل البنات في البيوت إذا حصلت الغفلة من قبل الأم. فالواجب علينا جميعا أن نهتم بأولادنا في شأن الصلاة، الصلاة تعينهم على طاعة الله، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾. وحينما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: «إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق»، إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، قال: «إنه سينهاه ما يقول». من عرف قيمة هذه الصلاة وأدّاها على الوجه الذي يحبه الله تبارك وتعالى فإن هذه الصلاة تعينه على ترك المنكرات وتسهل له فعل الطاعات، قال: «إنه سينهاه ما يقول». وفي هذا كما تقدم يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾، تستنير بها قلوبهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بشأن الصلاة: «والصلاة نور»، نور في القلوب وإشراق في الصدور، ونور في الدنيا، ونور في القبر، ونور في المحشر، ونور على الصراط، الصلاة نور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فاحرصوا عباد الله على إعانة الأولاد، ﴿ مُرُوا أَوْلَادَكُم بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ ﴾، تأمره وتتابعه وهو بعد بلوغه السابعة من دون ضرب، من دون ضرب، مهما هرب ومهما تفلت ومهما قصر فلا يضرب على الصلاة قبل بلوغه العاشرة، ﴿ مُرُوا أَوْلَادَكُم بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ ﴾، بعد أن يتم العاشرة يضرب على التهاون بها والهروب منها والتفريط فيها والإهمال لها، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أسر الله عز وجل، نجعلنا وإياكم من مقيمي الصلاة، ونجعلنا وإياكم من عباده الصالحين المتقين المهتدين الذين سلك بهم صراطه المستقيم، وأسر الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح. ونبه أن القيام لا يكون إلا بعد انتهاء الخطبة كاملة، لا يكون القيام للصلاة إلا بعد انتهاء الخطبة كاملة. وفق الله الجميع لما يحبه يا رب، والحمد لله.