الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تتناول الآيات أحكام معاملة المؤمنين للكافرين، حيث يُستثنى من المعاداة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجهم من ديارهم. كما يُشجع على العدل معهم.
يشرح كيفية معاملة الكفار والمشركين بالعدل والإحسان إذا لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم، مع إعطائهم فرصة للهداية. هذا يشمل معاملة من لم يشارك في القتال بالبر والقسط.
يناقش التفريق في معاملة الكفار بناءً على مشاركتهم في القتال، ويجوز الاستعانة بهم عند الحاجة مع الالتزام بالشروط والضوابط الدينية. هذا يحقق السلامة والعدل الذي يحبه الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، والله قدير، والله غفور رحيم، لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون. قال المفسر رحمه الله: عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم من كفار مكة طاعة لله تعالى مودة، بأن يهديهم للإيمان فيصيروا لكم أولياء، والله قدير على ذلك، وقد فعله بعد فتح مكة، والله غفور لهم ما سلف، رحيم بهم. لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم من الكفار في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم، بدل اجتمال من الذين، وتقسطوا تقضوا إليهم بالقسط، أي بالعدل، وهذا قبل الأمر من جهادهم، إن الله يحب المقسطين العادلين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ديارهم من دياركم، وظاهروا عاونوا على إخراجكم أن تولوهم، بدل اجتمال من الذين، أي تتخذوهم أولياء، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات من سورة الممتحنة، والتي فيها من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة فيما يتعلق بمعاملة المؤمنين للكافرين، وقواعد المحبة والبغض والولاء والبراء. ولما ذكر الله عز وجل في أول الآيات ما يجب من معادات الكافرين المقاتلين للمؤمنين، وما لا يجوز من المودة والمحبة ولو كان أقرب قريب، ناسب أن يذكر بعد ذلك سبحانه وتعالى، وهو الحكم العدل، ما يستثنى حتى لا يسوى بين الجميع، وحكمهم مختلف. فقال الله عز وجل: ﴿عَسَى الله أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾، وهذا تمهيد لما بعده، وتدرج في الأحكام، وهذا من بلاغة القرآن. وكأنه يقول سبحانه وتعالى: ما ذكر من أحكام سابقة لا ينبغي أن يبالغ فيها، فينبغي أن يسلك مسلك العدل، وينبغي أن يلتزم بحدود الشرع، ومن ذلك أن تكون في حدود المأذون، لا يتعدى ذلك، فإنه قد يكون هذا الكافر غدًا مسلمًا مؤمنًا، فينبغي أن تعينه أولًا على ذاك الإسلام والإيمان، فتجعل له سبيلًا للرجعة. كما قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم حين أمره بهجر الكافرين المشركين، وهجرهم هجرًا جميلًا، الهجر الجميل الذي يكون فيه تأدية ما أوجب الله في هذا الهجر، مع إعطاء خط رجعة لهذا المهجور أن يرجع إلى الحق. إذا رأى منك العدل والإنصاف والوقوف عند حدود الله، يعلم أنك لم تهجره تشفيًا ولا انتصارًا للنفس، ولا تعاليًا، ولكن لله سبحانه وتعالى، فإذا علم أنه لله، متى ما أراه الله الحق فإنه سيخضع وسيرجع، لأنه علم أنك لم تتشفى لنفسك، ولم تتعالى على أحد لأغراض وحظوظ، بل كان الأمر لله. وهذا قد عاد إلى الله، فسيرجع، سيرجع. وجاء في حديث أبي هريرة وابن عمر، وجماعة من الصحابة، في مسند الإمام أحمد، في السنن، بإسناد حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما، وأحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما». وهذا الحديث حديث عظيم يدل على هذا الأصل، كذلك، فيكون في هذه الآية تأكيد للعدل الذي يجب بمعاملة المشركين المقاتلين، وهم مقاتلون، ومع ذلك أمرنا الله عز وجل بلزوم العدل، وإعطائهم ما يعينهم على الرجوع إلى هذا الدين والحق الذي يحبه الله عز وجل للناس أجمعين. وهذا هو قول سبحانه: ﴿عَسَى الله أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾. قال المفسر رحمه الله: من كفار مكة، والآية عامة، صحيح نزلت بكفار مكة، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فكما يعامل كفار مكة، وأمر الله المؤمنين أن يعاملوهم بما يعينهم على الرجوع إلى دين الله عز وجل، وهم قاتلوا المؤمنين، وآذوهم الأذية التي لا تخفى، ومع ذلك يذكرهم الله في هذه الآية بأن يعطوا لهؤلاء فرصة، لعل الله أن يهديهم. ولهذا قال: ﴿مَوَدَّةً﴾، قال المفسر رحمه الله: بأن يهديهم للإيمان فيصير لكم أولياء. كما قال الله عز وجل مذكرًا للمؤمنين بعدما كان بينهم من العداوة والبغضاء: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، وهكذا كذلك إذا كان هذا في حق المهاجرين والأنصار، فكذلك في حق مشرك قريش، وكل كافر ومشرك وملحد، ينبغي أن يكون عند أهل الإيمان هذا الأصل، وهو أن نعطيهم الفرصة لعل الله عز وجل أن يهديهم، ويردهم إلى الحق، الرد الجميل. وهذا هو الهجر الجميل الذي أمر الله عز وجل به، إذن حين نهى الله عن موالاة الكافرين، وكذلك أن لا تكون لهم محبة، لا يعني ذلك أن يكون من الجفاء الذي يحصل به التشفي والانتصار للنفس، ولكن معاملة تقتضي عدم الدنية في الدين، هذا هو المقصود، لا تكون دنية لأهل الدين والإيمان مع الكافرين المقاتلين. وقوله: ﴿وَالله قَدِيرٌ﴾، قال: على ذلك، وقد فعله بعد فتح مكة، يعني في حق كفار قريش، فكذلك والعبرة بعموم لا بخصوص السبب، مع كل كافر ومشرك وملحد، الله قدير أن يهديه سبحانه وتعالى. وكم من إنسان كان عدوًا لدودًا للمسلمين، فيهديه الله عز وجل، وفي تاريخ البشرية إلى يومنا هذا من القصص والعبر الشيء الكثير. ومن آخر تلك القصص والعبر ذاك الرجل الهولندي الذي كان يسب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويسيء إليه، هداه الله عز وجل للإسلام. في البداية استخدمه الكفار لما عنده من مهنة وحرفة، وانجرى وتجار معهم، ولكن بعد أن رأى ما كتب في حقه، وما نشر في حق النبي صلى الله عليه وسلم، دفعه ذلك أن يقرأ عن الإسلام بجد وصدق، وقرب، فلما قرأ عن قرب هداه الله عز وجل للإسلام، فأسلم، وأسلمت أسرته، وهاجر من بلده الكافر بعد أن كان عدوًا لدودًا للمسلمين. وكان أهل الإسلام يبغضونه بغضًا شديدًا، صار يدافع عن المسلمين، ويدافع عن الإسلام، ويدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام. انظر كيف غير الله عز وجل حال هذا الإنسان، وفي الناس قصص وعبر كثيرة مما يدلنا على صدق ما أخبر الله عز وجل: ﴿عَسَى الله أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَالله قَدِيرٌ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله: ﴿وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال: لهم ما سلف، لأن الإسلام يجب ما قبله، وهكذا ينبغي دائمًا المسلم إذا تكلم بالكلام العام والخاص، يذكر الكافر مع عداوته، إن هداه الله للإسلام، فإن الإسلام يجب ما قبله، حتى يعينه ذلك ماذا للتوبة والرجوع في الإسلام. وهكذا صاحب الذنوب والمعاصي، تحذره من الذنوب والمعاصي، ثم تقول: والتوبة تجب ما قبلها، حتى يعينه ذلك أن يتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ الله عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، هذا تدرج، وهذا من بلاغة القرآن، وعظمة كلام الرحمن سبحانه وتعالى. انظر كيف يتدرج بالأحكام، بدأ بالكفار المقاتلين أن يكون في حسباننا يومًا من الأيام أن يهديهم الله سبحانه وتعالى، فنعاملهم معاملة عادلة تعينهم على الرجوع إلى الله والدخول في دين الإسلام. ثم انتقل للكفار غير المقاتلين، ولو كانوا من أبناء وذرية المقاتلين، فإنهم يعاملون معاملة أخرى، ليس كما يعامل المقاتلون، وهذا هو قوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ الله عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. هؤلاء هم من كان من غير المقاتلين، ولو كانوا من ذرية وأبناء وأزواج وأهل المقاتلين، لأنهم لا دخل لهم بظلم أولئك المقاتلين من الكفار، كالنساء والأطفال والضعفة، ومن لم يشارك الكفار المقاتلين في قتالهم. فينبغي أن يكون هؤلاء معاملتهم مختلفة، لأننا نرجو منهم ما لا نرجوه من ذاك المقاتل، إذا أمرنا الله أن نجعل في حسباننا مع الكافر المقاتل ما يعينه على التوبة والرجوع إلى الله والدخول في دين الإسلام، فكيف بمن لم يقاتل؟ فإنه من باب أولى أن يكون في الحسبان مثل هذا، ولهذا أخبرنا الله أنه لا ينهانا أن نعامل هؤلاء من البر والقسط، أي العدل، ما يعينهم على حب هذا الدين. وهذا هو المقصود من هذه الآية، فإذا كان هذا في أبناء وذراري المقاتلين ممن لم يشارك في القتال كالضعف ونحوهم، فمن لم يقاتل أصلا ولو كان من الكفار، فإن له معاملة ماذا أخرى تختلف. اليهود بالجملة أعداء المسلمين، لكن اليهود الذين قاتلوا ليس كاليهود الذين ماذا لم يقاتلوا. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم فرق في معاملة اليهود، أجلَى بني النضير كما تقدم معًا، وقتل من نقض بعد ذلك، ففرق في الأحكام، وترك قومًا آخرين من اليهود، وكلهم يهود، لكنه فرق في معاملة هؤلاء اليهود كل فئة بحسب عملها، كل فئة بحسب عملها. بل لما أمر بقتل مقاتلتهم، لم يأمر بقتل الصبيان، ولا النساء، ولا الأطفال، ولا الضعفة، وهذا من عدل الإسلام، وهذا من عدل الإسلام. وقوله: ﴿وَتُقْسِطُوا﴾، قال: تقضي إليهم بالقسط، أي بالعدل، وهذا قبل الأمر بجهادهم، والصحيح أن هذا قبل وبعد، قبل وبعد، ولكن لمن لم يقاتل المؤمنين، سواء كان من ذراري وأبنائي، وضعفة المقاتلين، أو كانوا ممن لم يقاتلوا أصلا، كما ذكره ابن كثير، ابن جرير، وغيرهم من أهل العلم، روي عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، أي العادلين، والمقسط من العدل، بخلاف القاصط، فإنه الخارج عن العدل، وفعل هذا رباعي، وفعل ذاك ثلاثي، وهذا كذلك من دقة اللغة العربية، وما فيها من بيان وبلاغة، فتشابه الألفاظ أحيانًا لا يعني تشابه المعاني. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾، الآية، هذا الحصر لتأكيد ما تقدم من التفريق في معاملة الكفار، وأنهم ليسوا جميعًا سواء. فالذين قاتلوا ليسوا كالذين لم يقاتلوا، والذين أخرجوا ليس كالذين لم يخرجوا، والمراد بهم قوم قريش، ولكن الآية عامة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهذا يقتضي أن يكون معاملة هؤلاء أولًا من جهة العدل، وجزاء سيئة سيئة مثلها، ومن جهة الحذر، فالفئة التي عرفت بالبغي والعدوان والظلم، ينبغي أن يحذر منها ما لا يحذر من غيرها من الفئات الأخرى. فمثلًا اليهود فرق، ويعرف أهل الإسلام أن من فرق اليهود من هم أشد ظلمًا وبغيًا وعدوانًا، فهؤلاء يكون الحذر منهم أشد، ومن تحقق منهم ذلك الظلم، فالعدل أن يعاملوا بالمثل، بخلاف الفرق الأخرى، ولو كانوا من اليهود مثلًا، ولكن لم يكن منهم مثل ما كان من غيرهم، فإن العدل يقتضي التفريق في معاملتهم. وهذا من عدل أهل الإسلام، وانظر إلى هذا القيد الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية. وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَالِمُونَ﴾، يعني أمثال هؤلاء لا يجوز أن يتولاهم الإنسان، والتولي غير الموالاة، فهناك تولي وهناك موالاة، لا يوالى الكافر إذا كان حربيًا، وظهر منه ما ظهر. وإذا لم يكن كذلك، واحتيج إليه، فإنه قد يكون بيننا وبينه عهد وميثاق في حدود، أو يستعان به في حدود، ولا يعني ذلك أن يتولى، فيتعدى المأذون إلى الممنوع، فيتعدى المأذون إلى الممنوع. يجوز مدارات الكافر اتقاء شره، ولكن لا يجوز مداهنته، ويجوز معاملة الكافر إذا احتيج إليه، لكن لا يجوز التنزل له، فلا نعطي الدنية لديننا. ويجوز كذلك الاستعانة بالكافر إذا احتيج إليه، ولكن ليس على حساب الدين والعقيدة، فكل شيء له شروط وضوابط في دين الإسلام. فإذا أخذنا بهذه الشروط والضوابط، سلمنا الله عز وجل، ووفقنا للعدل الذي يحبه الله. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.