شرح العقيدة الواسطية للهراس 66

شرح العقيدة الواسطية للهراس 66

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 66، الدرس السادس والستون:(وقوله وجوه يوميذ ناظرة *إلى ربها ناظرة ... يقال نظرت إليه وأبصرته بمعنى ومتعلق النظر هو الرب جل شأنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

يتناول إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى يوم القيامة بالدليل من القرآن والسنة، والرد على من نفاها. يُظهر أن العقل لا ينفي ما أثبته الوحي.

تفسير الآيات الدالة على الرؤية والرد على المعترضين

يُفسر الآيات الدالة على إثبات الرؤية ويرد على المعتزلة والأشاعرة الذين نفوا أو شككوا في الرؤية، موضحًا أن النظر إلى الله تعالى بمعنى الإبصار.

الفرق بين الرؤية والإدراك وتوضيح معنى الرؤية

يشرح الفرق بين الرؤية والإدراك، ويبين أن الرؤية ثابتة في الآخرة وليست ممكنة في الدنيا، مع مناقشة آراء المخالفين.

تتمة الكلام عن الرؤية واكتمال الدرس

يتم الإشارة إلى اكتمال الدرس فيما بعد مع ترك بعض التفاصيل للدرس اللاحق، مع الاعتماد على مشيئة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقوله ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾، وقوله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقوله ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. قال: وهذا الباب في كتاب الله كثير، من تدبر القرآن طالبا للهدى منه تبين له طريق الحق. أورد رحمه الله تعالى هذا المبحث، وهذه المجموعة من الآيات ليشير رحمه الله تعالى إلى مبحث آخر من مباحث الصفات، وهو إثبات النظر إلى الله جل وعلا، على ما يليق بجلال الله وعظمته، خلافا لما نفاه عنه أهل التعطيل من جهمية، وهكذا كذلك معتزلة، وكل من وافقه وأشعره وما تابعهم، فإنهم ينفون معنى النظر على الوجه الذي أثبتته أدلة الكتاب والسنة، كما سيأتي. وهذه الآيات كما نرى هي شيء مما جاء في الكتاب، ولهذا قال: وهذا الباب في كتاب الله كثير، يعني مما فيه هذا المعنى. فذكر الآية الأولى، وسيأتي معنا إن شاء الله من كلام المؤلف ما يتعلق بها. ولكن المراد التنبيه هنا إلى وجه الاستدلال بها، وهو أن فيها إثبات رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا. فأثبت في الأول النظارة، وهو من النعيم، وأثبت النظر، وهو من الرؤية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ومثله في الآية التي بعدها النظارة من النعيم، وبمعناه ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾، وهذا نوع من النعيم كذلك لأهل الجنة ينظرون، من النظر، وهذا معنى من معاني الآية الأولى. وهكذا كذلك ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وهذا من النعيم، وزيادة وهو النظر إلى وجه الله، كما سيأتي، وقد جاءت فيه آثار كثيرة. وهكذا كذلك ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. وإذا تأملت هذا المعنى، صار في هذا الباب معنى موجود في آيات كثيرة، أي أن أهل الجنة يكرمون بكرامتين: كرامة الجنة، وبعدها كرامة النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وبهذا لا يشكل عليك قوله رحمه الله: وهذا في كتاب الله كثير، من تدبر القرآن طالبا للهدى، يعني وجد هذا المعنى كثير، كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إلى بعض ذلك. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى آخِرِهِ﴾، هذه الآيات تثبت رؤية المؤمنين لله عز وجل يوم القيامة في الجنة. وقد نفاها المعتزلة، بناء على نفيهم الجهة عن الله، لأن المرء يجب أن يكون في جهة من الرائي. وما دامت الجهة مستحيلة -يعني في زعمهم- وإلا فأدلة الكتاب والسنة أثبتته، ولا مانع لإثباته، ما دام أن القرآن أثبته والسنة أثبتته. وليس كل ما نفاه العقل فهو منفي، لأن العقل يصيب ويخطئ، والعقول تعرف الصواب بالوحي. وهذا من حكمة الله عز وجل في إرسال الرسل وإنزال الكتب. وإلا لو كان العقل يستقيم بنفسه، ما كان حاجة لإنزال الكتب ولا إرسال الرسل ولا جعل الشرع والدين. فإذا كان هكذا، فإذن يجب أن تقام العقول على وفق شريعة الله، لا على ما تهوى وتشتهي. ولهذا يقال: المستحيل هو قولكم، لأن معناه ولازمه تعطيل الرب سبحانه وتعالى. فلا يعرف شيء، لا يرى إلا العدم، العدم هو الذي لا يرى، والعدم هو الذي لا تثبت له صفة. وهؤلاء شبهوا الرب جل وعلا -تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا- بالعدم. قال رحمه الله: واحتجوا من النقل بقوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وقوله لموسى عليه السلام حين سأله الرؤية ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني. وأما الأشاعرة، فهم معنا فيهم الجهة كالمعتزلة، يثبتون الرؤية، ولذلك حاروا في تفسير تلك الرؤية. فمنهم من قال: يرونه من جميع الجهات. ومنهم من جعلها رؤية بالبصيرة لا بالبصر. وقال المقصود: زيادة الانكشاف والتجلي حتى كأنها رؤية عين. وهذه الآيات التي أوردها المؤلف حجة على المعتزلة في نفيهم الرؤية. فإن الآية الأولى قد يرونها من جميع الجهات التي أوردها فيها بإله، فيكون بمعنى الإبصار، لأن النظر لها معاني في اللغة. فإنها إذا عديت بنفسها كانت بمعنى التوقف والانتظار، مثل قول الله عز وجل ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، يعني انتظرونا. وإذا عديت بفيء، فهو بمعنى التفكر والاعتبار، كما قال سبحانه ﴿وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فالمراد هنا النظر المعنوي مع النظر الحسي، أي نظر تفكر وتدبر وتأمل. وهكذا كذلك المعنى الأول، فيه معنى النظر الحسي مع النظر المعنوي، التوقف والانتظار مع ما فيه من النظر كذلك. وهكذا إذا عدي باللام، كان بمعنى الرأفة، فيقال: نظر الأمير لفلان، بمعنى رأفة ورحمة. ولو تأملت ودققت، وجد أنه متضمن كذلك لمعنى النظر الحسي، فهو نظر معنوي بمعنى الرأفة، وفي ضمنه معنى النظر الذي هو الرؤية، لأنه ما يقع ذلك إلا عن نظر عين. وهكذا إلى آخره، كان بمعنى المعاينة والإبصار، كما في هذه الآيات ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ومثل قوله سبحانه ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾، فهو من النظر، ليس من الانتظار. والمقام مقام إكرام، فلو كان بمعنى الانتظار لم يحصل به الإكرام، بل كان هذا تعذيبا. نحن نرى أن الآيات كما سبق هي في ذكر مقام الإكرام، فعلم أن المعنى هو النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. كيف قد جاءت آيات وآيات وآيات في إثبات هذا المعنى، وبأوجه مختلفة، مرة على وجه الإثبات، ومرة على وجه النفي، أي نفي الرؤية عن الكافرين، بما يوجب إثباتها للمؤمنين. وهذا كله يؤكد إثبات الرؤية. وهكذا في السنة، كما سيأتي إن شاء الله أكثر. قال رحمه الله تعالى: فيكون بمعنى الإبصار، يقال: نظرت إليه وأبصرته، بمعنى. ومتعلق النظر هو الرب جل شأنه، يعني أن الله جل وعلا ينظر إليه بما يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وهذا النظر لا يقتضي إحاطة، ولا يقتضي كذلك أي معنى من المعاني التي يكون فيه تشبيهه بالمخلوق، لأنه سبحانه كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وأنت لو تأملت هذه الأدلة التي استدلوا بها، وهذا المعقول الذي استدلوا به، تجده فاسدا. أما ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فمعناه ليس لا تراه، وإنما لا تحيط به، فالإدراك هنا بمعنى الإحاطة، الإدراك بمعنى الإحاطة، أي لا تحيط به الأبصار، ليس معنى لا تراه. فالمنفي ليس الرؤية، وإنما المنفي هو الإدراك، فنبقى على لفظ القرآن، ننفي الإدراك ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، لكن ما نقول: لا تراه الأبصار، هذا خطأ، لأنه ليس هو لفظ القرآن. فبقي إثبات الرؤية والنظر بأدلة أخرى من الكتاب ومن السنة، وهذا هو الواجب. الإبقاء على ما أثبتت أدلة الكتاب والسنة، ونفي ما نفاه دليل الكتاب والسنة، وليس هناك تعارض، فعلم أن هناك معنى ثابت ومعنى منفي. ما هو المعنى الثابت؟ وما هو المعنى المنفي؟ المعنى الثابت هو إثبات الرؤية، والمعنى المنفي هو نفي الإدراك. فعلم أن هناك فرق بين الرؤية والإدراك، فالرؤية شيء والإدراك شيء آخر. فإن الإدراك فيه معنى إحاطة، كما سيأتي إن شاء الله. وهكذا ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولكن انظر إلى الجبل، هذه قضية عين، ولا يصح أن يستدل بها على نفي الرؤية مطلقا. وإذا نظرت وتأملت الأدلة، تجد أن هذا في حق الدنيا، هذا في حق الدنيا، ولهذا قيد وعلق بهذا القيد: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. وكما ذكر العلماء -علماء أهل السنة- أن هذا يدل على العكس، على إثبات الرؤية، لأنه لو كان لا يجوز لما طلبه موسى عليه الصلاة والسلام. فإنما قام الأنبياء، وهم أعرف الناس بالله عز وجل، وبما يجوز بحقه أعظم المقام. فلازم قول المعتزلة اتهام موسى أنه سأل ما لا يجوز، ولكن فيه إثبات الرؤية وأنها ممكنة، لكنها لا تكون في الدنيا، وهذا الذي ثبت به أدلة السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، ومعناه أنه لن تكون رؤية في الدنيا، وإنما تكون بعد الوفاة. وأما قوله: وأما الأشاعرة، فهم معنا فيهم الجهة كالمعتزلة، يثبتون الرؤية. يا أخي، رحمه الله، فهم معنا فيهم الجهة كالمعتزلة، يعني ينفون الجهة، لأنهم لا يقولون بإثبات العلو، وهم يثبتون الرؤية، فصار هذا تناقضا، أورث هذا التناقض تناقضا في مبحث الرؤية. هم كالمعتزلة ينفون الجهة، فالأشاعرة -كما تعرفون- منهم من يقول: إنه بكل مكان، ومنهم من يقول: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت إلى آخره. وهم يثبتون الرؤية، لأن إمامهم أثبتها -أي الأشعري- فصار هذا موجبا للتناقض. فكيف صنعوا؟ أرادوا أن يجمعوا بين القولين، فكان منهم من قال -كما قال رحمه الله- يرونه من جميع الجهات، أو يعبروا بتعبير آخر: يرونه لا في جهة. وهذا أثر عن الجويني، كما ذكر عنه وذكره في الإرشاد. وهكذا كذلك الغزالي في الاقتصاد، ونقل عن جماعة. ومثلوا له بالمرأة، فإنك ترى نفسك فيها في غير جهة، ليس لها جهة توجهها، حي توجهت، فإنك ترى نفسك فيها. فالنهاية هم في الحقيقة لا يثبتون الرؤية، لأنهم يثبتون رؤية خيالية، ليست حقيقية. وهكذا قول طائفة أخرى، قال: ومنهم من جعلها رؤية بالبصيرة لا بالبصر، وهذا قول الكثير من المتأخرين منهم، كالرازي والغزالي وغيرهم، فإنهم يجعلون الرؤية بالبصيرة، يعني بالقلب، ليس بالبصر، أي بالعين. وهذا باطل، منافي لأدلة القرآن الكثيرة. وقد رد على هذه الأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في مواضع من كتبه، في «مجموعة الفتاوى»، في المجلد السادس والسادس عشر، وهكذا كذلك الثاني عشر، في كتابه «درء التعارض»، وفي «نقض التأسيس»، في مواضع كثيرة. وقوله: وقال المقصود: زيادة الانكشاف والتجلي حتى كأنها رؤية عين، يعني حقيقة قولهم في الحقيقة نفي الرؤية، ولهذا هم يقولون: كأنها رؤية عين، في النهاية. مع أن أدلة الكتاب والسنة أثبتت رؤية حقيقية، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث جرير: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، فهنا شبه الرؤية بالرؤية، لا المرء بالمرء، إنما شبه الرؤية بالرؤية أنها رؤية حقيقية واضحة، كما أنكم ترون القمر رؤية حقيقية واضحة. وهذا إثبات الرؤية على حقيقتها، لا كما يقول هؤلاء. نكتب بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله لدرس لاحق، الله أعلم.